مبررات التفاؤل، والمصادر التي استندت إليها في تمسكي به، إنما تكونت عندي عندما تأكد لي، بالوقائع، أن همجية الاحتلال، وهمجية الإرهاب، لم تستطع أن تمنع العراق من أن يتقدم، ولو ببطء، في اتجاه بناء دولته، ولو على أساس طائفي ومذهبي، كما هو سائد الآن.
ذلك أن مجرد السير في اتجاه بناء هذه الدولة على أسس ديمقراطية، ولو بالحد الأدنى، نقيضاً لعهود الاستبداد، إنما يشكل بذاته حدثاً تاريخياً مهماً. فهذه الدولة الديمقراطية، هي، برغم ما فيها من التباسات، البديل الجديد لدولة الاستبداد والطغيان وقوات الاحتلال الأجنبي لن تعيش طويلاً في العراق. بل هي بدأت، في ضوء ما تشير إليه المواقف المعلنة من قبل جميع مكونات الشعب العراقي، تهيئ نفسها للخروج التدريجي، الخروج الذي ستساهم في تحقيقه عملية الإسراع في بناء الدولة ومؤسساتها، لا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية.
كما ستساهم في تسريع هذا الخروج التحولات الجارية في المجتمع العراقي، التحولات التي ستقود في النهاية إلى وضع حد للإرهاب ولقواه، الموجودة في داخل البلاد، والآتية إليها من خارج حدودها، كل هذه العناصر كانت في أساس تفاؤلي القديم الثابت.
لغة الاغتيال
لكن اغتيال كامل شياع، رغم أنه فرد، قد أصاب تفاؤلي بالخلل. ذلك أن كامل شياع ليس فرداً عادياً في العراق. بل هو، في السمات التي حددت شخصيته، فرد متميز. أقول ذلك، لا لأميز، بالمقارنة البسيطة والعفوية، بين موت فرد متميز، وبين موت عشرات الأفراد، الذين يأتيهم الموت بالقسر من خارج إرادتهم، وضد مبدأ الحياة، باسم الإرهاب والتخلف.
وفي الواقع إنني أقول ذلك، فقط، لأنني لم أستطع، ولا أظنني سأستطيع في المستقبل، أمام هذا المشهد العراقي، الذي تكرر في لبنان بالأمس، وتكرر قبل عقدين من الزمن، لا أستطيع إلا أن أعبر، بالكلمات وبالأفكار، وحتى بالمبالغات في القول، عن الحزن وعن الألم، اللذين يقربان المرء، غصباً عنه، من الحدود التي تكاد تلامس اليأس، وتكاد تعطل الإحساس بالتفاؤل القديم.
هذا ما أثاره عندي مقتل كامل شياع، الذي كان، عندما هاجمه كاتم الصوت، وحيداً يسوق سيارته، وهو خارج لتوه من لحظة بهجة واستمتاع وفرح في شارع المتنبي، الذي عاد، كما سمعنا وعلمنا، إلى تاريخه.
إلا أنني، برغم الفاجعة التي أصابتني، الفاجعة المتمثلة بمقتل هذا المثقف العراقي الجميل، عدت، من جديد، إلى تفاؤلي القديم بمستقبل العراق. عدت، من دون أن أقلل من ثلاثة أخطار لا تزال جاثمة على صدر العراق وشعبه.
الخطر الأول هو الذي يتمثل بالإرهاب أولاً، الإرهاب الذي لم ترتدع تلك القوى المعنية بتدمير العراق عن الاستمرار فيه، لأغراض بعضها صار معروفاً، وبعضها الآخر ما يزال مضمراً. الخطر الثاني، هو الذي يتمثل بالاحتلال الأميركي، الذي، برغم الإعلان من قبل الأميركيين، والإعلان من قبل أهل الحكم في البلد، أنه بدأ يتجه إلى المغادرة.
