طرحت أسلحة الدمار الشامل أسئلة كثيرة على الإنسانية وحول مستقبل الحرب، أسئلة لا يزال «الغموض» يكتنف الإجابات المقدّمة عليها، وهي تشمل الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية. لكن تبقى الأسلحة النووية هي التي أدّت إلى تغيّر كبير في موازين القوى العسكرية في العالم. ولا يزال «نادي» البلدان المالكة لها يقتصر على عدة دول تشمل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية.

وما يتفق عليه الجميع اليوم، ويؤكده مؤلف هذا الكتاب، هو أنه لم يعد هناك أي سر نووي كبير. لكن العقبة الكبيرة أمام امتلاك السلاح النووي تتعلق بالحصول على اليورانيوم المخصّب أو البلوتونيوم، وهذا هو التحدي الكبير. وإذا كانت أسلحة الدمار الشامل قد شكّلت التطور الأكبر في «آلة الحرب» الحديثة فإن «عسكرة الفضاء» تمثل «نقلة نوعية» جديدة «مختلفة» عن جميع المنظومات التي سبقتها. ثم جاءت «ثورة المعلوماتية» وحواسيبها كي تُضيف بعدا آخر الى هذا التحول الذي ستكون له آثاره بالنسبة لـ «حرب المستقبل».

يشير المؤلف إلى أنه يتم الحديث كثيرا وبسهولة عن أسلحة الدمار الشامل، على النحو الذي كان يبدو في تصريحات دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق، لكن هذا لا ينفي واقع أن أسئلة سياسية واستراتيجية وأخلاقية مهمة لا تزال تفتقر إلى إجابات توضحها وتُخرجها من حالة «الغموض» التي تكتنفها اليوم تشمل أسلحة الدمار الشامل، حسب القاموس السائد، الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية والإشعاعية. بخصوص هذه الأسلحة الأخيرة «الإشعاعية» لا يؤيد المؤلف تصنيفها في خانة أسلحة الدمار الشامل، ذلك على أساس أنها مُصممة من أجل جعل متفجرات كلاسيكية مثل ال«تي.ان.تي» قادرة على نشر مواد مشعّة وبحيث لا يُفترض أن يكون هناك انفجار نووي ولا دمار شامل.

أسلحة الدمار الشامل النووية نفسها لها تصنيفاتها وهي تذهب من «الأكثر بساطة» التي تعادل قوة الطاقة التي تصدرها 100 طن من مادة ال«تي.ان.تي» وحتى تلك الرؤوس النووية ذات آل 5 ميغا طن التي تمتلكها الصين هناك أيضا الدول التي تمتلك ترسانات من الصواريخ طويلة المدى مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا. هذه الصواريخ أصبحت تمتلك دقة عالية في إصابة الهدف بحيث أن رؤوسها النووية لا تحتاج إلى تجاوز طاقتها الـ 750 كيلوطن حراري. هذا والفروق كبيرة بين مقذوف نووي بقوة 100 طن وقنابل مثل التي تمتلكها الصين بقوة 5 ميغاطن.

السلاح الأول «الأبسط»، ورغم أن قوة تدميره تتجاوز عشر مرّات أكبر سلاح تقليدي، يمكن أن يلحق التخريب بالدائرة القريبة من نقطة تفجّره. أما السلاح الثاني «الأقوى» فإنه قادر على تخريب مدينة كبيرة وقد يصل عدد ضحاياه إلى ما بين 5 و10 ملايين شخص.

لكن المؤلف يشير في هذا السياق إلى أن الصين لا تمتلك حسب تقديرات عام 2004 سوى 252 مقذوفا نوويا استراتيجيا بينما تمتلك الولايات المتحدة 5968 رأسا نوويا وتمتلك روسيا 4978 وفرنسا 388 وبريطانيا 185 من الرؤوس النووية «الاستراتيجية».

وهناك أيضا الأسلحة النووية «ما دون الاستراتيجية»، أي ذات المدى المحدود وغير العابرة للقارات. وهذه تمتلك الولايات المتحدة منها 1120 رأسا وروسيا 2980 وفرنسا عشرة رؤوس والصين 150 وإسرائيل 200 والهند وباكستان ما يزيد عن 40 من الرؤوس لكل منهما. ويُقدّر ما تمتلكه كوريا الشمالية بحوالي رأسين.

إن مؤلف هذا الكتاب لا يخوض كثيرا في التفاصيل «التقنية» لأسلحة الدمار الشامل فهذه التفاصيل «معروفة» و«متوفرة». ولكنه يركز على «تداعيات» كل صنف منها على «حرب المستقبل». بالنسبة للأسلحة النووية أدّى «التحسين» الكبير في دقة إصابة الصواريخ لأهدافها، منذ مطلع سنوات الستينات إلى سنوات الثمانينات المنصرمة بحيث ان هامش الخطأ قد تقلّص من 2 كيلومتر إلى حوالي مائة متر فقط، إلى تقليص كبير في قوة السلاح من «الميغاطن» إلى «الكيلوطن».

