ينتقل المؤلف هنا إلى إلقاء الضوء على الوضع الراهن في أميركا اللاتينية، فيوضح مدى التغير الكبير الذى طرأ على القارة، فبعد أن كانت واشنطن قد بادرت قبل 190 عاماً إلى إعلان مبدأ مونرو، فعزلت أميركا الجنوبية عن العالم، وجعلتها بمثابة فناء خلفي لها، واحتكرت ثرواتها، واستغلت شعوبها، وتعاملت معها بصلف واستعلاء يضرب بهما المثل، تغير هذا كله، حيث تكفلت العولمة بإهالة التراب على ما بقي من مبدأ مونرو، وفرضت دول عديدة على امتداد القارة حضورها القوي والفعال.

وفي مقدمتها البرازيل والأرجنتين، وأصبح على واشنطن أن تتحدث لغة أخرى، هي لغة المصالح المشتركة، وغدا حتمياً أن تتجاوز عن كل الأوهام التي تساورها حيال مبدأ مونرو، وإلا دفعت قادة أميركا الجنوبية إلى التعامل مع أطراف أخرى من مواقع شتى على امتداد العالم، وفي مقدمتها الصين التي أصبحت ثاني أكبر مستثمر في أميركا الوسطى، لا تسبقها في ذلك إلا فنزويلا، وتتلوها كندا، كما اندفعت بقوة هائلة لملء الفراغ الذي رصدته هناك بالمصانع، التي تقع على مرمى حجر من أسواق أميركا. في سنة 1821 أعلن الرئيس الأميركي (وقتها) جيمس مونرو مبدأه الذي ما زال يحمل اسمه حتى الآن. وهو المبدأ الذي يفرض هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على كل أصقاع النصف الغربي من الكرة الأرضية (الهيميسفير) كان مبدأ «مونرو» يقصد أساساً الحيلولة بين دول غرب أوروبا.

وقد تفتحت شهيتها للاستعمار والاحتلال الاستيطاني وغزو القارات بالجيوش والأساطيل، وبين التعاطي أو التداخل أو التعامل مع قارة أميركا الجنوبية على وجه الخصوص. هكذا حملت تلك القارة ـ اللاتينية كما تسمى في بعض الأحيان ـ مسميات ونعوتاً شتى، مثلاً: القارة المجهولة، أطلانطس الجديدة (بمعنى المخفية)، الفناء الخلفي لواشنطن.

لكن لأن الدنيا تتغير، كما أن قواعد اللعبة الدولية الكبرى كما يسميها مؤلف الكتاب لم تعد هي نفسها قواعد الزمن الماضي، فقد حل عصر العولمة الراهن ـ وتبدلت معه حقائق القوة ومكامن النفوذ ـ فإذا بالمسلّمات السابقة وهي تتداعى، ومنها مثلا حكاية استئثار الولايات المتحدة من دون غيرها بمقاليد جارتها اللاتينية الجنوبية بكل ما تضمه من أقطار ومصائر للشعوب.

وباختصار شديد - فلا بد من الاعتراف بإحدى حقائق عصر العولمة وهي نهاية مبدأ مونرو، وهذا هو بالضبط العنوان الرئيسي الذي اختاره المؤلف للباب الثالث من هذا الكتاب.

يقول باراج خانا (ص 121): توالت أحيان طويلة من الدهر شهدت التعامل مع أميركا اللاتينية على أنها أقٌرب إلى الكمية المهملة من الناحية الجيوسياسية. كيف لا وهي كتلة هائلة من اليابسة تفصلها مياه المحيطات عن أكبر المسارح الاستراتيجية في العالم.

لكن مع مستجدات زمن العولمة بدأ القوم يتنبهون إلى أهمية أميركا اللاتينية وإلى أنها تحوي مصالح أكثر من حيوية ولاسيما بالنسبة لأميركا (الشمالية). وعندما تسأل عن جوهر هذه المصالح التي تربط بين واشنطن وجاراتها اللاتينية إلى الجنوب يأتي الجواب على النحو التالي: في مقدمة هذه المصالح إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة.

حيث موارد البترول تمتد مع طول نصف الكرة الغربي ما بين كندا إلى الشمال (المناطق القطبية في ولاية البرتا بالذات) إلى المكسيك وفنزويلا إلى الجنوب - فضلا عن مصادر جديدة للطاقة منها مثلا الوقود الحيوي - العضوي النباتي الأصل (الإيثانول) في البرازيل.

في معرض التعليق يضيف المؤلف بإيجاز شديد: كل هذه الإمكانات كانت كفيلة بتوحيد شمال الأميركتين وجنوبهما حيث إمكانية تشكيل كتلة تجارية لم يسبق لها مثيل في بقية العالم:

ثم يستدرك المؤلف قائلا: المشكلة أن أميركا ظلت تتعامل مع جيرانها الجنوبيين بمنطق عدم الاكتراث، وتلك نظرة كارثية بالنسبة لأي نمط من أنماط العلاقات سواء بين الدول أو بين الأفراد. وفي هذا ينقل كتابنا عن دبلوماسي برازيلي قوله: قارتنا ليست ملكا لأميركا. إنها تخص اثنتي عشرة من دولنا ونحن الأحقّ بها.