فإنه ما يزال يشكل، بالنسبة إلى مستقبل العراق خصوصاً، مصدر خوف على سيادته واستقلال وحرية قراره. الخطر الثالث هو الذي يتمثل بالطائفية والمذهبية اللتين استفحل تأثيرهما في حياة الشعب العراقي، على مستوى الدولة ومؤسساتها، وفي المجتمع ومؤسساته
. هذه الأخطار الثلاثة الجاثمة على صدر العراق لا تجعلني أقلل من تفاؤلي القديم الثابت، في الشروط التاريخية التي يمر فيها العراق وتمر فيها المنطقة برمتها، ويمر فيها العالم. بل هي تفرض عليّ، وعلى كل من يتعامل مع الوضع العراقي الراهن، أن يكون واقعياً، في تحديده لطبيعة المرحلة، ولطبيعة المهمات فيها وللأولويات في هذه المهمات، على وجه الخصوص.
سنوات عجاف
لقد مرت على العراق سنوات عجاف، هي السنوات التي تؤرخ، في بدايتها، لحدث كبير تمثل بسقوط نظام الاستبداد والطغيان، بعد أربعة عقود من الموت والدمار والحروب التي عانى منها الشعب العراقي الكثير. وتؤرخ، في الوقت عينه، إلى أن الذي أسقط نظام الاستبداد، هو الاحتلال الأميركي. وكل احتلال هو بغيض بذاته، حتى ولو حمل معه إلى الشعب الذي يحتله أعظم المنجزات.
فالاحتلال هو، من دون تزيين، احتلال، والاحتلال عمل عدواني، أيا كانت أسبابه. وسقوط نظام الاستبداد لم يأت بقرار عراقي حر، ولا أتى بقوى عراقية حرة. بل هو جاء بفعل هذا الاحتلال الأجنبي البغيض، ذلك هو الواقع، ولأن سقوط نظام الاستبداد البغيض جاء بواسطة الاحتلال البغيض، ولخدمة سياسات هذا الاحتلال.
فقد ولد إرهاباً متعدد الجنسيات متنوع المصادر والأشكال والأهداف ، في الآن ذاته. وأدت كل تلك الأحداث، بأنواعها وبمصادرها المختلفة، إلى ما شهدناه في تلك السنوات الخمس العجاف. وما شهدناه كان مريعاً. كان فظيعاً. كان فوق التصور. وكان مصدر ألم لا يوصف لكل من شاهد، ولو من بعيد، ما عانى منه الشعب العراقي المعذب.
غير أن السنوات الخمس العجاف هذه بدأت تخلي مكانها لسنوات أقل سوءاً، وأكثر وعداً. ولا بد من التأكيد، في هذا السياق، بأنه ليس صحيحاً أن بإمكان شعب أن يعتاد على الموت اليومي، وعلى الدمار الذي يصنعه الإرهاب، أو الاحتلال، أو التخلف، أو الثلاثة مجتمعين.
لكن المسألة ليست مسألة اعتياد على الموت، أو تعايش مع الاحتلال ومع الإرهاب. كلا، فما شهدناه خلال تلك السنوات الخمس الماضية بالغ الدلالة في معانيه. فالوقائع تشير، بكثير من الدلالة، إلى أن لدى العراقيين طموحاً جارفاً إلى تغيير أوضاعهم، بالانتقال إلى عصر جديد مختلف عن كل تاريخهم القديم والحديث.
وهذا في اعتقادي ما تمكن المراهنة عليه، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن للشعب العراقي طقوسه القديمة وطقوسه الجديدة، وأن له تقاليده وعاداته، وله في تاريخه كله ما يشير إلى استعداده الدائم للنضال بأقسى أشكاله، ولتقديم التضحيات بأبهظ الأثمان، من أجل تحقيق سعادته. وهذا ما يؤكد قناعتنا بالمراهنة على هذا الشعب في متابعة المهمة السياسية الجارية، والذهاب بها إلى نهايتها السعيدة.
أقول ذلك من دون أوهام، ومن دون تفاؤل ساذج، بل بالاستناد إلى الوقائع الراهنة المذهلة التي يشكل الحس الوطني والديمقراطي عند الشعب العراقي أبرز تعبيراتها، وأستند في ذلك إلى قراءتي لتاريخ العراق، قديمه وحديثه.
وهي قراءة تدل بوضوح على أن لهذا الشعب العربي، العريق في قدمه وفي الأدوار الكبيرة التي لعبها في التاريخ، خصوصية يختلف فيها ويتمايز عن الشعوب العربية الأخرى في المشرق وفي المغرب، كما يختلف ويتمايز فيها عن البلدان المجاورة له.
