أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجور أنه اتخذ القرار الصائب العام 1991 بشن حرب على قوات الاحتلال العراقي لدولة الكويت وأنه يعتبر ذلك واحداً من أهم القرارات التي اتخذها وكانت أكثرها منفعة للعالم، لكنه في ذات الوقت أكد أنه لم تكن هناك إمكانية في مواصلة الحرب والمضي قدما نحو بغداد تخوفاً من انهيار قوات التحالف.
وشدد ميجور في حوار لـ «البيان» في ذكرى مرور 18 عاماً على احتلال الكويت انه لو كان في السلطة العام2003 لما تردد في شن الحرب على نظام الرئيس الراحل صدام حسين، واعتبر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق أن خلفه العمالي توني بلير ممثل اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط غير قادر على تحقيق السلام حيث انه مهمته محدودة للغاية ومحصورة في إصلاح الاقتصاد الفلسطيني. كما اعتبر أن سوريا لم تكن أبداً عائقاً امام السلام في الشرق الأوسط وان ملف القدس هو الذي يقف عائقا امام نجاح السلام بالإضافة إلى لضعف الحكومة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الإمارات ودول الخليج العربية هي «الحصان الأسود» لتعافي الاقتصاد العالمي. وفيما يلي نص الحوار:
كنتم رئيس وزراء بريطانيا عام 1991 وشاركتم الرئيس الأميركي جورج بوش في قرار الحرب ما هو تقييمكم للموقف بين الكويت والعراق ومستقبل العلاقات بينهما؟ ـ إذا أردنا الحديث عن العلاقات بين الكويت والعراق يجب ان ننظر لها في سياقها التاريخي حيث إنهما جارتان مهمتان في الخليج وتربطهما علاقات تاريخية هامة وحدود مشتركة وكلتاهما تريد الأخرى وعلى الرغم من تلك العلاقات لكنها مرت في بفترات توتر تعامل العراق فيها بشكل سيء مع شقيقته الكويت وكان غزو 1991 هو الأسوأ في العلاقات بينهما وصدمه كبرى للجميع ليس فقط في العالم العربي بل في العالم.
وبعد تحرير الكويت بدأت الكويت في التعامل بشكل ايجابي مع العراق وحدث تطور إيجابي منذ سقوط نظام حيث بدأت الكويت ودول الخليج العربي في اتخاذ خطوات إيجابية هامة للتقارب مع الشعب العراقي وتبني سياسات تهدف لمزيد من الثقة والتقارب على المدى القصير والبعيد بعد سقوط نظام صدام.
*كيف ترى مستقبل العلاقات في الخليج العربي في ظل التطورات الأخيرة بين الكويت والعراق؟
ـ العلاقات المبنية على المساواة والتكافؤ والاحترام المتبادل واحترام كل منهما لسيادة الآخر ويجب على الطرفين احترام المصالح الوطنية للآخر وأنا اعتقد ان هناك العديد من العوامل التي تساعد على بناء علاقات قوية في المستقبل القريب والبعيد لبناء علاقة قوية تغلب على ما حدث في الماضي فالكويت تحتاج العراق بنفس القدر الذي تحتاج العراق للكويت حيث الحدود المشتركة وكل منهما امتداد طبيعي للآخر بالإضافة لدول الخليج العربي الأخرى.
وفي حالة توافر الإرادة السياسية لبناء علاقات سيكون الحافز الأهم لبناء علاقات حيث توجد افاق كبيرة للتعاون في المجال الاقتصادي والتجاري وتكامل كل منها لكن تحقيق هذا الأمر لن يكون بالأمر السهل حيث ما زالت هناك العديد من القضايا العالقة بين الدولتين تشكل عائقا امام جميع دول المنطقة والأمر يتطلب منا ان نصل لما يسمى في علم السياسة بالدولة النشطة وهو ما تحاول الكويت العمل ودول الخليج العربي القيام بها تجاه الشعب العراقي بشكل عام وهو ما سيقود نحو نفس الآمر مع الحكومة العراقية
وآمل ان تستمر تلك الحالة النشطة التي تبدو عليها الكويت بشكل خاص ودول الخليج بشكل عام حيث إن النتيجة الحتمية لذلك هو النجاح، علينا ان نعمل بشكل جدي ساعتها لن نتحدث على العلاقات بين العراق والكويت ودول الخليج بطريقة وضع الماكياج على العلاقات أو بمعنى اصح الحديث بشكل تجميلي عن العلاقات وهو ما نحتاجه بشكل كبير في هذه المرحلة.
