وأخيراً، تصالحت الولايات المتحدة مع تاريخها واقترعت في انتخابات تاريخية شهدت الإقبال الأكثف لمصلحة المرشح الديمقراطي باراك حسين أوباما، أول رئيسٍ أسود ليصبح السيد ال44 للبيت الأبيض بعد نحو 45 عاماً من حلم مارتن لوثر كينغ بالمساواة، بعد انتصاره الساحق على منافسه الجمهوري جون ماكين على المستويين الشعبي والنسبي، من خلال أصوات «المجمع الانتخابي» ليعبر فارق ال150 مندوباً، فيما كان ماكين أول المهنئين داعياً إلى العمل سويةً مع المرشح الديمقراطي، تلاه الرئيس جورج بوش، بينما ألقى الرئيس المنتخب خطاباً تاريخياً أمام نحو 200 ألف من المحتفلين، أشار فيه إلى هبوب رياح التغيير على البيت الأبيض، لكنه لم يغفل الإشارة إلى الصعوبات التي تعترض طريقه.
وحقق أوباما ما مجموعه 349 صوتاً من بين 538 هي أصوات المجمع الانتخابي، مقابل 163 لماكين مع بقاء ولايتي ميسوري ب11 صوتاً وكارولينا الشمالية ب15 صوتاً في خانة الولايات المتأرجحة رغم التقدم الطفيف الذي حققه المرشح الجمهوري في كلتا الولايتين بواقع 6 آلاف صوت تقريباً في ميسوري، و12 ألفاً في كارولينا الشمالية، ما يعني إمكانية رفع عدد المقاعد التي فاز بها سيناتور أريزونا في المجمع إلى 189 صوتاً فقط. ويعتبر أوباما الرئيس الديمقراطي الخامس عشر في تاريخ البلاد وخامس أصغر رئيس ينتخب بعمر 47 عاماً، وينتظر أن يؤدي نجل المهاجر الكيني والمرأة البيضاء، اليمين الدستورية في ال20 من شهر يناير من العام المقبل، وسط تحديات كبيرة بدءاً بالأزمة الاقتصادية الراهنة مروراً بالحرب في العراق والإرهاب، حيث أشارت استطلاعات الرأي إلى أن 62 في المئة من المصوتين اعتبروا الاقتصاد همهم الأول، فيما اعتبر 10 في المئة العراق كأولوية لهم، مقابل 9 في المئة رأوا في الحرب على الإرهاب القضية الأبرز.
وحملت تلك الانتخابات صفة «التاريخية» بكل معنى الكلمة. فبالإضافة إلى انتخاب أول أسود رئيسٍ للبلاد، شارك نحو 66 في المئة من الناخبين الأميركيين في الانتخابات في رقم قياسي لم يسجل منذ انتخابات العام 1908.
كما حاز أوباما على ثقة 52 في المئة من المقترعين على المستوى الشعبي، بحصوله على تأييد نحو 5,62 مليون أميركي في مواجهة 5,55 مليوناً دعموا المرشح الجمهوري أي ما يعادل 46 في المئة. وفور إعلان محطة «سي إن إن» النتائج الأولية، نزل مئات الآلاف من الأميركيين على اختلاف مشاربهم إلى الشوارع تعبيراً عن فرحهم الغامر بمصادقة المجمع الانتخابي على رسالة التغيير التي لطالما شدد عليها أوباما.
وكان ماكين أول المبادرين بإعلان فوز أوباما بعدما أقر بهزيمته، في كلمةٍ ألقاها أمام مئات من أنصاره وبحضور زوجته سيندي ومرشحته لمنصب نائب الرئيس سارة بالين، التي لم تتمالك نفسها لتذرف دموع الحزن، على أمل ترشحها لمنصب الرئاسة عام 2012 كما يتوقع كثيرون.
وفي مقر حملته الانتخابية في مدينة فينكس في ولاية أريزونا، أعلن ماكين أنه اتصل بأوباما مهنئاً متمنياً التوفيق للرجل «الذي كان منافسي السابق وسيكون رئيسي المقبل». وأضاف «لقد وصلنا لنهاية رحلة طويلة قال خلالها الشعب الأميركي كلمته بوضوح». وأطلق بعض مؤيدي المرشح الجمهوري صافرات الاستهجان لدى ذكر اسم أوباما، ما استدعى ماكين إلى الطلب منهم بالتوقف، مشدداً على ضرورة «العمل معاً لكي تمضي البلاد قدماً من جديد»، ومشيداً في الوقت نفسه ب«الأهمية الخاصة» لفوز أوباما بالنسبة ل«الأميركيين الأفارقة». وصاحت إحدى المجتمعات «لن يكون هناك داع للقلق من رئيس إفريقي أميركي آخر لأنه مع ما سيحصل مع أوباما خلال السنوات الأربع المقبلة، فإننا لن ننتخب بعد ذلك رئيساً أسود».
بدوره، اتصل الرئيس المنتهية ولايته جورج بوش بأوباما مهنئاً داعياً إياه وأسرته لزيارة البيت الأبيض قريباً وقضاء «رحلة عظيمة»، بحسب ما صرحت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو، التي أفادت بأن بوش هاتف أيضاً ماكين موضحاً له شعوره «بالأسى» لخسارته. ومن جهته، وأمام نحو 200 ألف شخص احتشدوا في حديقة «غرانت» العامة في مدينة شيكاغو في ولاية إيلينوي، ألقى الرئيس المنتخب باراك أوباما خطاب النصر التاريخي مستهلاً إياه بعبارته المحببة «التغيير أتى إلى أميركا».
وقال أوباما إن «الطريق سيكون طويلاً وشاقاً. ولربما لن نصل إليه في عام أو حتى ولاية واحدة، ولكني الليلة كلي أمل بأننا سنصل إلى هناك». وأضاف وسط ترديد المحتفلين عبارة «نعم نستطيع.. نعم نستطيع» مشيراً إلى أن نتيجة الانتخابات هي «رد على كل من يشكك في أن الولايات المتحدة هي مكان يمكن أن يحدث فيه أي شيء، وفيما إذا كان حلم الآباء المؤسسيين ما زال حياً». وأشاد بمنافسه ماكين واصفاً إياه ب«الشجاع» و«الوطني» و«غير الأناني».