مثلما صدمت الأزمة المالية العالم بعنف من دون أن تتكشف كل الآثار والتداعيات، فإنها لا تزال تلقي بتداعياتها الثقيلة على العالم كله من دون استثناء. ولن يكون العالم في الفترة المقبلة مثلما كان. فعربة الاقتصاد تجر العالم كله الآن، ولأن الاقتصاد يتجه إلى حالة مرضية فان العالم بأكمله يعاني أيضا بعض أعراض المرض ذاته، وسيحمل المستقبل المزيد.

السلوك السياسي الدولي في التعامل مع الأزمة لا يزال يعاني من حالة ذهول. ففي بداية الأزمة تعلق العالم بثوب الولايات المتحدة الأميركية لعلها تأخذ بيده إلى الحلول. من منطلق أنها المسؤولة عن الأزمة، وهي الأدرى بمسبباتها وحلولها، وكذلك من موقع الهيمنة التاريخية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لكنه فوجئ أنها كالغريق الذي يسعى فقط للنجاة بنفسه. إذ كانت ولا تزال تتعثر في إجراءاتها وحلولها. مما دفع بكل دولة أو تكتل للتحرك منفردا هذه الحالة الدولية الغائمة بين الذهول ومحاولة التعقل بالبحث عن حلول، من المتوقع أن تحكم السلوك الدولي لفترة طويلة مقبلة. ويمكن قراءة ذلك على مستوى محاولات التمرد على النظام الدولي الذي تأسس منذ الحرب العالمية الثانية بدوله ومنظماته.

تمثلت البادرة الأولى في الانتقادات العنيفة التي تعرضت لها الولايات المتحدة من جانب أقرب حلفائها. فقد وجه إليها الجميع أصابع الاتهام، مشددين على أن مكانتها الدولية لن تعود كما كانت وكأن هناك من هؤلاء الأصدقاء من يستعجل وراثة نفوذها أو مقاسمتها فيه فوجهوا إليها أعنف الانتقادات من باريس ولندن وبرلين واستراليا وبالطبع من روسيا.

وإذا كان هذا الواقع هو الذي يحكم العالم الآن فان المستقبل يحمل الكثير من التطورات المحتملة على الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن قراءتها على النحو التالي:

ـ على الصعيد العسكري: كان الأخطر أن هذه الأزمة جاءت في سياق تطاحن دولي وإقليمي جرى في القوقاز، لا يزال يترك تداعياته على الساحة الدولية، مع عودة روسيا إلى مزاحمة الولايات المتحدة في الانفراد بقيادة العالم، إذ خلفت الحرب نتائج سياسية وعسكرية لم تكن في صالح الولايات المتحدة، وأذنت بعودة إلى سباق تسلح بين الطرفين.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الأزمة ستدفع بروسيا إلى مواقع جديدة تستثمر فيها الضعف الاقتصادي الأميركي، دون أن تتورط في مزيد من التسابق نحو التسلح. فالأزمة التي عصفت بالقوة المالية الأميركية سوف تنعكس على الحد من نفقاتها التسلحية.

بل ان الدرع الصاروخية الأميركية التي استنفرت الغضب الروسي سوف تتباطأ في تقدمها. وهو ما يجعل الاتحاد الروسي في مأمن من تطورها. وليس مستبعدا أن تتقارب الولايات المتحدة وروسيا في نقاط اختلاف، باعدت بينهما في الماضي، ومنها اتفاقيات الحد من التسلح النووي. وينطبق ذلك على النفقات العسكرية للدول المتقدمة الأخرى، لكن هذا لا يعني أن العالم مقبل على فترة استرخاء عسكري. فالعالم الثالث أو الدول الضعيفة ستكون خارج هذه التطورات المحتملة.

ـ على المستوى الإقليمي، صعبت الأزمة موقف الولايات المتحدة تجاه عدة ملفات ومنها الملف العراقي والملف النووي الإيراني من الناحية العسكرية والسياسية، خاصة وأن النفقات العسكرية التي استلزمتها الحرب على العراق وأفغانستان كانت سببا في الأزمة المالية الأميركية.

ومن المتوقع أن تغير واشنطن من سياستها كليا في العراق على ضوء تخفيف وجودها العسكري إلى أبعد مدى، مستعينة في المقابل بأدوار عربية، قد تصل إلى حد إرسال قوات عسكرية بديلة، مع قيام دول أخرى بتمويل وجود هذه القوات.

أما إيرانيا فان التهديدات العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران سوف تتراجع إلى النقطة صفر من دون أن يخلو الأمر من تهديدات دعائية بين الحين والآخر. فالولايات المتحدة ستكون شديدة الحرص على سلامة تدفق البترول من المنطقة إلى أسواقها بأرخص الأسعار، فاقتصادها لن يحتمل أية هزات عسكرية من أي نوع.

