يبدو أن الخيمة الفلسطينية التي تحتضن مختلف الفصائل والتنظيمات، أصبحت ضيقة للغاية، لدرجة أنها لم تعد قادرة على استيعاب خلافاتهم الداخلية، التي ظهرت جلية وواضحة للآخرين، الذين باتوا يقرأونها جيداً، واستغلوا ذلك بصورة كبيرة في إحكام السيطرة على القضية الفلسطينية، ومواصلة النظر إليها بأسلوب فوقي وبطريقة جعلت الحقوق المشروعة للفلسطينيين، عرضة للمزايدات والمساومات والصفقات الأمر الذي يعقد عملية استرجاعها.
داخل هذه الخيمة، يتصارع اللاعبون الفلسطينيون من دون سبب، ويتجادلون بلا هدف، ويتخاصمون بلا داع، ويتجاهلون التحديات الحقيقية التي تحيط بهم، ويستقوون بالغرباء على الأشقاء، ظنا منهم بأن هذا الأمر يحقق المصلحة، رغم انه الخطوة الأولى نحو الهاوية.
داخل هذه الخيمة أيضاً، تتعدد الأهداف والرؤى إلى حد التناقض، وتكثر الاتهامات المتبادلة بين مختلف الأطراف، ويغيب صوت العقل ليفسح المجال للغة الفوضى، التي تثير الشكوك وتنشر الضباب مستقبل القضية الفلسطينية الذي يدفع بمفرده ضريبة «اختلاف الأشقاء».
إن الإشكالية الفلسطينية الحالية تكمن في تباين المواقف التي أصبحت مسؤولة عن كافة التحديات التي تواجه الفلسطينيين الآن. ليس هذا فقط، بل ان تباين المواقف هو ما جعل أعداءهم يتكاثرون عليهم ويحاصرونهم ويزيدون من ضغوطهم من اجل تركيعهم ووأد آمالهم وطموحاتهم في التطور والتقدم والاستقلال.
ينبغي على الفلسطينيين وهم يستقبلون الذكرى الثامنة لانتفاضة الأقصى المباركة، التي وحدتهم سابقا، بينما خلافاتهم الداخلية حاليا في أوجها، الإدراك بان إسرائيل ترى في حالة التشرذم والاختلاف والتضارب الحاصلة في صفوفهم، أمرا مفيدا لمشروعها الاستعماري .
وتعتبر ان التقارب والوحدة سواء في الصف أو الكلمة بينهم تهديداً لهذا المشروع، وبالتالي فإن علينا السير في الاتجاه المعاكس لما تريده إسرائيل، حتى نسترد حقوقنا بأنفسنا، من دون ان «نتوسل» لهذا أو ذاك للتدخل من اجل استعادتها.
نعتقد أن الوقت لم ينفد بعد لإصلاح الوضع، بل إن الأمر يتطلب فقط، قليلاً من الإرادة الحقيقية لعلاج تباين المواقف، والاتفاق على ان العمل المشترك والحوار الجاد، هو السبيل الوحيد لاستعادة الهدوء داخل الخيمة.
ليس هذا فقط، بل ينبغي على الفلسطينيين من مختلف التنظيمات والفصائل، التوقف عن لغة التخوين التي يتحدثون بها عن بعضهم البعض، وإعطاء الفرصة للحوار الوطني الدائر الآن في العاصمة المصرية، من اجل الخروج بعلاج ناجع يوقف هذا التدهور الحاصل في صورة القضية الفلسطينية، التي تحولت من قضية شعب يعاني من ولايات الاحتلال الإسرائيلي على مدى أكثر من ستة عقود، إلى قضية صراع أجوف بين رام الله وغزة على سلطة وهمية لا قيمة لها على الإطلاق.
لم يعد هناك متسع من الوقت، لذا ينبغي التوقف عن تلك المناوشات والاتهامات المتبادلة بين الفصائل الفلسطينية، لأن الذي سيدفع الثمن هو الشعب الفلسطيني، جراء تواصل العدوان والاستيطان وجرائم الاحتلال الذي يستغل الفرقة الفلسطينية للتوغل أكثر في الدم الفلسطيني، محاولا إنهاء قضية هذا الشعب من جذورها، وصنع ذاكرة جديدة محورها أن الخلافات الفلسطينية الداخلية هي التي تعرقل التسوية والسلام.
خالد سيد أحمد