قبل بضعة أيام، اعترفت شخصيتان بارزتان في صفوف «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة بارتكاب أخطاء جسيمة فيما يتعلق بحرب العراق. ونقلت صحيفة «دي تسايت» الألمانية الأسبوعية عن النائب السابق لوزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز قوله إنه «لم يكن لدينا أدنى فكرة عن العدو..
لم يكن لدينا فكرة عن الحرب الداخلية التي يمن أن يدبرها النظام»، في إشارة لنظام الرئيس العراق الراحل صدام حسين، نافياً أن يكون للمحافظين الجدد أي تأثير حقيقي أو دور في اتخاذ قرار الحرب، وحمل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد مسؤولية ذلك.
وفُسرت هذه التصريحات على أنها محاولة لتدعيم محاولات المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية جون ماكين الذي سعى جاهداً في الآونة الأخيرة للتمايز عن سياسات الرئيس جورج بوش بناءً على نصيحة من مستشاريه، لما تسببت به هذه السياسات من تبعات أوصلت البلاد إلى حافة أزمة اقتصادية خانقة، لن يكون من السهل الخروج منها.
فضلاً عن حربين داميتين في كل من العراق وأفغانستان، لا تزال المكاسب الأمنية الهشة التي تحققت فيهما عرضة للضياع في أي لحظة. لكن، وعلى الرغم من تبعات هذا الفشل الذي سيحتل مساحة كبيرة من أجندة الرئيس القادم قد يكبله لفترة ليست بالقصيرة، إلا أن الإدارة الأميركية الحالية أبت إلا أن تتابع على ذات الخطى التي أوصلت الأمور لهذا الحد من التأزم العالمي.
ففرضت عقوبات جديدة على إيران، ووجهت العديد من الضربات العسكرية داخل الحدود الباكستانية بحجة ملاحقة عناصر «طالبان»، رغم اعتراضات الحكومة الباكستانية الحليفة على هذه الضربات، وأخيراً وليس آخراً، وجهت ضربة غير مسبوقة داخل الحدود السورية.
استهدفت «شخصاً من تنظيم القاعدة» متهم بالعديد من «العمليات الإرهابية وبتهريب المقاتلين إلى العراق» في قرية السكرية في مدينة البوكمال، بحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام عن مصادر أميركية لم تسمها.
ويؤكد كل ذلك أن العنوان الأبرز للاستراتيجية الأميركية لما يسمى بمكافحة الإرهاب لا يزال على حاله لجهة إيلاء الضربات الاستباقية الأولوية المطلقة، رغم كل الفشل الذي منيت به هذه الاستراتيجية، ورغم الاعترافات المذكورة سابقاً لعرّابي الدعوة لاجتياح العراق وأفغانستان من قبل المحافظين الجدد.
وكمبرر لذلك لم يجد الرئيس الأميركي جورج بوش قبل أربعة أيام على بدء التصويت في الانتخابات الرئاسية غير الحديث عن «الأمان يفوق الأمان الذي كان سائداً في بداية ولايته»، وأن «أكثر من 7 سنوات مضت منذ 11 سبتمبر 2001، ولم يقع أي اعتداء آخر»، معيداً سبب ذلك للتدخل العسكري في أفغانستان والعراق الذي وضع تحت شعار «الحرب على الإرهاب».
لكن بوش تجنب الحديث عن هشاشة الإنجازات الأمنية التي تحققت، كما يبدو أنه تناسى أن الضربة التي تعرضت لها بلاده في 11 سبتمبر 2001 كانت الأولى لجهة حجمها ونوعها منذ عملية بيرل هاربر في 7 ديسمبر 1941، وأن فترة الأمان التي عاشها الأميركي بين التاريخين أطول بكثير من فترة السبعة أعوام التي يتحدث عنها.
فراس كيلاني: feraskilani@hotmil.com