من الوجهة الظاهرية فإن الوضع الأمني لدولة إسرائيل عشية عيد الغفران لهذا العام مريح، صحيح أنه تتجمع في الأفق سحب تهديد خطير لم يسبق له مثيل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ولكن في جميع خطوط المواجهة وفي المناطق يسود هدوء نسبي. والتوتر الحربي الذي شاع قبل عام تقريبا إثر قصف المنشأة النووية السورية، انقشع إلى حد كبير. وعدا نوايا «حزب الله» في الثأر لاغتيال عماد مغنية، ليست هناك حاليا شرارة يمكن أن تقود إلى اندلاع المواجهات بشكل كبير.
والمشجع في هذا السياق هو أن هذا الوضع لا يدفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للعيش في الأوهام. فقادة الأمن، كما المواطن البسيط، على قناعة بأن الهدوء النسبي هذا لن يطول. ولذلك خلافا للامبالاة والغطرسة التي وسمت الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية قبل 35 عاما، عشية حرب الغفران، فإن المؤسسة الأمنية هذا العام متوترة وتعيش في ذروة فعل محموم، فالجيش يعكف على إصلاح العيوب في القدرات وفي قيم القتال التي تبدت في حرب لبنان الثانية. وكذلك فإن وتيرة تعاظم الجيش وبناء قوته للمواجهات المستقبلية تتم بشكل مرض، ومعظم الميادين التي هي من اختصاص «الموساد» و«الشاباك» تعالج بمهنية ونجاعة جديرة بالثناء. بل ان الحكومة حسنت في العام الأخير من إجراءات صنع القرار في مجال الأمن. والمشكلة هي أن التهدئة التي حققناها والفعل الأمني المذهل، لا يزال رهينة لمعرفة وقدرة دولة إسرائيل على التعامل مع الخطر الاستراتيجي المتعاظم الذي يهدد وجودها.
وكل ما ينقصنا اليوم هو إستراتيجية منتصرة، إستراتيجية من النوع الذي يتيح لنا التعامل بنجاح مع إستراتيجية «الاستنزاف حتى الخراب»، التي بواسطتها تحاول إيران وسوريا وقوى الإسلام الراديكالي تقويض قدرة دولة إسرائيل على الصمود، وفي النهاية إلى محوها عن الخريطة.
و«حزب الله» الذي استخدم هذه الإستراتيجية بقدر كبير من النجاح في حرب لبنان الثانية منحها اسم «المقاومة». وفي صيغتها الحالية فإن المقاومة تلحظ ثلاث نقاط ضعف في إسرائيل: الجبهة الداخلية المدنية، حساسية الجمهور الإسرائيلي للخسائر في الأرواح، وحساسية القادة السياسيين تجاه الرأي العام العالمي، وضغوط العائلات الثكلى، وعائلات الأسرى والإعلام.
وتأخذ المقاومة بالحسبان مزايا الجيش الإسرائيلي النسبية كقوة النار الجوية الدقيقة، قدرة المناورة والصدم للقوات البرية والمعلومات الاستخبارية المتفوقة.
ونتيجة لذلك فإن المحور الإسلامي الراديكالي طور إستراتيجية المقاومة ورسخ وسائلها ومبادئها التي تسمح له بالضرب بشدة في نقاط الضعف الإسرائيلية: الصواريخ التي تطلق بالعشرات والمئات من مواضع يصعب اكتشافها ومن داخل مناطق مأهولة باتجاه الداخل الإسرائيلي، وخصوصا لتشويش روتين الحياة والاقتصاد وإدخال الجمهور في حالة ذعر متواصل، وكذلك تشويش قدرة الجيش الإسرائيلي على تجنيد الاحتياط وتفعيل طائراته.