مرة أخرى يعلق المؤلف قائلا: لو جمعنا المكسيك مع البرازيل والأرجنتين لحصلنا على ثلثي قارة أميركا اللاتينية، أما المساحة المتبقية فتشغل معظمها كل من المكسيك وكولومبيا وفنزويلا. ولو قيض لهذه الدول المحورية أن تتغلب على خلافاتها أو تناقضاتها لشكلت فيما بينها العمود الفقري لقارة لاتينية جنوبية قادرة على الارتفاع من القاع إلى السفح وما فوقه بالنسبة لنظام اقتصادي دولي في زمن العولمة.

ثم لا ينسى المؤلف أن يذكّرنا بأن ثمة منطقة فاصلة بين الولايات المتحدة وكندا في أميركا الشمالية وبين دول أميركا الجنوبية التي يدور عنها الحديث خلال هذا الباب الحافل من الكتاب عبر فصوله الخمسة. هذه المنطقة تحمل أكثر من اسم يدل عليها: أميركا الوسطى أو منطقة البحر الكاريبي.

ومرة أخرى ظلت واشنطن تعتبرها - أو تكاد تعتبرها - امتدادا أو شبه امتداد لنفوذها وسطوتها. ومن هنا كان مبلغ الاستفزاز الذي شعرت به الولايات المتحدة عندما اندلعت ثورة كوبا، الجزيرة الصغيرة المشاغبة والقريبة من سواحل ولاية فلوريدا الأميركية..

ومن هنا أيضا جاء فرض الحصار البحري - الاقتصادي اللوجستيكي على كوبا - كاسترو من جانب الولايات المتحدة. ولأن لكل ظاهرة عواقبها فقد أدى الحصار الأميركي إلى حالة من الفراغ الجيوبوليتيكي في أميركا الوسطى، فما كان من الصين إلا أن تقدمت كي تملأ هذا الفراغ.

وكم كانت بكين لماحة وحصيفة حين دخلت المنطقة بعيدا عن شعارات السياسة أو مبادئ الإيديولوجيات.

يعلق المؤلف قائلا في هذا الخصوص (ص 136): هكذا تحركت الصين نحو أميركا الوسطى شيدت المصانع وجاء بناؤها في مواقع أقرب ما تكون إلى أسواق الولايات المتحدة.. وكان الباب مفتوحا أمام نشاط الصين بفعل الحظر الطويل الذي فرضته أميركا على عدوتها الصغيرة - كوبا. وهكذا أصبحت الصين ثاني أكبر مستثمر في المنطقة تسبقها في ذلك فنزويلا.. وتتلوها في المكانة كندا.

مع ذلك ففي داخل فنزويلا نفسها - يوضح المؤلف - فان أكبر مستثمر هو الاتحاد الأوروبي سواء في قطاع البترول أو قطاع الخدمات.. وبرغم أن المراقبين الأوروبيين أبدوا انتقادات لاذعة على الانتخابات المعقودة عام 2005 في فنزويلا إلا أن أوروبا وأسبانيا بالذات ظلت تتعامل بمنطق التعاطف والتفهم مع شافيز الرئيس الفنزويلي وخاصة الأجندة التي طرحها رجل كاراكاس القوي بإعلان استقلالية قراره بعيدا عن الولايات المتحدة. فضلا عن اهتمام أوروبا بشعارات محاربة الفقر التي سبق إلى إعلانها الرئيس الفنزويلي.

وقد لا تقتصر أهمية شافيز على مجرد الثراء النفطي الذي تنعم به بلاده.. بل يتعدى الأمر أولا إلى ما أعلنه الرجل من تحويل عائدات هذا المورد النفطي لصالح النهوض بحياة الفئات المهمشة في مجتمعه ومن ثم في مجتمعات أخرى من أميركا اللاتينية إضافة إلى نجاحه في إبرام تحالفات مع مؤسسات دينية يقوم على أمرها رجال دين مستنيرون يرفعون شعار الدين أداة من أجل «تمكين الفقراء» فيما أصبح يعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة باسم «كهنوت التحرير» الذي حمل لواءه مع أواخر القرن الماضي الأسقف «أوسكار روميرو» الذي اغتالته القوى المعادية للتقدم في السلفادور عام 1980.

ولعل الأهم من هذا كله هو دعوة شافيز أيضا إلى نوع من التكامل الاقتصادي والتناسق السياسي بين الزعماء الكبار في أميركا اللاتينية تحت شعار جوهري هو: «التكامل هو سبيلنا للبقاء على قيد الحياة».

