يوماً بعد يوم، تزداد قسوة الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ يونيو 2007، وتتعدد وجوهه الاقتصادية والصحية والتجارية والزراعية والتعليمية، لتضرب الفلسطينيين في مقتل، وتجعلهم أشبه بشعب أسير لا يستطيع حتى الاقتراب من بوابة زنزانته.
هذا الحصار الذي وجد تعاطفا كبيرا من جانب المنظمات والجمعيات الحقوقية والناشطين السياسيين في الغرب، لم يكن كذلك على الصعيد الرسمي، إذ تعامل معه الجميع على أنه أمرا لابد منه، ولم تصدر مواقف قوية تدينه، أو تحث الخطى من اجل رفعه وكأنه أصبح قدرا على الفلسطينيين في القطاع، الاستسلام وانتظار الموت لدفع ثمن ذنب لم يرتكبوه، وهو أنهم وقعوا ضحية تجاذبات فلسطينية داخلية، أدت مع تربص إسرائيلي من الخارج، إلى جعل الحصار واقعا يصعب تغييره.
عقاب السياسة والجغرافيا
قطاع غزة هو شريط ضيق من الأرض.. فقير ومكتظ بالسكان يفترض أن يشكل مع الضفة الغربية الدولة الفلسطينية المرتقبة. في هذا الشريط الساحلي الضيق الذي تبلغ مساحته 365 كيلومترا مربعا يعيش نحو 5. 1مليون فلسطيني، ما يجعله من أكثر المناطق المكتظة بالسكان في العالم.
يقع قطاع غزة جنوب غرب إسرائيل، تحده مصر جنوبا والبحر الأبيض المتوسط غربا، ويبلغ طوله 45 كلم فيما يتراوح عرضه بين ستة وعشرة كيلومترات. ازدادت الأزمة الاقتصادية في القطاع منذ فرضت عليه إسرائيل حصارا محكما بعد سيطرة حركة «حماس» عليه قبل عام ونصف، بزعم ردها على إطلاق الصواريخ على الدولة العبرية.
900 ألف تقريباً من سكان قطاع غزة هم من اللاجئين أو المتحدرين من لاجئين هربوا إلى غزة بعدما طردوا من منازلهم غداة قيام دولة إسرائيل في 1948. وبعد أول حرب عربية إسرائيلية في العام 1948 وضع القطاع تحت الإدارة المصرية. وكان قطاع غزة خلال معركة السويس في العام 1956 المسرح الوحيد للمواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وانسحبت إسرائيل من قطاع غزة العام 1957 قبل أن تحتله مجددا إبان الحرب العربية الإسرائيلية في يونيو 1967. ورغم الرحيل عن القطاع في 2005، إلا أن إسرائيل أبقت على سيطرتها على المجال الجوي والمياه الإقليمية له.
من رحم المأساة
تتعدد التقارير اليومية عن واقع الحصار الصعب في غزة، والآثار والتداعيات التي تسبب بها على مدى الأشهر السابقة، وإذا حاولنا اختصارها في نقاط محددة، لوجدنا انها تشبه شهادات حية من رحم المأساة التي تطوق أعناق الفلسطينيين، وتجعلهم في وضع لا يحسدون عليه على الإطلاق.
أول شهادة من رحم المعاناة، هي عبارة عن أرقام وإحصاءات علمية، ترصد لنا آثار الحصار على الوضع الاقتصادي للفلسطينيين، إذ أشار تقرير أصدرته أخيرا اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، إلى «ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في قطاع غزة إلى نسبة 80 في المئة جراء تداعيات الحصار».
كما أشار التقرير إلى ارتفاع مستوى البطالة بين الفلسطينيين في غزة إلى مستوى 65 في المئة الأمر الذي حد من قدرة المواطنين الغزيين على تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية إلى جانب الانخفاض الحاد في مستوى دخل المواطن ليصل إلى ما دون 650 دولاراً أميركياً سنويا ودولارين يومياً.
وأكد التقرير أن «أكثر من 43 في المئة من مؤسسات القطاع الخاص قامت بوقف أنشطتها التجارية بالكامل في حين أن أكثر من 55 في المئة من تلك المؤسسات خفضت أنشطتها التجارية بنسبة تتجاوز 75 في المئة، الأمر الذي أدى إلى انضمام أكثر من 500. 35 عامل إلى جيش البطالة».
