مع انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991 وحرب الخليج الأولى في بدايته، لاح أن «القرن الحادي والعشرين» سوف يكون «قرنا أميركيا».
وزاد من ذلك الاعتقاد كون أن الولايات المتحدة بدت أنها القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم والتي تمتلك أدوات الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإيديولوجية، هذا فضلا عن سيطرتها على المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وكانت الولايات المتحدة قد عرفت ذروة هيمنتها على شؤون العالم خلال سنوات 1985-1995. لكن هذا المسار الصاعد توقف، ثم بدأ بالتقهقر اعتبارا من الأزمة المالية الدولية الكبرى التي انطلقت من آسيا خلال فترة 1997-1998.
واعتبارا من تلك الأزمة، ومن فشل الولايات المتحدة في إدارتها والسيطرة عليها حسب مشروعها، يرى مؤلف هذا الكتاب، أن «المشروع الأميركي» لم يستطع الذهاب بعيدا على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية. وأخفق كذلك عندما أراد فرض نفسه عسكريا، كما تدل مغامرة غزو العراق في ربيع عام 2003. إن مؤلف هذا الكتاب يحاول شرح الأسباب العميقة الكامنة وراء هذا «الفشل».
في شهر ديسمبر 1991، عندما أعلن رؤساء الجمهوريات السوفييتية السابقة لروسيا واوكرانيا وبيلوروسيا تفكيك الاتحاد السوفييتي، بدا كل شيء جاهزا من أجل بداية «القرن الأميركي».
وللمرّة الأولى في تاريخها وجدت الولايات المتحدة نفسها من دون أي خصم إستراتيجي على الساحة الدولية. وحتى إذا كانت الصين والهند قد عرفتا تنمية اقتصادية هائلة، فإن الولايات المتحدة كانت وحدها هي التي تمتلك، ظاهريا على الأقل، مجموع الأدوات التي تسمح لها أن تكون قوة عظمى. وقد أكدت خلال حرب الخليج الأولى عام 1991 أنها قادرة على أن تقول كلمتها في شؤون العالم وأن تفرض سيطرتها على الجميع.
وفي مثل ذلك السياق تحدث المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما عمّا أسماه ب«نهاية التاريخ»، على أساس أن الرأسمالية انتصرت مرة واحدة و«إلى الأبد» على الاشتراكية، وأن واشنطن تأمل بفرض سيطرتها، إن لم يكن عبر الأدوات الاقتصادية والعسكرية فبواسطة لعبة المؤسسات الدولية التي تكيّف القانون الدولي على شاكلة القانون الأميركي.
بهذا المعنى كانت حرب الخليج الأولى «عاصفة الصحراء» تدل على النهاية الفعلية للقرن العشرين بمقدار ما دلّت عليها نهاية الاتحاد السوفييتي في السنة نفسها. ولم تنجح الولايات المتحدة آنذاك في البرهان على تفوقها العسكري الكامل، وإنما استطاعت أيضا أن تقيم تحالفا عريضا لم يحتج عليه حتى أولئك الذين لم يشاركوا فيه، مثل الاتحاد السوفييتي السابق أو الصين.
وبعد حرب الخليج عام 1991 استجدّت أزمة تفكك الفيدرالية اليوغسلافية السابقة، مما سمح للولايات المتحدة أن توظّف من جديد تفوقها العسكري. هذا ما بدا عبر تحوّل الحلف الأطلسي -الناتو- إلى أداة في خدمة المشروع السياسي الأميركي، وأيضا عبر الدور الذي لعبته الإدارة الأميركية في التوقيع على اتفاقيات دايتون بخصوص البوسنة. باختصار استطاعت واشنطن، عبر كفاءاتها العسكرية العالية، أن تؤكد نفسها كقوة حاسمة في عموم منطقة البلقان.
وبالتوازي مع تأكيد تفوقها العسكري والاقتصادي والمالي قامت الولايات المتحدة بفرض هيمنتها على صعيد المؤسسات الدولية والصعيد الثقافي أيضا. هكذا تحولت تدريجيا المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أدوات في خدمة السياسة الأميركية خلال سنوات الثمانينات، مع أن هذه المؤسسات كانت قد قامت أصلا في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية من أجل القيام بعملية «ضبط» للنشاطات المالية الدولية.