كنت في موقع من المسؤولية في وقت الحرب هل من الممكن أن تشرح لنا، لماذا لم يكن من الصواب العام 1992 في حرب تحرير الكويت إزاحة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والبقاء 12 عاماً أخرى لتحقيق الهدف؟
ـ كنت رئيسا للوزراء أواخر العام 1991 ووقت حرب تحرير الكويت والحقائق تؤكد ان الجميع لم يكن راضيا على ما قام به صدام حسين على الإطلاق لما قام به من عدوان مستفز وظالم ومما لاشك فيه انه لولا تدخل الغرب وقوات التحالف في الدول العربية والشرق الأوسط لما تردد صدام في تكرار نفس الأمر مع دول الخليج العربي الأخرى
وكانت الترتيبات تتم بين بريطانيا وأميركا والرئيس بوش الأب شخصيا للتصدي للكارثة التي حدثت في واحدة من أهم مناطق العالم حيوية وأهمية وكان الاتفاق العام بينا وبين عدد من قادة الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات وحتى دول شمال أفريقيا كانت توافقنا الرأي لذلك لم يدخر الرئيس بوش الأب وأنا أي جهد ممكن لحشد القوات اللازمة لإنهاء تلك المغامرة ووقف العدوان وإخراج صدام حسن بأي ثمن وأنا بعد مرور كل هذه السنوات أرى اننا فعلنا الصواب بكل المقاييس
اما بخصوص عدم مواصلة الغزو نحو بغداد العام 1991 فإن ذلك كان سيعد خرقا للقانون الدولي والقرار الذي خولتنا به الأمم المتحدة شن حرب التحرير وإعادة الأوضاع لما كانت عليه في الخليج وكنت أتخوف بشكل كبير من انهيار التحالف الدولي إذا ما قررنا المضي نحو بغداد حيث كان الأمر سيرفض بشكل قطعي من حلفائنا في الشرق الأوسط حيث كان الجميع يريد تحرير الكويت فقط وهو ما عملنا على تحقيقه وهدفنا من الحرب ورغم ان الجميع وقتها لم يكن يتوقع بقاء صدام في الحكم لكنه بقي 12 عاماً أخرى.
لكن، التحالف الدولي نفسه شن الحرب العام 2003 واسقط صدام حسين دون تفويض من الأمم المتحدة، لو كنت في السلطة هل كنت ستتخذ نفس قرار توني بلير؟
ـ بلا شك كنت سأتخذ قرار الحرب وهو نفس القرار الذي اتخذه توني بلير بشن الحرب لإسقاط نظام صدام حسن إذا توافرت لدي نفس المعلومات التي توافرت لديه وفي حالة ما تأكدت ان العراق يشكل تهديدا كنت سأتخذ نفس القرار الذي اتخذته واشنطن ولندن، اما بخصوص الانسحاب من العراق فأنا لا أؤيد سحب جميع القوات البريطانية من العراق في الوقت الحالي واعتقد ان بقاء القوات الخاصة البريطانية في العراق أمر هام للغاية حتى في حالة اتخاذ قرار بسحب القوات البريطانية.
