عانت أوكرانيا كغيرها من جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابقة من مشكلة تحديد الهوية بمعانيها الواسعة، السياسية والاستراتيجية بل وحتى اللغوية.
فمنذ أغسطس 1991 تاريخ ولادة ثاني أكبر أنجال الشيوعي الراحل الخمسة عشر وأزمات الحكم وتداول السلطة تطل برأسها على المشهد السياسي في بلدٍ منقسم على نفسه ما بين شرقٍ «متروس» وغربٍ «متأمرك». فالإرث الثقيل الذي خلفه الأخ الروسي الأكبر في أوكرانيا ترك بالغ الأثر في نفوس المواطنين الأوكرانيين التواقين أبداً إلى حرق ماضيهم والانطلاق نحو حياةٍ جديدة في أحضان شريكٍ أوروبي يتمثل في قيمٍ عليا تتطلع إليها أجيال ما بعد الحقبة الشيوعية بشغف. تبرز مسألة النفوذ الروسي في أوكرانيا إذن كأصفادٍ تكبل أيدي القوى غربية الهوى في صراعها مع نظيرتها الساعية إلى استثارة الحنين إلى الماضي التليد حيث لم يكن من هناك عاطلين عن العمل ومشردين ولا جريمة منظمة فيما كان الفساد السياسي في حده الأدنى.
ولعل حقيقة كون رئيسي أوكرانيا منذ استقلالها حتى قيام «الثورة البرتقالية» من الأقلية الروسية التي تشكل غالبية في الشرق وتمثل ما نسبته 19 في المئة من إجمالي عدد السكان تقف كمثالٍ واضح على مدى تغلغل النفوذ الروسي. - ليونيد كرافتشوك: أول رئيس للجمهورية الأوكرانية، وكان وراء إطلاق سياسة «الروسنة». وتميز عهده بازدياد معدلات التضخم وإطلاق سياسات اقتصاد السوق وبفضيحة انهيار شركة أسطول البحر الأسود التي اتهم فيها نجله وأفضت إلى بقاء آلاف البحارة هائمين في التيه البحري لسنوات. وعرف بعلاقاته الوثيقة مع رجل الأعمال الكبير فيكتور ميدفيدشوك.
ليونيد كوتشما
تسلم منصب الرئاسة إثر انتصاره في الانتخابات الحرة الأولى التي أقيمت في يوليو العام 1994 على كرافتشوك نفسه. دعا إلى تقوية العلاقات الاقتصادية مع روسيا. ووصم عهده بفضائح هزت المجتمع الأوكراني كان أبرزها ظهوره في شريط مسجل وهو يتحدث عن قتل الصحافي المعارض غورغي غونغادزي الذي خطف في سبتمبر عام 2000 قبل أن يعثر على جثته مقطوعة الرأس ومذابة بالأسيد بعد ذلك بشهرين.
الثورة البرتقالية
في نوفمبر العام 2004 تقاطر الأوكرانيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية وسط توترات شديدة أججتها اتهامات رئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة الموالية للغرب فيكتور يوشينكو لمناصري منافسه «رجل روسيا» رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش بمحاولة تسميمه بمادة الديوكسين ظهرت آثارها بندوبٍ على وجهه واتهامات بتزوير الانتخابات وإتباع سياسة الترهيب.
وأثارت تلك الحملة زوبعةً سمع صداها في الكرملين والبيت الأبيض أدت إلى إلغاء المحكمة العليا لنتائجها التي أشارت إلى انتصار يانوكوفيتش بسبب شبهات التزوير وإجراء جولة جديدة في ديسمبر فاز يوشينكو على أثرها بعد «ثورةٍ برتقالية» تجسدت بمظاهرات وإضرابات وتمترس في الشوارع حمل المشاركون خلالها أوشحة برتقالية. كان محركها الرئيسي ومطلق شرارتها الحقيقية وجه جميل ناعم يخفي وراءه شخصيةً حديدية صارمة: يوليا تيموشينكو، حصان الثورة البرتقالية الأسود ونائبة يوشينكو نفسه عندما كان رئيساً للحكومة!.
فمن هم ممثلو الترويكا الأوكرانية؟
فيكتور يوشينكو
توج يوشينكو كأول رئيسٍ أوكراني في تاريخ البلد في 23 يناير 2005. ترأس الحكومة بين عامي 1999 و2001. وكغيره من المسؤولين اتسم عهده بقضايا مثيرة للجدل كان أبرزها إفلاس «بنك أوكرانيا» عندما كان رئيساً للوزراء. اتهم روسيا بممارسة الضغوط لإقالته من منصبه آنذاك بتهديدها قطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا إثر تخوفها من ميول يوشينكو الغربية وتأييده انضمام كييف إلى الإتحاد الأوروبي وحلف «ناتو».
وهو يتزعم حالياً حزب «أوكرانيا لنا - الدفاع الذاتي للشعب» الذي يمتلك 72 مقعداُ في البرلمان المسمى «فرخوفنا رادا» المكون من 450 مقعداً حسبما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية في شهر سبتمبر من العام الماضي حيث وصلت شعبيته إلى أقصاها في الغرب بنسبة تصل إلى 93 في المئة فيما تنخفض في الجنوب الشرقي إلى 4 في المئة ما يشير إلى عمق الانقسام الحاصل في أوكرانيا.