شكّلت الهيمنة الأميركية إحدى الظواهر الكبرى في العالم خلال سنوات الثمانينات والتسعينات. وكان ذلك قد وجد صداه في عدد كبير من التحليلات رأت أن القرن القادم سوف يكون «أميركيا»، أي القرن الواحد والعشرين. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن عدة توجهات سبقت ذلك، فإلى جانب الهيمنة على المؤسسات المالية الدولية تمّ وضع منظمات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة الدولية واليونيسكو جانيا بحيث جرى تهميش دورها على إدارة بعض المشكلات ذات الطابع الإقليمي وغابت تقريبا عن المسرح الدولي.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن ما يسمّى ب«العولمة» جمع بين مسارين. المسار الأول هو «الامتداد العالمي للرأسمالية بصيغتها الصناعية إلى مناطق لم تكن قد وصلتها من قبل». والمسار الثاني مثّل إلى حد كبير تعميما للسياسة الأميركية في الانفتاح المالي والتجاري. هذا مع الإشارة إلى أن وجود التيارات التجارية على صعيد واسع لا يعود إلى العشرين المنصرمة فقط. لكن ذروة «التمدد» الأميركي كانت خلال سنوات 1985-1995.
ويتم التأكيد في هذا السياق أن النجاح الأكبر الذي حققته الولايات المتحدة خلال تلك الفترة (1985-1995) تمثّل في قدرتها على تقديم الليبرالية المالية باعتبارها منفعة عامة بينما كانت في واقع الأمر في خدمة بعض المصالح الخاصة. لكن ذلك «الانتصار» كان يقتضي «خضوع عدو الأمس». المقصود بذلك روسيا التي كان ينبغي عليها أن «تتأمرك». ومن هنا اكتسبت الأحداث التي كانت تجري في الاتحاد السوفييتي السابق منذ وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985 أهمية كبيرة، بل إنها «أخذت بعد رهان إستراتيجي مركزي».
إن الرهان الروسي كان رمزيا وسياسيا ذا أهمية مركزية بالنسبة للولايات المتحدة إذا كانت تريد حقا أن تبني القرن الحادي والعشرين «الأميركي». وقد قاد ذلك إلى تبنّي سياسة أميركية «خاصة جدا» حيال روسيا كان من معالمها وصول أعداد كبيرة من المستشارين الأميركيين إلى موسكو منذ نهاية عام 1991 تحت غطاء «المساعدة التقنية الدولية».
وفي شهر سبتمبر 1991، أي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة وجيزة، كان الاستقرار بين القطبين النوويين الأميركي والسوفييتي أحد الأهداف الأولى لدى الإدارة الأميركية. لكن عندما أصبح تفكك الاتحاد السوفييتي أمرا واقعا، فإن السلطات الأميركية سعت بكل جهدها أن تمنع قيام أية «روابط متميزة» بين روسيا وبقية الجمهوريات السوفييتية السابقة.
بالمقابل حاولت إدارة بيل كلنتون تطوير العلاقات السياسية والمؤسساتية المناسبة في منظور ربط روسيا مع السوق الأميركية. وانشئت مجموعات مشتركة. لقد كان تكامل روسيا في اللعبة الأميركية يشكل هدفا إستراتيجيا إذا كانت واشنطن تريد طليقة اليدين في العمل بآسيا - بمواجهة الصين- أو في الشرق الأوسط أو في أوروبا. وضمن هذا المنظور كان الدعم الكبير الذي قدمته أميركا لبوريس يلتسين. لكن روسيا ومنذ حوالي عام 1995 بدأت بتعزيز بعض مواقع قوتها.
في المحصلة بدا أن جميع شروط بروز «القرن الأميركي» قد اجتمعت في النصف الأول من سنوات التسعينات. لكن ما بين عام 1997 والخطاب الذي ألقاه فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ بتاريخ 10 فبراير-شباط 2007 نشهد، كما يحلل مؤلف هذا الكتاب، فشل مشروع قيام «قرن أميركي» كان يُفترض أن يقوم.
تمثل دراسة ما واجهه بروز «القرن الأميركي» مسألة حاسمة من أجل فهم ما يمكن أن يكون عليه القرن الحادي والعشرون. وهنا يتحدث المؤلف عن «فشل» هذا القرن. نقرأ: «تشكّل ذلك الفشل بين بداية الأزمة المالية عام 1997 والفشل الضمني للتدخل الأميركي في العراق عام 2005، هذه السنوات الثماني كانت حاسمة».
