يتركز الحوار عند هذا المنعطف من الكتاب على العراق باعتباره يتصدر الآن من المنظور الأميركي مشكلات المنطقة، وينصب النقاش بصفة خاصة على الانسحاب الأميركي من أرض الرافدين، ونلاحظ على الفور الخلاف بين الرؤيتين الجمهورية التي تدعو إلى التريث في هذه الخطوة والديمقراطية التي تشدد على ضرورة الاستعداد للقيام بهذه الخطوة ضمن شروط محددة، ونلمح إشارة إلى أن مشكلات المنطقة تضم بنودا عديدة، في مقدمتها «القضية الإسرائيلية-الفلسطينية».

كما يسميها المتحاورون على صفحات هذا الكتاب والمواقف المتذبذبة التي ترتبط بعلاقات أميركا مع إيران. ويشق الحوار منعطفا آخر مهما يدور حول ما يمكن أن تضمه مكالمة هاتفية يجريها الرئيس الأميركي جورج بوش من مكتبه قبل رحيله عنه مباشرة، حيث لا يتردد بريجنسكي في القول إن هذا الحوار الهاتفي ينبغي أن يتضمن الإعراب عن الشكر للرئيس بوش لأنه لم يبدأ حربا إضافية أخرى ضد إيران، وعقب ذلك ينتقل الحوار إلى الصراع العربي الإسرائيلي الذي يشكل القضية التي يصفها إجناتيوس بأنها »مسألة شاقة ودائمة». ويبقى السؤال المهم هو :كيف يتصور أطراف الحوار إمكانية حل قضية على مثل هذا القدر من التشابك والتعقيد؟

هكذا تحولت حوارات كتابنا إلى العراق، وبالتحديد إلى قضية انسحاب القوات الأميركية من ساحة العراق. وبديهي أن حملات السباق الرئاسي في أميركا أوضحت كيف أن الجمهوريين لا يحبذون انسحابا وشيكا ولا سريعا ولا شبه وشيك أو سريع من العراق، في حين أن الديمقراطيين يفضلون الإعلان عن الانسحاب، ولكن بالطبع ضمن جداول زمنية توضع بعد استشارة العسكريين العاملين في الميدان. وفي سياق الحديث عن هذه النقطة كان طبيعيا أن يختلف قطبا الحوار في كتابنا.. الجنرال سكوكرفت يعلن التريث من وجهة نظر الجمهوريين، والبروفيسور بريجنسكي يرى أهمية الاستعداد للانسحاب من وجهة نظر الديمقراطيين ولكن.. بشروط..

هنا يقاطعه الصحافي إجناتيوس طالبا منه مزيدا من الإيضاح والتفسير، وهنا أيضا يستطرد الدكتور بريجنسكي (ص41) قائلا: لو تم الانسحاب فرضا في غضون 60 يوما لكان أمرا مرفوضا لأنه مباغت ولن يتيح للفرقاء أن يخلقوا السياق السياسي اللازم لمثل هذه العملية.. لكن أن يتم الانسحاب في ظرف 16 شهرا (اقتراح باراك أوباما) فربما يكون ذلك كافيا. مع ذلك ـ يستطرد بريجنسكي ـ فأنا أقول للرئيس الأميركي المقبل، سواء كان ديمقراطيا أم جمهوريا، وأيا كان رأيه في أمد الانسحاب أو مدة الاستبقاء، إن عليه في كل حال أن يشرك القادة العراقيين أنفسهم في إطار مناقشات جادة بشأن علاقة طويلة الأمد مع العراق وبشأن استعداد من جانب أميركي للخروج من هناك في مرحلة طالت أو قصرت من عمر الزمن.

يضيف المفكر السياسي الأمريكي قائلا:على الرئيس المقبل أن يركز انتباه العراقيين على حقيقة أن الاحتلال لن يمتد إلى ما لا نهاية، وأنهم لابد أن يقفوا على أقدامهم عند نقطة ما تأتي عاجلا في ظل الديمقراطيين وسوف تأتي ولو آجلا مع الجمهوريين. بعد ذلك.. يرى بريجنسكي أن تعاود القيادة الأميركية الجديدة النظر في توصيات مجموعة بيكر ـ هاملتون التي تدارست قضية العراق في إطار دور أميركا في المنطقة.

وخلصت منذ عدة شهور إلى التوصية بالإطلالة على قضايا العراق والمنطقة من منظور إقليمي أوسع وأشمل. وربما يتمثل هذا المنظور، كما يوضح كتابنا، في إيجاد إطار إقليمي يتم تدارسه ورسم معالمه من خلال مؤتمر يضم جميع جيران العراق ويتدارس أبعاد مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي.