قبل أن نبتعد عن القانون الدولي والشرعية كانت هناك وعود بريطانية وأميركية بعد تحرير الكويت بحل الأزمة الفلسطينية والتي تعتبر لب الصراع في الشرق الأوسط ومع ذلك تراجعت الوعود وبقي النزاع كما هو، ألا ترى في ذلك خطأ كبيراً؟
ـ بالطبع أنا اتفق معك ان ما حدث ويحدث هو أمر مؤسف بالفعل وحدث تراجع كبير في الدعم المقدم لعملية السلام لكن هناك دائما عددا من القضايا الهامة التي تتحكم في الصراع في الشرق الأوسط وتحول دول المضي قدما في أي اتفاق وحقيقة الأمر اننا في أوقات كثيرة نتحدث عن تقديم دعم كبير وبالفعل نتحرك بشكل جدي ويحدث نوع من التوافق بين المجتمع الدولي ودول الشرق الأوسط
لكن دائما ما يحدث تراجع كبير فجأة وهو ما يتكرر دائما في عملية السلام حيث نخطو خطوات كبيرة وبعدها نتراجع إلى المربع الأول عندما نصل للقضايا الهامة مثل الهامة مثل القدس والحدود وضعف الحكومات وعدم توافر الرغبة السياسية للقيادات الفلسطينية والإسرائيلية بشكل جدي للعمل نحو السلام حيث يخشى كل منهما من عدم انتخابه.
لكن الغرب دائماً يتعلل بأن العرب لا يريدون السلام ويطالب بعلاقات مع إسرائيل ويتهم سوريا بأنها تمثل عائقا امام السلام هل تعتقد ان سوريا كانت كذلك وفي حالة التوصل لاتفاق سلام بين دمشق وتل أبيب بوساطة تركية سيساهم في التوصل لاتفاق؟
ـ سوريا لم تكن عائقا امام السلام في أي وقت من الأوقات والأمر أصعب من مجرد الحديث عن علاقات عربية مع إسرائيل وتوصل سوريا لاتفاق مع تل أبيب سيكون بمثابة نقطة إيجابية في طريق السلام وعملية التسوية النهائية ستكون صعبة للغاية فهناك العديد من الخلافات التاريخية لكل من الجانبين وخذ على سبيل المثال ملف القدس «وهي النقطة التي تقف عندها المفاوضات دائما» ونضطر للتراجع مرة أخرى وبصرف النظر عن المفاوضات السورية والتي بالطبع ستكون أمرا هاما
حيث إن الدور الإيجابي لسوريا سيكون ميزة هامة للسلام في الشرق لكن يجب علينا اخذ الأمر من جميع جوانبه ويتطلب ذلك حكومة إسرائيلية قوية وسلطة فلسطينية قادرة على البدء في مفاوضات المرحلة النهائية كما يتطلب الآمر إدارة أميركية قوية ومعها دور أوروبي فعال وهو ما سيساعد ويمكن الفلسطينيين والإسرائيليين على العمل الجدي نحو السلام.
هل تعتقد أن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير سينجح في مهمته الخاصة كمبعوث للجنة الرباعية؟
ـ اعتقد ان مهمة توني بلير كمبعوث للجنة الرباعية ليست لتحقيق السلام انها مهمة محدودة للغاية وينحصر دور بلير فيها في العمل على تحسين أوضاع الاقتصاد الفلسطيني وجذب مزيد من الاستثمارات وهي مهمة صعبة.