لكن إذا واجهت الدول الجديدة في حيازتها للسلاح النووي مشاكل في «دقة التصويب» أو في عدد الرؤوس النووية فإنها قد لا تولي اهتماما كبيرا بهذه المسائل ولا بالخسائر الناجمة. ذلك أن «ترسانتها» النووية تهدف لتحقيق أغراض سياسية واستراتيجية وليس عسكرية.

ويشير المؤلف إلى أن سقف قوة السلاح الذرّي «الانشطاري» هي حوالي 50 كيلوطن، وأن زيادة قوة الانفجار تتطلب بالضرورة إضافة اليورانيوم المخصّب أو البلوتونيوم مما يزيد من قوة هذا السلاح بحوالي عشرة أضعاف. ذلك إن هاتين المادتين تمثلان العنصرين النوويين الضروريين من أجل إنتاج «قنبلة نووية».

تبقى المشكلة هي الحصول عليهما إذ «لم يعد هناك أي سر نووي كبير حقيقة»، كما يؤكد المؤلف قبل أن يقدّم جدولا، منقولا عن أحد المؤسسات الأميركية التابعة للكونجرس، يخص العقبات التي تواجه برامج تطوير الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية من حيث المواد المطلوب والكفاءات العلمية والتقنية والتجهيزات وبناء المصانع وتشغيلها والكلفة المادية وغير ذلك من المستلزمات في التجهيز والإنتاج.

ويرى المؤلف أنه من الصعب والمُكلف بالنسبة لدولة أو لأية مجموعة الوصول إلى مصاف قوة نووية، ولكن ذلك لا يعود إلى وجود «حاجز تقني لا يمكن تجاوزه» منذ اللحظة التي يتم فيها الحصول على كمية مناسبة من «اليورانيوم 235» أو «البلوتونيوم 239». ويُشار هنا إلى التحذيرات الصادرة عن رجال العلم والقائلة ان «الأيام» التي كان فيها عالم النوويات محاطا بالأسرار قد ولّت وانقضت.

في كل الحالات يبقى الحصول على المواد النووية، أي اليورانيوم المخصّب أو البلوتونيوم، هو التحدي المركزي الذي يواجهه أي مرشح للحصول على السلاح النووي. أما «الحوامل» الممكنة له فهي عديدة. ويحدد المؤلف القول ان الصواريخ تمتلك ميزات على رأسها توفرها وسرعتها ومصداقيتها النسبية. لكن يمكن أيضا استخدام سفينة أو طائرة أو «حقيبة محمولة على الظهر» أو أية وسيلة أخرى.

وتبيّن التحليلات المقدّمة أن الحصول على السلاح النووي يواجه صعوبات كبيرة وكثيرة على الصعيد التقني بالمقارنة مع الأسلحة البيولوجية والكيميائية التي يمكن ل«كيميائي ذي كفاءة» تصنيع بعضها انطلاقا من «مكونات يتم بيعها بشكل مشروع تماما»، كما ينقل المؤلف عن أحد رجال العلم الكبار.

يبدأ المؤلف تحليلاته عن حرب المستقبل في الفضاء بالجملة التالية: «سوف تشمل حرب المستقبل حروب الفضاء، إننا نستطيع أن نعبّر عن هذا التأكيد بكل ثقة». ويرى أنه إذا كانت قد جرت حتى الآن «عسكرة الفضاء» فإن هذا «المجال الجغرافي» لم يعرف حتى الآن أية معركة واقتصر استخدامه «جزئيا» لأهداف استراتيجية. «لكن من المؤكد أن هذا الواقع سوف يتغير»، يقول لنا المؤلف، بل يشير إلى أن التغير قد بدأ فعلا على صعيد متواضع.

إن أسلحة الدمار الشامل والمراكب الفضائية وشبكات الحواسيب تشترك كلها في ميزة استراتيجية واحدة هي أنها مختلفة عن المنظومات العسكرية التي سبقتها والتي لا تزال «بدرجة ما» تعمل بالموازاة معها. وخلال سنوات الأربعينات ومطلع الخمسينات من القرن الماضي كانوا يرتقبون في الشرق كما في الغرب أن حرب المستقبل ستكون «نووية».

وتتم الإشارة إلى أن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق ايزنهاور قد قالت بوضوح انها تعتبر الأسلحة النووية مجرّد آخر ما تمّ التوصل إليه في ميدان التسلّح وأنها كانت تنوي استخدامه «روتينيا» في جميع أصناف الحروب، باستثناء الأكثر صغرا منها. لكن مثل ذلك الموقف تغيّر مع «وصول» الأسلحة النووية التي تقاس قوتها ب«الميغاطن» ومع المدى الذي وصلت إليه الترسانات النووية.

ومع دخول العالم جديّا في «العصر النووي» أثناء الحرب الباردة جرى استخدام السلاح النووي لدفع الجميع نحو «التعقل». ودخل في مفاهيم «الاستراتيجية الحديثة» و«الحرب الحديثة». وعلى أساس نفس المنطق دخل الفضاء في إطار نفس المفاهيم. ومثّل الوصول إلى مصاف «قوة فضائية» نقطة انطلاق تاريخية جديدة.