كذلك امتلاك أنظمة سلاح مضادة للطائرات وبعيدة المدى، وبقدر كبير عصية على التشويش، من صنع روسي. وأخيرا امتلاك صواريخ حديثة مضادة للدروع بكميات هائلة، بهدف عرقلة المدرعات الإسرائيلية ودفع الرأي العام الإسرائيلي تحت تأثير الخسائر للضغط على الحكومة لوقف التقدم.
وتعتبر المحافظة على قدرة إطلاق الصواريخ لفترة أطول الهدف الأساس الذي تتطلع إليه المقاومة. كما أن أساليب العمل الأساسية هي: الإطلاقات، التخندق والقتال من داخل التجمعات السكانية غير المحاربة، من أجل حرمان الجيش الإسرائيلي من القدرة على منع إطلاق الصواريخ أو الرد عليها، وبين ذلك عبر تجنيد الإعلام الدولي؛ تجنب المواجهة المباشرة والقريبة مع جنود الجيش الإسرائيلي، عبر الاختفاء والتملص الدائم؛ منظومة تحصينات تحت أرضية، أنفاق وعبوات، تمنع قوات الجيش الإسرائيلي من التقدم بسرعة؛ تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر في الأرواح وأضرار معنوية للجيش والجبهة الداخلية، عبر عمليات انتحارية، عمليات إطلاق نار وفي الأساس عمليات اختطاف؛ خلق خطر على الجيش الإسرائيلي بأنه إذا عمل بشكل حاسم في قطاع ما، غزة مثلا، سيهتم الإيرانيون باندلاع المواجهات في قطاعات أخرى، لبنان مثلا.
ليس من المفترض أن يقود هذا إسرائيل إلى الاستسلام دفعة واحدة، بل إلى استنزافها مرة تلو أخرى، جولة وراء جولة، إلى أن تنهار من تلقاء ذاتها. وللسلاح النووي الإيراني دور هام في هذه الإستراتيجية.
والواقع أن معظم الخبراء يجمعون على أنه حتى في حال امتلاك إيران لسلاح نووي فإنها ستتردد في مهاجمة إسرائيل به، خشية رد إسرائيل وأميركا الانتقامي وتحسبا من رد فعل الأسرة الدولية.والمذهل هو أنه بعد كل هذه السنين من المواجهة مع المقاومة، لم يفلح الجيش، ولا أذرع الأمن الأخرى، ولا القيادة السياسية في إسرائيل، في بلورة إستراتيجية ومنظومة وسائل، تسمح بالانتصار.
ففي المؤسستين الأمنية والسياسية عدة مدارس، تؤمن كل واحدة منها بأن لديها الوصفة الصائبة من الوسائل السياسية وأساليب وأدوات العمل العسكري، التي تسمح لدولة إسرائيل بردع المقاومة، وإذا فشل الردع فهزيمتها من دون أن تتعرض قواتنا لحمامات دماء ومن دون أن نغدو معزولين في الحلبة الدولية.
راجع الثقة
أكثر قادة الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة من إطلاق التهديدات شديدة اللهجة تارة للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية وأخرى للبنانيين والسوريين. ولم يتخلف قائدا الجبهتين الشمالية والجنوبية الإسرائيليين عن ركب المهددين ولكن قائد الجبهة الشمالية الجنرال غادي آيزنكوت كان الأوضح في الحديث عن «نظرية الضاحية» بوصفها الخطة المصادق عليها للعمل.
وبقدر ما أثارت تهديدات القادة الإسرائيليين من ردود أفعال في المنطقة وخارجها فإنها أثارت ردود فعل داخل إسرائيل. ورغم أن الكثيرين يفهمون أن التهديدات هذه ترمي أساسا إلى طمأنة الإسرائيليين إلى منعة جيشهم وقدرته وأنها قد تردع الأعداء عن التفكير بالهجوم أو الرد، فإن هناك في إسرائيل نفسها من حاول قراءة الوضع بشكل مغاير.
رون بن يشاي
«يديعوت أحرونوت» 6-10-2008
ينشر بترتيب مع الزميلة «السفير»ت
ترجمة ـ حلمي موسى