يقول المثل الفرنسي: وحدها الطحالب تنمو في الظلام. وعلى هذا المنوال ولدت وترعرعت حركات اليمين المتطرف على امتداد أوروبا مستثمرةً نمو الحركات الراديكالية المتطرفة على الجانب شرق الأوسطي وازدياد معدلات الهجرة بشقيها الشرعي وغير الشرعي من دول العالم الثالث من الذين أثقلوا كاهل القارة العجوز بأعباء تبدأ من الرعاية الاجتماعية ولا تنتهي بصعوبات الاندماج.
لم يكن لليمين المتطرف، الذي أمسك بزمام الأمور على الساحة السياسية في عدة دول أوروبية منذ عقدٍ ونيف مضى، أن يزدهر لولا عوامل عديدة سياسية واقتصادية ظهرت في الداخل الأوروبي والعالمي. فمع تحطيم قرية شينغين اللوكسمبورغية جدران الحدود الأوروبية ومع انتشار المد الإسلامي الأصولي خلال عقد التسعينات انعطفت أصوات الناخبين الأوروبيين نحو اليمين على قاعدة أن التطرف يشد من أزر أخيه في الضفة الأخرى بعدما أطل الإسلام السياسي برأسه من النافذة الأوروبية عبر المهاجرين أنفسهم.
وتشترك أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بصفة الشعبوية المتجذرة وباعتمادها على «نجومية» قادتها السينمائية الذين اعتبروا أنفسهم الورثة الشرعيين للنازية والفاشية التاريخية. كما تتميز بالتقائها في بوتقة الاستراتيجيات القائلة بوجوب الحد من هجرة الأجانب أو حتى طردهم فضلاً عن حقدها المزمن على الطبقة السياسية التقليدية سواء أكانت من أحزاب اليمين أو اليسار وكرهها للإيديولوجية الاشتراكية ومفاهيم العدالة الاجتماعية وتأييدها للرأسمالية الاستعلائية.
وتدعو هذه الأحزاب على اختلاف مشاربها إلى الانعزالية والعودة إلى الجذور والقيم التقليدية الأوروبية فترى بالطبع بمشروع الاتحاد الأوروبي ذوباناً للهوية القومية في دولة واحدة مترامية الانتماءات. ويمكن القول انها تمثل في كينونتها نظيراً مشابهاً لما كانت ظاهرة «الخضر» تمثله في سياق اليسار. فكلاهما كشف عن حالة تطرف تراعي ظروف عصرها وتأخذ بعين الاعتبار تجارب الماضي القريب.
ورغم كل هذا وذاك، عجزت حركات اليمين المتطرف عن الحصول في معظم استحقاقاتها الانتخابية على أكثر من 5 في المئة حتى لقبت ب«أحزاب الخمسة في المئة» برغم محاولاتها لاستثارة مخاوف الناخب الأوروبي من خطر«انقراضه» بفعل تكاثر أولئك الذين يريدون ابتلاع خيرات بلاده وفرض ثقافتهم وتقاليدهم عليه بل وإجباره على ممارستها. فكيف رسم ذلك اليمين خارطة أوروبا السياسية في فرنسا وإيطاليا والنمسا تحديداً حيث كان له الأثر الأكبر؟
اليمين الفرنسي
تلقفت حركة «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة بزعامة جان ماري لوبن الفجوة الثقافية بين المهاجرين والفرنسيين ومخاوف هؤلاء من تزايد طالبي رغد العيش في بلاد النور المطرد ما عدوه تهديداً لوجودهم ذاته. وزادتها سعيراً بتصريحات لوبن المشككة بوطنية المهاجرين، مطالباً تارةً بسحب الجنسية عن أولئك الذين «لا يحفظون نشيد المارسليز» .
وتارةً أخرى بإبعاد ملايين المهاجرين «بطريقة إنسانية» مستغلاً الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وارتفاع معدلات البطالة بين صفوف الشباب الفرنسي ليحمل المهاجرين أسبابها ما أكسبه شعبيةً في صفوف المتذمرين انعكست على نتائج الانتخابات الرئاسية العام 2002 والتي حصل فيها على المركز الثاني ب18 في المئة من الأصوات أرعبت أحفاد الثورة الفرنسية الذين توحدوا خلف مرشح يمين الوسط جاك شيراك لإبعاد شبح لوبن عن باحات قصر الإيليزيه.
كانت تلك سحابة صيف عابرة بحق اختفى لوبن بعدها من على خشبة المسرح ليبقى دون أي مقاعد في البرلمان معانياً من انتكاسات مالية حتى اضطر إلى بيع سيارته المصفحة فاسحاً المجال لكاريزماتيكي آخر من تيار يمين الوسط هو نيكولا ساركوزي الذي أظهر حماساً شوفينياً في معالجة أحداث الضواحي العام 2005 عندما وصف المحتجين المغاربيين والأفارقة ب«الحثالة»، تلك الأحداث التي أظهرت الشرخ العميق بين «غيتوهات» المهاجرين المهمشة وأحياء الباريسيين الراقية.
اليمين الإيطالي
يوصف اليمين الإيطالي المتطرف بأنه الوحيد من بين أقرانه الذي لجأ إلى مزج العصبية الدينية الثقافية بالتطرف القومي والانتهازية السياسية. يقود تيار اليمينيين في البلاد حزب «رابطة الشمال» بزعامة أمبرتو بوسي الذي شمل في كرهه مكونات المجتمع الإيطالي نفسه من الغجر وسكان المناطق الجنوبية متهماً إياهم بالتسبب في «إفساد» المجتمع وب«التواكل» على المعونات الاجتماعية فيما يدعو إلى السماح بهجرة الأجانب من الدول «المسيحية» فقط للحفاظ على الهوية «الإنجيلية» لإيطاليا.