ولكن خاصة مع ما ترتب على ذلك من «تغيّر جذري في السياق التكنولوجي» عبر المنظومات الفضائية وما تحتويه من عربات وأقمار صناعية يمكنها أن تسير بسرعة مدارية تفوق ال000 28 كيلومتر في الساعة، وما تشتمل عليه خاصة من «حواسيب إلكترونية» تقوم بتوجيه «عربات» فضائية موجودة في المدارات. هذه المعطيات الجديدة كلها تدخل في إطار «الطبيعة الشاملة» للحرب.

ويرى المؤلف أن تقييم أهمية «الفضاء» في حرب المستقبل يتطلب أولا معرفة تأثيراته على السلوك العسكري للأطراف المعنية به. فإذا كان هذا السلوك يتغيّر مع تطور التقنيات فإن الحرب على الأرض والبحر والجو و«في الفضاء» محكومة «تقنيا» و«تكتيكيا» بالمستلزمات التي يفرضها كل وسط. هكذا تبقى حرب الفضاء.

وعموما استخدام مجال أي مدار لأي غرض كان، مرهونا بالحاجة إلى التغلّب على فعل الجاذبية الأرضية. ففي الوقت الذي تستطيع فيه الطائرات التحرك بجميع الاتجاهات تظل أية عربة فضائية خاضعة لشروط «الحركة» في المدار الذي تتواجد فيه.

وبهذا المعنى، وعلى قاعدة أن قوانين الحركة الكونية لا تخضع لمفهوم «أسرار الدول»، يمكن للعدو أن يعرف بدقة أين ستتواجد العربات والأقمار الصناعية الفضائية في لحظة معينة. ذلك أن «دروب مداراتها» محددة مسبقا، هذا على الرغم من إمكانية القيام ببعض المناورات «التكتيكية» المحدودة.

وينقل المؤلف عن عدد من المنظّرين الاستراتيجيين قولهم أن «الفضاء محيط»، والأساطيل تبحر في المحيطات، ويشير إلى واقع أن أكثر الوحدات العسكرية استخداما للمنظومات الفضائية في الجيش الأميركي تتمثل في سلاح البحرية. ذلك أن التوزع الجغرافي «العالمي تقريبا» للقطع البحرية وطبيعة البحار وابتعاد السفن الحربية غالبا عن «مرافئها» دفع البحرية الأميركية إلى الاعتماد أكثر فأكثر على المعلومات الصادرة عن المنظومات الفضائية.

في المحصلة يؤكد المؤلف على عدة معطيات في مجال دور «الفضاء» في حرب المستقبل والعالم اليوم في بداية «عصر الحاسوب». ويحدد هذه المعطيات بالقول ان عصر المعلوماتية خاضع ل«صناعة عالمية» حقيقة. وقد جرى تطويرها لأغراض تجارية أولا وأساسا. ويتم وصف «العمليات» الفضائية الإلكترونية أنها «لا تجعل الدماء تسيل» بحد ذاتها.

لكن ما تتيحه للأسلحة الأخرى «أمرا آخر». ومن خصوصيات هذه العمليات هي أنها تتم ب«سرعة الضوء» ومهما يكن الهدف الاستراتيجي المحدد ل«الحاسوب» فإن عملية التنفيذ فورية. وهذه العمليات تجري على «صعيد العالم كله»، أو على الأقل يُفترض أن تكون عالمية إذا كانت الحواسيب المعنية بها مربوطة بواسطة وسائل اتصال فعّالة.

ثم إن الوصول إلى تكنولوجيات المعلوماتية في ميدان الفضاء هي بمتناول الجميع وليست باهظة الكلفة بالقياس إلى امتلاك قوات برية أو بحرية أو جوية أو فضائية، بمعنى العربات والأقمار الصناعية. وبعد تأكيد المؤلف على أن القدرات الفضائية والمعلوماتية في حقل الفضاء مختلفة جذريا عن أشكال القوة العسكرية الأخرى، فإنه يؤكد أيضا على أنها لم تغير في طبيعة «مسار الحروب»... لقد زادتها تعقيدا فقط.

المؤلف في سطور

كولن س. غراي، هو مؤلف ما يزيد عن عشرين كتابا في مجال العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، وهو يقوم بتدريس هذين الميدانين في جامعة ريدينج الانجليزية منذ عام 2000. عمل كولن س. غراي مستشارا لمدة تقارب ربع قرن من الزمن لدى الحكومتين الأميركية والبريطانية، حيث انه يحمل الجنسية المزدوجة للبلدين.

وساهم من خلال ذلك بإعداد المفاهيم الاستراتيجية في ميادين الأسلحة النووية والسيطرة على التسلح والبرامج الفضائية ودور القوات الخاصة. ومن أهم كتبه: «الحرب والسلام والسياسة العامة: التجربة الأميركية» و«الحرب والسلام والانتصار: استراتيجية القرن المقبل». المقصود هو القرن ال21، و«العصر النووي الثاني».. الخ.