وقعت ليبيا وايطاليا أمس معاهدة صداقة واتفاق شراكة يسدل الستار على خلافهما بشأن الحقبة الاستعمارية التي كانت تسمم العلاقات بين البلدين، ويفتح الطريق أمام استثمارات مهمة. حيث أعلن رئيس الحكومة الايطالية سيلفيو برلسكوني في مستهل زيارته إلى ليبيا ان روما ستدفع لطرابلس خمسة مليارات دولار على مدى السنوات ال25 المقبلة تعويضا عن الحقبة الاستعمارية، كما ينص الاتفاق على تعاون بين طرابلس وروما في مكافحة الهجرة غير الشرعية.
ووقع برلسكوني مع الزعيم الليبي معمر القذافي في مدينة بنغازي شرق ليبيا على الاتفاق النهائي للتعويضات الايطالية لطرابلس بحضور ضيوف ليبيا من الرؤساء والوزراء ونائب الرئيس الروسي الذي حل ضيفا على ليبيا لحضور الاحتفالات بالعيد التاسع والثلاثين للثورة الليبية والذي شهد أيضاً التوقيع على عقد لشركة السكك الحديدية الروسية لتنفيذ مرحلة بنغازي سرت لمشروع السكك الحديدية والتي تقدر بنحو 220 مليون دولار.
وقد حرصت القيادة الليبية على توقيع الاتفاق مع ايطاليا في نفس المكان الذي كان قد تم فيه توقيع معاهد واتفاق الجلاء الايطالي عن ليبيا عام 1971 بمدينة بنغازي (قصر جيرزيانى). كما ستقوم ايطاليا بتعويض اسر الليبيين الذين نفتهم ايطاليا إلى الجزر الايطالية النائية وهذه المعاهدة سوف تفتح صفحة جديدة في العلاقات الخارجية الدولية بين الشمال والجنوب.
وأعلن برلسكوني ان روما ستدفع لطرابلس خمسة مليارات دولار على مدى السنوات ال25المقبلة تعويضا عن الحقبة الاستعمارية. وقال برلسكوني ان «الاتفاق يشمل استثمارات بمبلغ مئتي مليون دولار سنويا لمدة 25عاما كمساهمة في أعمال البنى التحتية في ليبيا». وأضاف «يفترض ان ينهي الاتفاق 40 عاما من الخلاف. انه اعتراف كامل ومعنوي بالضرر الذي ألحقته ايطاليا بليبيا ابان الفترة الاستعمارية».
وأضاف انه «من ابرز المشاريع التي ستمولها بلاده، شق طريق سريعة ساحلية من غرب ليبيا إلى شرقها، أي من تونس إلى مصر» وعد برلسكوني بشقها عام 2004. كما ينص على تعاون بين طرابلس وروما في مكافحة الهجرة غير الشرعية.
وأشار وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم إلى «ان المعاهدة التي تم التوقيع عليها مرضية للجانبين الليبي والايطالي واستغرقت أكثر من أربعة شهور وكانت هناك أمور كانت عالقة حتى اللحظة الأخيرة وكانت المباحثات شاقة وانتهت كافة الأمور من اعتذار رسمي عن حقبة الاستعمار وتعويض المنفيين». مؤكدا «ان المعاهدة تطوي صفحة من الصفحات المظلمة بين البلدين بعد ان التزمت ايطاليا بدفع لليبيا مبلغ 5 مليارات دولار على مدار 25 سنة مع الالتزام بالنفقات السنوية.
وقال شلقم «طبقا لما تم الاتفاق عليه ستقوم ايطاليا بإنشاء طريق ساحلي يمر من مصر حتى تونس مرورا بليبيا بالإضافة إلى سلسلة من المباني كتعويض عن الخسائر التي خلفتها الحقبة الاستعمارية الإيطالية لليبيا. كما ستقوم ايطاليا ببناء مستشفى ومركز الأطراف الصناعية من اجل الذين تضرروا من الألغام التي زرعها الايطاليون وإقامة مشروعات تنموية في المنطقة الشرقية، كما ستقوم ايطاليا ببعثات تعليمية للطلاب الليبيين في الجامعات الايطالية».
وتعتبر الاتفاقية شديدة التعقيد حيث اتفقت روما وطرابلس بالفعل على إجراء مكافحة فعالة للهجرة غير الشرعية تعتمد على دوريات ساحلية مشتركة مما يجبر الجانبان على ترك بعض القضايا مفتوحة يتم التعامل معها فيما بعد على أيدي مجموعات العمل الإيطالية ـ الليبية. ويقوم برلسكوني حاليا ببحث الوضع مع أقرب مستشاريه خلال اجتماع عمل في قصر جرازيليو.
وكان البغدادي المحمودي أمين اللجنة الشعبية العامة الليبية التقى رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو برلسكوني في الأسبوع الأول من هذا الشهر في روما وبحث معه خاصة مشروع الاتفاق الذي من المفترض أن يسوي الخلافات المتبقية بين البلدين. وشهدت العلاقات الليبية الإيطالية نوعا من المد والجزر في السنوات الأخيرة بسبب هذه التعويضات وهددت الحكومة الليبية أكثر من مرة ايطاليا بطرد الشركات الايطالية العاملة في ليبيا اذا لم تقوم ايطاليا بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وتعد ايطاليا الشريك الأول بالنسبة إلى ليبيا اقتصاديا وتجاريا واستثماريا حيث بلغت التبادلات التجارية بين البلدين إلى أكثر من 5 مليارات يورو واستثمارات ليبية في ايطاليا بلغت أكثر من 12 مليار يورو وتعمل بليبيا أكثر من 50 شركة في المجالات الاقتصادية المختلفة وعلى رأسها شركة اينى للنفط والغاز التي استثمارات تفوق 30 ملياراً في مجال النفط والغاز.
وكان سيف الإسلام القذافي قد أعلن أن بلاده ستوقع قريباً اتفاقاً مع إيطاليا تحصل بموجبه ليبيا على تعويضات بالمليارات عن حقبة الاستعمار الإيطالي، يفتح مرحلة جديدة بين الدول المستعمِرة والدول المستعمَرة قد يعيد بعض الحقوق المعنوية والمادية لأصحابها بعد رفض وإنكار يتواصل منذ عقود. لقد اجتمعت عدة عوامل لتجعل من ليبيا أول دولة في الجنوب تتمكن من الحصول على تعويضات جراء حقبة الاستعمار الخارجي لأراضيها، ويأتي ذلك ثمرة مطالب وضغوط ليبية متواصلة منذ وصول العقيد معمر القذافي إلى السلطة منذ ما يقرب من أربعة عقود.
آثار
بعد 89 سنة من اكتشافه من قبل خبراء آثار إيطاليين وتم تهريبه إلى ايطاليا، سلم برلسكوني أمس خلال زيارته لليبيا للعقيد الليبي معمر القذافي تمثال حورية شحات (افردويت شحات.. آلهة الحب والجمال لدى الإغريق) والذي يعود إلى ما قبل التاريخ وكان محفوظا في المتحف الوطني بروما ليعود بذلك التمثال إلى موطنه الأصلي ليبيا وحورية شحات هو تمثال جميل من غير رأس منحوت على الرخام يعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد وتم اكتشافه سنة 1913.
بنغازي ـ سعيد فرحات والوكالات