من ناحيته يرى الجنرال سكوكرفت أن الوجود الأميركي في العراق لا يشكل جزءا من المشكلة بقدر ما يشكل جزءا من الحل(!)... بمعنى أن استمرار هذا الوجود لفترة من الزمن يمكن أن يساعد على المزيد من استتباب الأوضاع.. مزيد من الاستقرار ونبذ العنف باعتبار أن هذا الوجود يمكن أن يكفل بيئة للتواصل أو التفاهم أو التوافق بين الأطراف الفاعلة على ساحة العراق. ويتساءل الجنرال الجمهوري في هذا السياق قائلا:لكن هل نحن حقا جزء من المشكلة؟

ثم يجيب معترفا ومحللا:أجل.. بمعنى أننا نمارس الاحتلال. ثم يواصل الحديث في نفس النقطة ليقول: إن العراقيين قوم معتزون بأنفسهم وهم يرفضون الاحتلال.. ولذلك فمن المهم إقناعهم من خلال سلوكنا بأننا لسنا محتلين.. وبأننا نحاول مساعدتهم، ولكن علينا أن لا نقدم هذه المساعدة إلا بقدر ما تدعو الحاجة إليها.. أما العامل المهم الآخر فهو جيران العراق.. ومن المخاطر المحدقة في هذا الشأن احتمال أن ينقسم العراق إلى أجزاء متناثرة.. وبالنسبة لي فهذا هو العامل الذي يمكن أن يثير عواصف العنف في المنطقة.

عند هذا المنعطف من مسار الطرح الفكري يتدخل بريجنسكي ليرد على شريكه أو منافسه بشأن قضية الوجود الأميركي في العراق. يؤكد عالم السياسة لرجل العسكرية أن إنهاء الوجود الأميركي في العراق ـ فك الاشتباك كما يسميه بريجنسكي ـ هو الكفيل بتخفيف درجة خطر الانقسامات في الكيان العراقي، بل «إن وجودنا هناك يسهم في احتمالات هذا الانقسام وما علينا سوى أن نتأمل الأوضاع الراهنة حيث ان أكثر المواقع استقرارا وأقلها عنفا في العراق هي تلك التي اكتملت لها سبل الحكم الذاتي».

مع هذا كله، يؤكد بريجنسكي أن سياسة أميركا في المنطقة لا ينبغي لها مستقبلا أن تقصر اهتمامها على أوضاع العراق.. ويقول: الحرب في العراق جزء من شبكة أوسع من المشاكل التي نواجهها في المنطقة، وكلها مشاكل متشابكة ومتفاعلة بحيث تخلق حالات التوتر والصراع بل والمخاطر.

ومن هذه المشاكل طبعا القضية الإسرائيلية الفلسطينية (هكذا يسميها كتابنا) وهذه المسألة تثير كما كبيرا من المشاعر الراديكالية المناهضة لأميركا.. ومن هذه المشاكل أيضا تلك المواقف المتذبذبة التي ترتبط بعلاقات أميركا مع إيران.. ومن ثم فأنا أرى أن أي أسلوب يتبع لمقاربة مسألة العراق لابد وأن يضع في اعتباره مدى الترابط بين هذه القضايا بشكل عام.

وعلى عادة الصحافيين المحترفين، يعمد الكاتب ديفيد إجناتيوس إلى تحويل مسار الحوار نحو فكرة جديدة وطريفة أيضا. يقول لرفيقيه:دعونا من تصوراتكما بشأن رئيس أميركا الجديد.. ولنفكر في أمر رئيس أميركا الموشك على أن يكون سابقا.. فلنتصور أن بلغنا آخر يوم في رئاسة جورج بوش.. ثم دق جرس هاتفك يا جنرال سكوكرفت وإذ بصوت الرئيس يأتيك عبر الأسلاك قائلا: كل ما أريده أن أراجع معك الموقف وأنا أغادر المكتب البيضاوي.

لقد سبق لك أن كتبت بأن حرب العراق كانت خطأ لم يكن لي أن أرتكبه. ثم أني أتهيأ للرحيل وأسألك: هل تحققت ايجابيات أم أنها كانت غلطة؟ على هذا السؤال الافتراضي أجاب الجنرال سكوكرفت (ص55) قائلا:يا سيادة الرئيس.. هذا سؤال يجيب عنه المؤرخون.. وقد أصبح لا محل له من الإعراب في اللحظة الراهنة، فنحن الآن ـ سيادة الرئيس ـ متورطون في العراق ومن ثم فتركيزنا ينبغي أن ينصّب على كيفية التعامل مع وجودنا هناك بحيث يصبح العراق عامل استقرار وليس عامل اضطراب في المنطقة.

ـ زبيج

هكذا تكلم الصحافي ديفيد إجناتيوس مخاطبا بريجنسكي باسمه الأول من باب التودد ورفع الكلفة بطبيعة الحال. ماذا لو وُضعت أنت في نفس الموقف.. وتكلم معك الرئيس بوش رغم معرفة الجميع بأنك كنت ناقدا على طول الخط لحرب العراق؟

شكرا.. سيادة الرئيس!

في معرض الإجابة ـ الافتراضية طبعا ـ استرسل أستاذ العلوم السياسية محاضرا الرئيس بوش، من باب الافتراض أيضا، حول تطورات الأمور في العراق. وحين تطرق إلى حديث عن المستقبل قاطعة رفيق الحوار ـ الجنرال سكوكرفت يقول من باب التذكير:

ـ الافتراض أنك في آخر يوم من رئاسة بوش.. فلا مجال لحكاية المستقبل..