تزوج للمرة الثانية من كاترينا شوماشينكو التي تحمل الجنسية الأميركية والتي سبق لها أن عملت في وزارة الخارجية الأميركية ما أثار انتقادات كبيرة من قبل حلفاء روسيا الذين اتهموها بممارسة التأثير على قرارات زوجها لصالح واشنطن.
تميزت علاقاته مع حليفته تيموشينكو بالكثير من الشد والجذب حيث يتهمه حلفاؤها ب«الديكتاتورية» فيما اتهمها هو بتجاوز صلاحيتها وعدم إخفاء طموحها في الترشح لمنصب الرئاسة في العام 2010. يحق له بحسب الدستور الأوكراني الترشح لولاية جديدة من خمس سنوات رغم تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي إلى 13 في المئة فقط.
يوليا تيموشينكو
يطلق عليها ألقاب عدة، مثل: أميرة الغاز، وجان دارك، ومارغريت تاتشر الأوكرانية. امتلكت باعتراف العديد من خصومها ميزاتٍ قيادية استثنائية. فهي خطيبة مفوهة واستراتيجية بارعة وقومية أوكرانية متحمسة إن لزم الأمر وتعتبر من أشد مؤيدي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أضحت تسريحة شعرها المميزة التي تشبه تاج النصر تميمة الحظ للثورة البرتقالية.
ولدت تيموشينكو في مدينة دنبروبتروفسك ذات الأغلبية الروسية ومسقط رأس الرئيس السابق كوتشما. تتضارب الأنباء عن أصلها، فالبعض يتحدث عن أصلٍ أرميني، فيما تشير وثائق أخرى إلى شهادة ميلاد لاتفية لوالدها.
ترأست مؤسسة «أنظمة الطاقة المتحدة» في منتصف التسعينات وأدارت عمليات استيراد الغاز الروسي حيث أقامت شبكة علاقات واسعة مع طبقة «الأوليغارك» التي طفت على السطح إثر انهيار الشيوعية.
ترأست أول حكومة في عهد الثورة البرتقالية لتقال بعدها بشهور، ثم تعود بقوةٍ في انتخابات العام الماضي لترأس مجلس الوزراء من جديد متزعمةً الكتلة التي تحمل اسمها في البرلمان بـ 156 مقعداً.
وأتت حرب القوقاز الأخيرة لتكرس حالة الطلاق النهائي بين حلفاء الثورة إثر انضمامها لجهود خصمها يانوكوفيتش في تقليص صلاحيات يوشينكو مقابل ما يقال عن اتفاقٍ غير معلن بين الطرفين يقضي بمنح يانوكوفيتش منصب رئيس الوزراء أو البرلمان في حال فازت أصبحت رئيسة. وجه لها يوشينكو مؤخراً اتهاماتٍ ب«الخيانة العظمى» لموقفها المؤيد لروسيا في الحرب، فيما تحدث فريقه عن دورٍ مفترضٍ لها في عملية التسميم الشهيرة. تتصدر قائمة المرشحين للوصول إلى سدة الرئاسة بنسبة تتجاوز 26 في المئة.
فيكتور يانوكوفيتش
زعيم «حزب المناطق» الموالي لروسيا وأكبر أحزاب البلاد ب175 مقعداً. وهو ينتمي للأقلية الروسية حيث ولد في مدينة دنتسك الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا معقل مناجم الفحم ومعامل الصلب والحديد.
يعرف عن ياناكوفيتش ولعه بتربية الحمام والصيد. حكم عليه بالسجن مرتين عامي 1968 بتهمة السرقة و1970 بتهمة الإيذاء الجسدي خلال شجار قبل أن يبرأ.
تولى منصب محافظ دنتسك في مايو 1997 لتشكل ضربة البداية في حياته السياسية حقق خلالها نجاحاتٍ مؤثرة تمثلت بتوفير العديد من فرص العمل وتقديم الخدمات الاجتماعية قبل أن ينضم إلى تحالف أوكرانيا موحدة في العام 2002.
استغل يانوكوفيتش الخلافات التي نشبت بين حليفي الثورة البرتقالية ليعود إلى رئاسة الحكومة بين عامي 2006 و2007. ورغم معارضته انضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلا أنه أيد إرسال قوات أوكرانية إلى العراق ويرجح الكثيرون أن يعلن قريباً عن تشكيله ائتلافاً حكومياً جديداً مع عدوته اللدودة يوليا تيموشينكو.
تبدو أوكرانيا إذن على مفترق طرق، في بلدٍ لايزال يتأرجح في اختيار هويته. بلد قصمته الخلافات السياسية التي غذتها الأوليغاركية الفاسدة في ما عالم ما بعد الستار الحديدي الشيوعي الذي لاتزال آثاره الكارثية ماثلة للعيان في شوارع مدن أوكرانيا بدءاً من لفوف غرباً مروراً بكييف وسطاً وليس انتهاءً بدنتسك شرقاً.
ولعل اسم أوكرانيا نفسها والذي يعني باللغة السلافية: أرض التخوم الحدودية، الذي أطلق عليها لكونها شكلت جبهة التصدي ضد هجمات التتار في القرن الثالث عشر أبلغ تعبيرٍ عن حالتها اليوم ونحن نرى التاريخ يكرر نفسه بطريقةٍ أشبه بالكوميديا السوداء لتبقى أرض التخوم مسرحاً لصراعٍ متجدد في القرن الحادي والعشرين يحمل هذه المرة صبغةً روسية غربية فيما يقف المواطن الأوكراني متفرجاً دون أن يسمح له بالمشاركة في مسرحيةٍ تعرض للكبار فقط.