ولذا فليس من المستبعد أن تقدم مزيدا من التنازلات لطهران على صعيد الاعتراف بالجانب السلمي للبرنامج النووي، من دون أن تسمح لها بالاسترخاء السياسي إن تشددت. فسوف تزيد من ضغوط الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضدها بالتعاون مع أوروبا وبالتفاهم مع روسيا.

وتشكل أفغانستان المعضلة الأعقد في الصراع العسكري الغربي اذ تتكبد الولايات المتحدة وأوروبا خسائر بشرية واقتصادية ضخمة لن تكون متوفرة مستقبلا بذات الأريحية والكرم السابقين. ولذا ليس مستبعدا أن تقدم واشنطن تنازلات لفصائل المقاومة الأفغانية من حلفاء طالبان للضغط عليها ولإحداث انشقاق في صفوف الحركة .

لكنها في النهاية ستكون مضطرة للتفاهم مع طالبان بل انها قد تضحي بحكم حامد قرضاي في إطار صفقة كبرى تضمن لها تهدئة الأوضاع في أفغانستان مع ضمانة ضبط السلوك السياسي للحركة من خلال المملكة العربية السعودية وباكستان.

وفي ذات الإطار ستكون واشنطن مضطرة إلى مراجعة تقييماتها لاستراتيجية مكافحة الإرهابمن اجل تخفيف النفقات المالية الموجهة لتلك الجهود. فوفق آخر الإحصاءات المعلنة فان القائمة الأميركية للإرهاب تضم مليون شخص مابين مستقلين ومنتمين إلى تنظيمات وحركات تحررية. وفي ذلك سوف تستفيد الساحتان اللبنانية والفلسطينية من تلك المراجعة.

وسوف يستلزم ذلك بعضا من الوقت خاصة وأن الولايات المتحدة مقبلة على رئاسة جديدة يهمها العمل على إنعاش الاقتصاد وتجاوز الأزمة المالية الحالية بأقل الخسائر وفي أسرع وقت ممكن. ولاشك ان هذه التراجعات المحتملة ستترك فراغا دوليا مثلما ستترك أثرا على مكانة الولايات المتحدة في قيادة العالم عسكريا من دون أن يكون هناك من هو قادر على ملء الفراغ مما قد يؤدي إلى نشوب تنافسات دولية لوراثة بعض المناطق وهو ما سيشعل نزاعات إقليمية وداخلية في دول العالم الثالث.

ثانياـ الصعيد السياسي: أمام الفراغ العسكري المتوقع عالميا سيجد العالم ـ وفي مقدمته الولايات المتحدة؟ ضالته في تفعيل أدوار المؤسسات الدولية ومنها الأمم المتحدة والمنظمات والوكالات المنبثقة عنها. كما سيعمل على تنشيط دور المؤسسات الاقتصادية الدولية.

ـ الصعيد السياسي، ستكون لغة الحوار والتفاوض بديلا عن لغة السلاح. وهنا ستعوض الولايات المتحدة ضعف مكانتها العسكرية بدور قوي وفاعل على الساحة الدولية من خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن ووكالة الطاقة الذرية والمحكمة الجنائية الدولية وسيساعدها على ذلك أنها تمكنت خلال السنوات التي تلت السقوط السوفييتي من السيطرة على معظم هذه المنظمات.

وسوف تشهد المرحلة المقبلة توسعا من جانب هذه المؤسسات الدولية في فرض العقوبات الاقتصادية على الدول المستهدف تأديبها من جانب الدول الكبرى كبديل فعال وقاس عن العقاب العسكري. وهو ما سيحتاج أيضا إلى تنشيط دور كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية للعب ادوار فعالة في هذا الميدان. ومن المتوقع في إطار تفعيل أدوار هذه المؤسسات أن يتم إسناد أدوار سياسية جديدة ذات طابع اقتصادي إليها.

لكن المرحلة المقبلة ستشهد حالات تمرد كثيرة من جانب الدول المتضررة من أدوار المؤسسات الدولية. لأن هذه الأدوار ستلحق بها أضرار متعددة داخليا وخارجيا وتعرض استقرارها السياسي للخطر. إلى جانب أن انصياع الدول الفقيرة لوصفات البنك والصندوق الدوليين أصابتها بكثير من الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية طوال السنوات الماضية.

يضاف إلى ذلك أن تراجع المعونات الاقتصادية المتوقع على الصعيد الدولي بفعل مؤثرات الأزمة المالية سوف يزيد هذه الدول جرأة أمام تصاعد التقلبات الداخلية خاصة مع توقع انتشار الفقر والبطالة فيها. ومن ثم فان مهام المؤسسات المعنية لن تكون سهلة بأي حال.

لكن هذه الحالة المحتملة لن تمنع القوى الكبرى من التضافر فيما بينها مع الدول الغنية خاصة العربية منها وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي تنتظرها ادوار فعالة على الصعيد المالي الدولي. وتبعا لذلك سيعاد تشكيل الآليات المنظمة لعمل المؤسسات الاقتصادية بما يسمح بتوسيع مجال الدول الفاعلة داخلها.