وحين يواصل المؤلف حديثه عن فنزويلا يلمح أيضا إلى أن شافيز، وقد وضع في يده «ورقة أوروبا» بات يطمح أيضا إلى ورقة رابحة أخرى تأتيه من.. الصين وهي ورقة يساعد على تشكيلها عاملان مهمان يوضحهما الكتاب على النحو التالي:

ـ العامل الأول: تصاعد أسعار البترول يمد الخزانة في العاصمة كاراكاس بمزيد من العوائد النفطية.

ـ العامل الثاني: تزايد الطلب - هل نقول النهم أو الشره النفطي لدى الصين.

ولأن لكل وضع جدلا خاصا.. فالكتاب يطرح القضية عند الجانب الآخر من المعادلة حيث يحذر من أن الاعتماد الشديد من جانب شافيز على العائد النفطي ـ في ظل إغراء زيادة الأسعار قد يدفعه ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ إلى إهمال سائر الصناعات الهامة لتنمية اقتصاد بلاده ـ ومن ثم يصبح اقتصاد فنزويلا عرضة في المستقبل لتقلبات الأسعار وتبدلات الظروف في سوق النفط التي تتسم بداهة بشدة الحساسية للظروف السائدة على المسرح الدولي، شأن كل سلعة استراتيجية.

الفصل 18 من الكتاب مكّرس للحديث عن البرازيل ويفتتحه المؤلف بمشهد أقرب إلى السخرية ويصفه بالخطأ السياسي، وهو مشهد الرئيس الأميركي بوش لدى زيارته للبرازيل في عام 2005: يومها.. وقف السيد بوش أمام خارطة البرازيل هاتفا: يا إلهي.. البرازيل كبيرة جدا.

وهنا يعلق المؤلف قائلا: لقد أثار هذا غضب البرازيليين لأن مثل هذا التصور الذي يرى البرازيل مجرد بلد كبير في أميركا الجنوبية - بدلا من إيلائها مزيدا من الاعتبار بوصفها الحقيقة الغالبة المهيمنة في جغرافية القارة.. ما زال خطأ أميركا شائعا.

يواصل المؤلف الحديث: إن البرازيل هي الولايات المتحدة في أميركا الجنوبية وحجمها وحده هو الذي يرشحها - وليس فنزويلا - لكي تكون قائدة للقارة بأسرها وهي تتاخم في حدودها كل أقطار أميركا اللاتينية باستثناء كل من شيلي وإكوادور.

وقد حبتها الطبيعة بأجواء مناخية ممتازة مما يؤهلها لكي تكون أكبر مصدّر لأصناف لحوم الأبقار، والبرتقال، والسكر، واللبن، والدواجن، وفول الصويا، ومع أن صادرتها تبلغ 100 مليار دولار سنويا إلا أن الزراعة لا تشكل سوى 10 في المئة من اقتصاد البرازيل الذي يحتل بدوره المرتبة العاشرة ضمن النظم الاقتصادية في طول العالم وعرضه.

لا ينافس البرازيل في المكانة أو الدور سوى جارتها الأرجنتين. لكن مشكلة الأرجنتين أن تقلبات الحوادث في داخلها أدت إلى جعلها تراوح ما بين الانتماء إلى العالم الأول تارة ثم إلى العالم الثاني تارة أخرى خاصة وقد شهدت حركات نهضة ثقافية واستنارة فكرية وفنية عبر عقود شتى منذ كانت عاصمتها بوينس أيرس في عام 1776 (عام ولادة الولايات المتحدة الأميركية ذاتها) عاصمة أسرة البوربون الأسبانية الملكية التي بسطت نفوذها على معظم أرجاء قارة أميركا اللاتينية.

في كل حال يرى المؤلف أن الأمر ما زال بحاجة إلى ما يصفه بأنه «محالفة من أجل التقدم» يتم بناؤها على أساس شراكة ندّية ومتكافئة بين الولايات المتحدة وأقطار أميركا الجنوبية، شريطة أن تبادر واشنطن بإبداء حسن النية بالتخلي عن استعلاء الغرور الذي تتعامل به مع جارتها الواقعة في الجنوب: ساعتها يمكن أن تدخل أقطار أميركا اللاتينية بحق فئة «العالم الثاني» التي يدور حولها محور هذا الكتاب.. وبمعنى أن تضطلع دول أميركا اللاتينية بدور الشريك المنتج الواثق من نفسه.

شرط آخر يتسم بقدر من الطرافة يطرحه مؤلف الكتاب في هذا السياق ويقول فيه: حذار من أن تحمل المحالفة المنشودة اسم رئيس أميركي على غرار مبدأ مونرو الذي تقادم عليه العهد ـ كما أسلفنا ـ نحو 190 من السنين. وعلى الأميركيين أن يتجاوزوا حكاية مبدأ مونرو العتيد، وإلا دفعوا قادة أميركا اللاتينية إلى التعامل مع زبائن جدد من مواقع شتى في عالمنا.

الصفحات: 256 (وسط)

الكتاب: العالم الثاني

الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك ـ 2008

تأليف: باراج خانا.عرض ومناقشة: محمد الخولي