وكانت آخر بدعه دعوته إلى تطبيق نظام النقاط السوداء على المهاجرين تمهيداً لإبعاد من يجتاز عتبة النقاط العشر!. نجح هذا الحزب في التسلق نحو الحكم بانضمامه لائتلاف حركة «شعب الحرية» اليمينية بقيادة رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني ليحصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة على 3. 8 في المئة. وهو نفسه صاحب المقولة المشهودة بأن على المسلمين أن يعترفوا ب«دونية» حضارتهم مقارنةً مع مثيلتها الغربية.
اليمين النمساوي
سجلت قوى اليمين المتطرف في أوروبا نجاحات نوعية كبيرة في النمسا. ففي أكتوبر من العام 1999 استفاقت فيينا على وقع زلزال هزها بعنف عندما أشارت نتائج الانتخابات التشريعية إلى فوز حزب الحرية وزعيمه النازي الميول يورغ هايدر بنحو 27 في المئة من الأصوات محتلاً المرتبة الثانية بعد الاشتراكيين ليصبح طرفاً في التركيبة الحكومية.
تداعت دول الاتحاد الأوروبي مجتمعةً وقامت بوأد تلك التجربة قبل أن يستطير شرها بعدما استحضر الأوروبيون ذكريات انتخابات العام 1933 في ألمانيا التي أتت ب«النمساوي» هتلر إلى الحكم. عزمت بروكسل على تأديب النمساويين على خيارهم ذاك فسارعت إلى فرض حظر دبلوماسي على حكومة تضم في صفوفها سياسياً لم يتورع عن التعبير عن إعجابه بسياسة أعمال السخرة النازية وبمخابرات هتلر السرية «إس إس» مطالباً باستنساخ ذلك النموذج في فيينا.
وهو الذي اشتهر بمعارضته لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي قائلاً إن «لا مكان لها هنا» والذي عرف عنه أيضاً معارضته منح حقوق لغوية للأقلية السلوفينية في البلاد فيما سمي ب«حرب إشارات الطرق»، ما لبث أن اضطر إلى التنحي عن زعامة الحزب العام 2000 تحت ضغط «مظاهرات الخميس» التي عمت أرجاء النمسا كل يوم خميس مطالبةً بانسحابه من الحكومة .
حتى انتهت الأمور بعودة الحزب إلى الصفوف الخلفية في انتخابات العام 2002 حيث لم يحصل سوى على 10 في المئة قبل أن ينشق هايدر ليؤسس حزباً آخر تحت اسم «التحالف من أجل مستقبل النمسا» العام 2005 فشل من خلاله باستعادة شعبيته المفقودة بحصوله على أربعة في المئة فقط في انتخابات العام 2006 حتى أضاء بريقه مجدداً في انتخابات الشهر الماضي مقتنصاً قرابة 11 في المئة.
فيما دبت الحياة في أوصال حزبه السابق «الحرية» من جديد بزعامة خلفه هاينز ستراشة «الذي وصل في بذاءاته النازية إلى حد الترحم على المقاهي التي تقدم السجق النمساوي والتي حلت محلها مطاعم تبيع الفلافل والكباب» ظافراً بنحو 18 في المئة من الأصوات.
ولكن وبموت هايدر قبل أسبوع بحادث سير هوليودي لقيادته السيارة بسرعة جنونية تحت تأثير الكحول، فقد اليمين بوصلته المتمثلة في شخصية لطالما وصفت ب«المفوهة» و«الوطنية» وهو ما يعني في عرف خصومه «الديماغوجية» و«التعصب». ولعل أبلغ وصف في هايدر هو ما قاله أحد الصحافيين النمساويين عنه «مات هايدر كما عاش : متجاوزاً الحد المسموح به».
ويبقى السؤال لماذا نجح اليمين المتطرف في النمسا دوناً عن بقية الدول الأوروبية الأخرى؟. هل هو حقاً تذمرهم من احتكار الحزبين الرئيسيين للسلطة لعقودٍ طويلة، أم أنه إخفاقهم الذريع في طي صفحة الماضي النازي؟..
أسئلة كثيرة ومتشعبة يبدو أن الكاتب النمساوي التشيكي الشهير فرانز كافكا كان قد أجاب عليها سنين طويلة قبل ولادة أخطبوط اليمين المتطرف في أوروبا في روايته «المسخ» التي أشار فيها إلى ذلك الإنسان الذي مسخ إلى حشرة ليجد نفسه فجأة في عالم ليس من اختياره مرغما على التعايش مع بيئة كارهة له دون أن يمنح فرصة اختيار قدره الخاص.
استطلاع
أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث الذي يتخذ من العاصمة الأميركية واشنطن مقراً له مؤخراً ونشرته صحيفة «غارديان» البريطانية تزايد مشاعر الكراهية تجاه المسلمين واليهود في أوروبا.
ففي حين أعرب واحد من بين كل أربعة بريطانيين عن عدائه للمسلمين، أشار واحد من كل عشرة منهم إلى كرهه لليهود. وفي ألمانيا قال 51 في المئة انهم لا يحبون المسلمين.
كما أكد 38 في المئة من الفرنسيين الأمر ذاته، فيما وصف 46 في المئة من الإسبان وثلث البولنديين أنفسهم بأنهم «معادون للسامية». وحمل 27 في المئة من البريطانيين أنفسهم مسؤولية تدهور العلاقات مع المسلمين. وفي حين تبلغ نسبة المسلمين في هولندا 6 في المئة من إجمالي عدد السكان وفي فرنسا 10 في المئة، من المتوقع أن يصبح الإسلام الديانة الثانية في النمسا بعد المسيحيين الكاثوليك في العام .