لو كان الشاعر الفلسطيني العربي الكبير محمود درويش حيا يرزق بيننا، لكان بلا شك اعاد التفكير في قصيدته الشهيرة: «سجل أنا عربي» وغير اسمها إلى «سجل أنا لست عربيا»، تقديرا لمدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «اونروا» في قطاع غزة الإيرلندي الجنسية جون جنج الذي امتلك من الشجاعة ما افتقده الكثير من العرب، عندما عبر عن حزنه وغضبه .
مما وصلت إليها الأوضاع في غزة جراء الحصار الإسرائيلي المشدد منذ عام ونصف، وتصريحه الشهير أخيرا بأنه يجب على «صناع السياسة الذين فرضوا الحصار على القطاع غزة أن يشعروا بالخجل وان يتحركوا لإنهاء المأساة التي صنعوها بأيديهم بدلا من الانتظار».
سجل فعلا يا درويش انه ليس عربيا، وان رقم بطاقته ليس خمسين ألفا، وان أطفاله ليسوا ثمانية.. سجل أيضا انه ليس على رأسه عقالٌ فوقَ كوفيّة.. وكفّيه ليستا صلبتين كالصخر.. ولم تسلب كروم أجداده.. لكنه مع هذا كانت لديه الشجاعة الكافية ليعترض على ذبح شعب ببطء، وفي ظل تواطؤ دولي مريب وصمت عربي بلا مبرر على الإطلاق.
سجل أيضا يا درويش أنهم ليسوا عربا.. هؤلاء الناشطون والمتضامنون الأجانب الذين لا يتحدثون بلسان عربي، والذين كانوا على متن سفن صغيرة تمخر عباب البحر من قبرص إلى غزة، إحساسا منهم بالمأساة المفتوحة التي يعيشها اهل القطاع.
نعم إنهم أكثر إحساسا وأكثر تعاطفا وأكثر إيمانا بحق الإنسان في الحياة.. إنهم يدركون أن ما يجري في غزة حرب إبادة جماعية ضد الكبار والصغار.. الأصحاء والمرضى.. الأطفال والنساء. إن هؤلاء جميعا، ربما يكون ما أقدموا عليه مجرد أفعال صغيرة محدودة.
لكنها في الواقع كبيرة للغاية على صعيد الرمزية السياسية، المتمثلة في تحدي الحصار المفروض على قطاع غزة، سواء بالتصريح المباشر - كما في حالة جنج - او بدخول القطاع عن طريق البحر رغم انف إسرائيل، كما أقدم على ذلك المتضامنون الأجانب.
هنا يبرز سؤال.. أين دور العرب في محاولة إنهاء هذه المأساة؟ في الواقع ان هناك قرارا إسرائيليا بالحصار وتأييدا أميركيا - يجد بعض الهوى العربي من اجل وضع حد لسيطرة حركة «حماس» على السلطة في القطاع، حتى لا تكون نموذجا لغيرها من حركات الإسلام السياسي تحتذي به في أي وقت تراه مناسبا وتحاول تقليده ضد النظم القائمة.
لكن إذا كان هذا هو الحال من الناحية السياسية، إلا أن المأساة الإنسانية التي تطال الجميع في القطاع، تجعلنا نحرص على كسره فورا، لأنه ينذر بانفجار غير محمود العواقب على كل الجهات. إن شعب غزة الذي يتألم من قسوة الحصار الجائر، لن يصبر طويلا أمام هذه المهزلة التي يراد بها دفعه إلى حافة النسيان والتلاشي، ولسان حاله سيردد كما قال درويش في قصيدته «سجِّل.. أنا عربي»:
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ
آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ.. من جوعي ومن غضبي
خالد سيد أحمد: Kh33ttt@hotmail.com