القتل غير الرحيم
إذا كانت الإحصاءات السابقة، تؤشر إلى بشاعة الحصار، وتسببه في هذا التدهور الرهيب للوضع الاقتصادي في قطاع غزة، فان آثاره على الوضع الصحي، لا تقل خطورة أبدا، بل ربما تفوقه تدميرا، إذ أصبح الوضع أشبه بالقتل غير الرحيم، الذي لا يفرق بين الجميع، ويتجاوز كل الممارسات الإجرامية التي عرفها العالم خلال الحروب الدموية في القرن العشرين.
فبنظرة سريعة إلى نتائج هذا الحصار، والتي رصدتها العديد من التقارير، نجد أن هناك نفادا لعدد كبير من الأدوية الأساسية، يتجاوز أكثر من 160 صنفا، وكذلك نفاذ أكثر من 130 صنفا من المهمات الطبية، بجانب تعطل أكثر من 90 جهازا طبيا بسبب عدم توفر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها.
فضلا عن وفاة أكثر من 252 حالة بين المرضى في القطاع غزة كنتيجة مباشرة للحصار الإسرائيلي. ليس هذا فقط بل ان نسبة الأطفال ضحايا الحصار ارتفعت إلى ما يزيد على 35 في المئة، نتيجة نقص العلاج والمستلزمات الطبية وإغلاق المعابر ومنع الاحتلال خروج الحالات المرضية للعلاج في الخارج.
منظمة الصحة العالمية أعربت من ناحيتها عن قلقها من آثار الحصار الإسرائيلي والظروف المعيشية الصعبة على السلامة النفسية لسكان القطاع، مؤكدة أن «العوامل الاجتماعية مثل الفقر والبطالة والعزلة وانسداد الأفق وتراجع التعليم عناصر أساسية تفاقم المشاكل النفسية التي يعاني منها الأفراد، وتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض نفسية خصوصا بين الشباب».
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فأكدت «انه لا توجد أجهزة تصل إلى قطاع غزة مما يعرض حياة عدة مئات من المرضى للخطر«. وأضافت اللجنة أن «عدد العمليات الجراحية تراجع بنسبة 40 في المئة في مستشفيات القطاع فيما تراجعت نسبة إدخال المرضى للمستشفى بنسبة 20 في المئة».
حرب على العقول
للحصار جانب مظلم آخر على التعليم في غزة، حيث يمارس الاحتلال حربا حقيقية على العقول الفلسطينية، هدفها نشر الجهل وتعميم الظلام والتخلف، وإبعاد الأجيال الجديدة عن التطورات العملية الهائلة التي تحدث في العالم.
ففضلا عن لغة الرصاص التي يستخدمها ضد الطلاب الفلسطينيين، يعمد الاحتلال من خلال الحصار إلى حرمان طلبة الجامعات من الالتحاق بجامعاتهم في الخارج، ومنع دخول الأدوات القرطاسية والورق والحواسيب وملحقاتها إلى القطاع مما أثر سلبا على أكثر من نصف مليون طالب في غزة.
جمعية الدراسات النسوية التنموية الفلسطينية قالت في دراسة مسحية لها أخيرا عن «أثر الحصار على الأسرة الفلسطينية من وجهة نظر المرأة«، إن « نسبة (8. 56 في المئة) من النساء عن اعتقادهن أن نسبة الرسوب بين الطلاب قد ازدادت بينما أعربت نسبة (2. 64 في المئة) منهن عن اعتقادهن ان الحصار تسبب في حصول الطلاب على معدلات دراسية متدنية في فترة الحصار«.
كما أظهرت أن «نسبة (3. 28 في المئة) من عائلات النساء قد حدث فيها تسرب من المدرسة لأحد الأطفال بغرض العمل». من هذا كله، يتضح لنا اننا أمام جرائم حرب حقيقية تمارس ضد قطاع غزة، وتدفع شعبه إلى الاحتضار في نفق الحصار، الأمر الذي يتطلب منا (العرب والفلسطينيين) العمل بشكل جاد وحقيقي من اجل إنهاء هذه المأساة والمعاناة الإنسانية بأسرع وقت ممكن.. لكن كيف؟
عربيا، يجب أن تتجه الدول العربية إلى تطبيق قرار رفع الحصار المالي الذي اتخذه وزراء الخارجية العرب في نوفمبر عام 2006. أما فلسطينيا فعلى حركتي حماس وفتح الترفع عن الخلافات الساذجة بينهما، والتي أضرت كثيرا بالقضية الفلسطينية وشوهت صورتها عالميا، ووضع مصالح شعبهما فوق أية اعتبارات أو مصالح حزبية ضيقة، قبل أن يبحثا عنه يوميا ليجدوه محتضرا في نفق الحصار.