ـ حسنا ـ رد زبجنيو بريجنسكي مستطردا: لن أقول له مثلا: سيادة الرئيس ماذا عن وعودك بأنك سوف تتوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين قبل أن تغادر منصبك؟..

ـ وها قد وصلتما بالفعل إلى آخر يوم من منصبه.

ـ في هذه الحالة.. أود أن أتمكن من أن أخاطب السيد بوش قائلا: شكرا جزيلا سيادة الرئيس انك لم تبدأ حربا إضافية أخرى ضد إيران!

ماذا عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؟

عند هذه النقطة كان طبيعيا أن يتوقف الحوار مليا بقدر أكبر من التفكر والتأمل والنقاش حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ القضية التي يصفها الكاتب إجناتيوس مع استهلال الفصل الثالث من كتابنا بأنها «مسألة شاقة ودائمة وقد رافقتنا طوال العمر».

ومن المصادقات التاريخية أن كلا من طرفي الحوار كان له دور ملحوظ إن لم يكن فاعلا في معالجة مشكلة المشاكل في الشرق الأوسط: الدكتور بريجنسكي كان معاونا للرئيس جيمي كارتر لتحقيق ما يصفه الكتاب (ص79) بأنه أول اختراق كبير متمثلا في «اتفاقات كامب ديفيد التي أتاحت إبرام معاهدة سلام بين إسرائيل ومصر». ومن ناحيته كان الجنرال برنت سكوكرفت لاعبا أساسيا كما يصفه الكتاب أيضا في عملية مدريد للسلام «التي تُوجت بمعاهدة سلام بين إسرائيل والأردن».

كل منهما كان له تجربته، لا على سبيل الممارسة وحسب بل وبفضل تحقيق نجاحات أيضا.. كيف يريان إذن أبعاد الدور الذي اضطلعت به وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في هذا المضمار؟

أجاب بريجنسكي معربا عن شعوره ـ من واقع خبرته ومعايشته السابقة - بأنه متشائم في إمكانية أن يتوصل طرفا النزاع ـ أو الصراع ـ وهما إسرائيل والفلسطينيون إلى حل إذا ما تركا وشأنهما.. وهو ما يفرض دورا لابد وأن تضطلع به الولايات المتحدة بالذات.

لماذا؟ لأن المشكلة كما يصفها بريجنسكي أيضا مشكلة بالغة الضخامة والصعوبة والخطورة لدرجة يستعصي حلها على الطرفين وحدهما.

ويستطرد المفكر الأميركي قائلا: صحيح أن الإسرائيليين قد يتصورون أن أميركا تفرض هذا الحل أو ذلك المخرج لذلك ينبغي استخدام عبارة أن أميركا «تساعد الطرفين على التماس الحل» يقول هذا رغم أن خبرته المباشرة أيام كامب ديفيد الأولى (يقصد مفاوضات السادات + كارتر + بيغن).

تؤكد أن قامت «جميع المفاوضات على أساس أوراق (بمعنى دراسات + وثائق + تقارير) أميركية جيدة الإعداد غنية التفاصيل فكان أن أوضحت أميركا الترتيبات البديلة أمام الأطراف المعنية (ص81). وتمت العملية (في كامب ديفيد) بتوجيه رئيس أميركي (جيمي كارتر) كان على إلمام معرفي بالمادة التي يتعامل معها.. وكان فوق ذلك يتحلى بقدر كبير من المثابرة والإصرار».

من ناحيته أيضا حكي مساعد الرئيس بوش الأب كيف كان صدام حسين يريد فتح النقاش في القضية الفلسطينية وكيف رد الطرف الأميركي قائلا:لا.. سوف نتعامل أولا مع غزوك للكويت.

بعدها ـ يضيف سكوكرفت قائلا:

ـ قلنا للعالم العربي: تمسكوا بنا.. وشاركونا فيما نقوم به.. ولسوف نواصل المسير في عملية السلام.. وأحسب أننا منحنا العالم العربي الثقة عندما أبدينا تصميما بغير تحيز في مجابهة عدوان على دولة عربية.. كانت عملية صعبة ولكنها مهدت السبيل إلى عملية مدريد.

المؤلفون في سطور

* البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أستاذ العلوم الإستراتيجية والمفكر السياسي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو حاليا أستاذ في جامعة جون هوبكنز.

* الجنرال ـ طيار برنت سكوكرفت الذي كان مساعدا عسكريا للرئيس نيكسون ثم عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب ويتولى حاليا رئاسة بيت للخبرة والمشورة في شؤون المال والأعمال الدولية.

* ديفيد اجناتيوس هو كاتب العمود نصف الأسبوعي في جريدة «واشنطن بوست» الواسعة النفوذ، وقد أمضى أكثر من 30 سنة في بلاط صاحبة الجلالة صحافيا في جريدة «وول ستريت» ثم رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «هيرالدتربيون» الدولية.

الصفحات: 290(متوسط)

الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم

تأليف: بريجنسكي وسكوكروفت وإجناتيوس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008