ويؤكد المؤلف أن أسباب هذا الفشل عديدة ومتداخلة غالبا. وهو يحددها عامة في خمسة هي: أولا فشل السيطرة الأميركية على الاقتصاد العالمي كما أرادت واشنطن تنظيمه أثناء الأزمة المالية التي انفجرت انطلاقا من آسيا ما بين 1997 و1999. لم تكن الولايات المتحدة قادرة على الوقاية من امتداد تلك الأزمة وانهيار الخيارات اللبرالية في روسيا خلال صيف 1998 والعدوى التي أصابت أميركا اللاتينية كما بدا من خلال تخفيض قيمة العملة البرازيلية عام 1999 والأزمة الأرجنتينية الكبيرة عام 2001. ويرى المؤلف أن تلك الأزمة المالية الدولية «نزعت الشرعية» عن الهيمنة الأميركية ودفعت العديد من القوى الصاعدة إلى تبنّي إستراتيجيات خاصة مما أدّى إلى تعميق الشرخ في النظام السياسي-الاقتصادي الذي أرادت الولايات المتحدة الأميركية تأسيسه منذ نهاية سنوات الثمانينينات المنصرمة.
السبب الثاني في «فشل القرن الأميركي» يتأتّى، حسب التحليلات المقدّمة، من السبب الأول، فالاحتجاج على النظام الاقتصادي العالمي الذي أرادته واشنطن تجسّد أيضا في التشكيك بالنموذج الإيديولوجي والفكري الأميركي. هذا ما تبدّى من خلال المظاهرات العدائية ضد المنظمة العالمية للتجارة في سياتل ثم في جنوة ثم في إعاقة تنفيذ برنامج «دورة الدوحة» والذي كان يُفترض منه أن يؤدي إلى تحرير الخدمات والزراعة على الصعيد العالمي.
السبب الثالث هو أن الولايات المتحدة، وأمام ذلك الفشل السياسي-الاقتصادي-الإيديولوجي، أرادت أن تبرهن من جديد على امتلاكها لقدرات عسكرية هائلة مثلما كانت قد فعلت أثناء حرب الخليج عام 1991، وقد ظهرت ملامح «إعادة العسكرة» الخاصة بالسياسة الأميركية من كوسوفو عام 1999 وحتى العراق عام 2003 ومرورا بأفغانستان بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. «إعادة العسكرة» تلك لم تكن مجرد نتاج للإيديولجية المحافظة الجديدة للمحيطين بجورج دبليو بوش. ولكنها كانت «عودة خاسرة» لأسباب سياسية وعسكرية. وكان من نتيجتها أنها أضعفت كثيرا المكانة العسكرية للولايات المتحدة وعزلتها سياسيا. يرى مؤلف هذا الكتاب أنها لم تستطيع الخروج بسهولة من هذا الوضع.
والسبب الرابع في «فشل القرن الأميركي» تتم إعادته إلى أن الولايات المتحدة الأميريكية قد فشلت بعد الأزمة المالية عام 1998 في مشروعها المزدوج الخاص بروسيا، إذ أنها لم تستطع، من جهة، الوصول إلى »احتواء» روسيا، أو إلى «إضعافها»، من جهة أخرى. على العكس، استطاعت روسيا أن تقوم ب«عودة رابحة» كقوة ذات سيادة ولها سياستها المستقلة القادرة على الدفاع عنها. هذه العودة كان منها أيضا أن غيّرت بعمق السياق الكامل للعلاقات الدولية.
أما السبب الخامس الذي يقدمه المؤلف ل«فشل المشروع الأميركي» فإنه يحدده بالقول أن فشل ذلك المشروع حيال روسيا جعلها في الوقت نفسه «أكثر هشاشة» في مواجهة الصعود المشارع للصين اعتبارا من عام 1998. ويتم التأكيد هنا على أن حالة القلق التي ترتبت على ذلك في أميركا كانت عاملا حاسما في اتخاذ قرار الإدارة الأميركية الخاص ب«إعادة عسكرة السياسة الأميركية وخوض مغامرة غزو العراق عام 2003». كما تتم إعادة أحد أسباب خوض واشنطن لتلك المغامرة إلى إرادة السيطرة على الاحتياطات البترولية الهائلة ومنع الصين من الوصول إليها، خاصة أنها بحاجة كبيرة إلى الطاقة من أجل مسيرتها التنموية.
الصفحات: 255 (وسط)
الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد
تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف
الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008