ظاهرة خاصة
ولذلك يمكن القول بأن العراق يشكل اليوم، كما كان يشكل دائماً، ظاهرة خاصة به، هي الظاهرة العراقية بامتياز. وقد عنونت كتابي المشار إليه آنفاً «الظاهرة العراقية»، استناداً إلى ما أشير إليه هنا من خصوصيات لدى هذا الشعب.
إلا أن الشكل الذي تجلت فيه هذه الظاهرة، قديماً وحديثاً، اختلف بين زمن وآخر، أي بين شروط تاريخية وشروط تاريخية أخرى. وهذا لعمري أمر طبيعي. فكل حضارات وادي الرافدين، والحضارات التي تلتها في العصور اللاحقة القديمة، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة التي أنشأتها الإمبراطورية العثمانية، جميعها تشير إلى هذه الظاهرة العراقية بكل معانيها وبكل معالمها.
بل إن ثورة العشرين في القرن الماضي، وما تلاها من تداعيات وأحداث، ومن ولادة لدولة العراق الحديث، في ظل الحكم الملكي أولاً، ثم في ظل النظام الجمهوري القصير العمر، نظام ثورة 14 تموز، وفي ظل النظام الاستبدادي البعثي، تؤكد جميعها ما أشير إليه حول هذه الظاهرة العراقية، وحول خصوصياتها، وحول تناقضاتها، في الآن ذاته.
ولن أدخل هنا في الحديث عن هذا الماضي بحقباته المختلفة وبتلاوينها. ما أريد التوقف عنده، الآن، وبعد مرور هذه السنوات من الصعوبات والتعقيدات الحافلة بالموت وبالدمار المادي والروحي، هو أن الشعب العراقي لم يفقد حيويته برغم المحن التي مر بها.
وكان من أكثر ما أثار دهشتي هو أن العراقيين لم يترددوا في الذهاب إلى أقلام الاقتراع ثلاث مرات بكثافة قل نظيرها، حتى في أكثر البلدان عراقة في ممارسة الديمقراطية. وهذا الإقبال على الانتخاب، الذي شاركت فيه النساء بكثافة، وإن من دون وعي سياسي حتى بحدوده الدنيا.
إنما كانت تعبيراً حقيقياً عن الطموح العريق لدى هذا الشعب في تحقيق التغيير في حياته وفي شروط هذه الحياة. بل هو كان أكثر من مجرد الطموح إلى ذلك. كان تعبيراً حقيقياً عن الرغبة في التسريع بتحقيق هذا التغيير، والاستعداد لتحمل التضحيات الباهظة من أجل الوصول إليه.
مستقبل العراق
وأكاد أرى، من وراء الحجب، أن الشعب العراقي، برغم ما يتصف به تاريخه من عنف - وتلك بعض عناصر التناقض في الظاهرة العراقية - سيختصر هذا الزمن الضروري بالقليل من الأعوام. وسيخلّف وراءه، وإلى الأبد، الاستبداد الذي دمر بلاده، وسيتحرر من الاحتلال ولو بالتدريج، وسينتصر عليه وعلى الذين راهنوا عليه.
وسينتصر على الذين قاوموه في الشكل، في الداخل وفي الخارج، وأسهموا بسلوكهم الشديد الالتباس في استمرار هذا الاحتلال لزمن أطول. لكن الأهم من كل ذلك، هو أن هذا الشعب، بصموده، وبثباته في الاتجاه نحو المستقبل، سينتصر، في نهاية المطاف، على هذه الآفة الجديدة، آفة الإرهاب، ويحرر بلده منها ومن آثارها الكارثية.
ولعلي أغامر، من دون تردد، بالقول بأن زمن الاستبداد في بلداننا قد بدأ في الأفول، وإن العراق هو البادئ، ولو بالآلام الكبرى التي يدفعها شعبه، في عملية إنهاء هذا الاستبداد والتحرر منه، والقضاء على مخلفاته وعلى آثاره.
مستقبل العراق، كما يبدو لي من وراء الحجب، يشير إلى أن إرادة الحياة عند شعبه هي أقوى من ثقافة الموت. وتلك لعمري هي المحصلة لتلك الآلام التي عاش العراق في ظلها عقوداً طويلة، منذ بدايات انتقاله إلى الحرية والاستقلال، بعد تشكل دولته المدنية في مطالع القرن الماضي، في أعقاب ثورة العشرين.