ـ الصعيد الاقتصادي، فوسط التطورات المتوقعة فان دور منظمة «أوبك» سيتراجع إلى الحدود الدنيا مقابل تفعيل دور منظمة التجارة العالمية. فالطلب العالمي سيتراجع على النفط كما ستتراجع أسعاره. لكن ذلك لن يمنع القوى الكبرى من ابتزاز أوبك والدول المنضمة إليها لامتصاص ما يتوافر لديها من سيولة مالية بوسائل متنوعة ومبتكرة قد لا تقوى عليها تلك الدول.

كما ستتعرض مختلف الدول النامية ـ الغنية والفقيرة ـ لضغوط هائلة من أجل فتح أسواقها عبر الحد من الحماية الجمركية. بما يضمن سهولة تدفق سلع وخدمات الدول المتقدمة عبر العالم. وهنا سوف تعاني تلك الدول من خسائر مالية جديدة بفقدان العوائد الجمركية وتراجع كفاءتها التصديرية. واستنزاف أسواقها من دون أن يتاح لها حق التشدد في معايير الجودة كغيرها من الدول المتقدمة.

ويبقى الجانب المشرق من الأزمة أنها ستسرع من احتماء الدول الغنية والفقيرة بالتكتلات الاقتصادية في ظل البحث عن مخرج ففي الاتحاد الأوروبي من المتوقع أن تتراجع حدة اللاءات المعارضة. وفي الخليج سوف يتعزز إيمان دول المجلس بضرورة اتخاذ خطوات فعالة ومثمرة للوصول إلى درجة أكثر تقدما من التعاون ومن الاندماج الاقتصادي. كذلك الحال على المستوى العربي إذ سيجد العرب ضالتهم في التعاون المشترك كذلك الأمر في أميركا اللاتينية.

ـ على الصعيد الاجتماعي: من منطلق تشديد الدولة قبضتها الاقتصادية ـ ضمن جهود الخروج من الأزمةـ سوف تتكثف جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية من العالم النامي إلى المتقدم وتتشدد جهود مكافحة غسيل الأموال. كما ستتوجه الجهود في معظم بلدان العالم لمحاربة أوجه الفساد المالي. لكن الأزمة بما تخلفه من خراب مالي على مستوى الأفراد والشركات سوف تدفع باتجاه ازدياد معدلات البطالة في مختلف الدول بما يؤدي لانتشار الجرائم ذات الدوافع الاقتصادية.

ومن المتوقع في ظل ارتفاع حالة التوتر الاجتماعي أن تكون هذه الجرائم مصحوبة بعنف اجتماعي سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وهو ما يفتح أيضا الأبواب أمام الجريمة المنظمة في دول لم تطرق أبوابها مثل هذه الجرائم من قبل. ومن ذلك انتشار عمليات السطو والقرصنة على المؤسسات المصرفية إذ إن البطالة المتوقعة سوف تضرب قطاعات عريضة من شباب العالم المسلح بالعلم العصري وبتكنولوجيا الحوسبة على وجه الخصوص.

مشهد : بث الكراهية

تشير بعض كتابات الإعلام العربي إلى تحميل الرأسمالية اليهودية في وول ستريت مسؤولية ما جرى باعتبار أن اليهود هم من يسيطر على أسواق المال الأميركية. وسواء كان اليهود هم المسؤولون عن ذلك فعلا أم لا .

فان علينا كعرب الاستعداد لموجة جديدة من بث الكراهية ضدنا من جانب وسائل إعلام غربية في الفترة المقبلة سواء عبر الرسوم أو الكتابات أو الأفلام من خلال تحميل العرب والمسلمين المسؤولية عن الأزمة برفع أسعار البترول واستنزاف أميركا عبر جرجرتها للتورط في حروب خارجية ضد الإرهاب دفاعا عن نفسها ومواطنيها بينما اكتنز العرب الأموال من وراء ذلك. وسوف تجد هذه الترهات من يروج لها عالميا بل ان بعضا من ذلك بدأ فعلا.

إرهاصات : لماذا تأخرت؟

رغم أن أزمة الرهن العقاري بدأت تلوح منذ العام الماضي إلا أن الولايات المتحدة تأخرت في التعامل معها. كما تكرر التأخير مرة أخرى ربما عن قصد قبل الاتفاق على خطة الإنقاذ ربما لأن الولايات المتحدة أدركت أنها لو سارعت بالتدخل فسوف تتحمل أيضا تبعة إنقاذ الأصدقاء المتضررين .

فتأخرت كي تتحمل كل من أوروبا واليابان وروسيا وغيرها جانبا من المسؤولية من دون أن تتعلل بأنها ليست مسؤولة عما جرى كما كانت الصورة في بداية الأزمة. وبالفعل الرسالة وصلت الجميع فتحركوا دفاعا عن أنفسهم بعدما خذلتهم واشنطن. فالأزمة صنعتها أميركا وتورط فيها العالم كله.بينما سيكون الحل عالميا تستفيد منه أميركا.