في الفترة الأخيرة تراجع الدور البريطاني في الشرق الأوسط وانحصر في دور الساعي والباحث عن الأموال للاستثمار في بريطانيا فقط تاركا الدور الأمني الكبير الذي كان يعلبه لأميركا والتي حدث خلاف كبير معها في أواخر رئاستك للحكومة البريطانية وهو ما بدا واضحا على صفحات الصحف؟
ـ أنا لا اعتقد ان الخلاف البريطاني الأميركي في أواخر فترتي كرئيس لوزراء بريطانيا كما تصوره واعتقد انه ذلك ربما تكون هناك العديد من الخلافات بيننا فيما يتعلق ببعض القضايا الاقتصادية تحدث بين الشركات والتجارية وبعضها البعض،
لكن الوضع السياسي أهدافنا وقيمنا واحدة وهو نفس الحال في الغرب بأسره حتى الأمور الاقتصادية تتشابه فيها بشكل كبير وبالنسبة للشق الأول من السؤال فالعالم تغير بشكل كبير في الفترة الأخيرة ونحن نتعامل مع الدول العربية وتحديدا دول الخليج العربي بقدر كبير من الاحترام والندية وهم شركاء لنا وتجمعنا بهم علاقات تاريخية قوية وتعاملنا معهم ليس كما كان الحال عليه في فترة الإمبراطورية البريطانية فهم الآن على نفس القدر من المساواة والتكافؤ معنا ويجب ان تكون لغة المصالح الوطنية هي السائدة
واعتقد ان ما حققته دول الخليج العربي سواء في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والسعودية أمر يستحق كل احترام فهذه الدول باتت الحصان الأسود للاقتصاد العالمي الذي يمر بفترة حرجة ونحن في بريطانيا لن نتردد في تقديم أي مساعدة تطلب منا لحلفائنا في الخليج العربي سواء كانت أمنية أو عسكرية، يهمنا بشكل كبير بقاء الطفرة الاقتصادية الكبيرة في دول الخليج كما هي لأنها ستكون الضمان نحو تعافي الاقتصاد العالمي.
بريطانيا وأميركا والغرب بشكل عام ساندت بعض الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي في محاولة منها للحصول على الأمن والاستقرار والمحصلة كانت عكس ذلك حيث نجد ارتفاعا كبيرا في نسبة البطالة وضعفا عاما في الحريات، ألا تعتقد أنكم مسؤولون بشكل أو بآخر عما يحدث في ذات الوقت الذي تطالبون فيه بتطبيق الديمقراطية الغربية؟
ـ ربما تكون مبالغا في دعمنا لبعض الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط لكن عند النظر للجانب الآخر فإن الشرق الأوسط يعتبر هو المنطقة الأكثر تغيرا وسعيا نحو الحريات والأكثر ديناميكية في العالم أكثر من غيرها وأنا بالطبع أتفهم انه ما زالت هناك بعض القضايا الهامة التي تثير الكثير من الاهتمام في الغرب مثل ما يحدث في لبنان مؤخرا وكذلك تطورات الملف النووي الإيراني والصراع العربي الإسرائيلي كل هذا مع حالة الغنى والطفرة الاقتصادية والثروة الطبيعة الهائلة من البترول والغاز.
كل هذه الأمور تجعل الشرق الأوسط محل اهتمام وهناك نقطة هامة يجب علينا في الغرب إدراكها بشكل كبير ألا وهي اننا لا يمكننا تصدير الديمقراطية الغربية للشرق الأوسط حيث تختلف الطبيعة والخلفية الدينية والثقافية التي تختلف عنا بشكل كبير وهي منطقة غنية بتراثها الكبير لذا يجب علينا المساعدة قدر الإمكان.
الاقتصاد العالمي يمر بأزمة اقتصادية كبيرة كيف ترى السبيل للخروج منها ولماذا تعاطفتم مع رئيس الوزراء الحالي غوردون براون؟
ـ إن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة حرجة للغاية في الفترة الحالية ومن المتوقع ان تزداد الحالة سواء خلال الأيام القادمة ومن الواضح ان تأثر الاقتصاد العالمي بما حدث في أميركا وبريطانيا سيكون له آثار أخرى في المستقبل لكن تبدو هناك العديد من الحلول في تعافي الاقتصاد العالمي من أزمته الحالية من خلال بعض الأمور منها تعاون دول مثل الإمارات والسعودية وباقي دول الخليج العربية والصناديق السيادية في دعم الاقتصاد العالمي من خلال مزيد من الاستثمارات
وتعتبر دول الخليج العربي هي الحصان الذي يمكن التعويل عليه في الفترة المقبلة لما تملكه هذه الدول من طفرة اقتصادية كبيرة وفائض في السيولة المالية لم يتحقق في أي منطقة من قبل ويمكن من خلال مزيد من الاستثمارات التي تقوم بها دول الخليج وعلى سبيل المثال ما قامت بها الإمارات في الفترة الماضية من خلال الاستثمارات حيث قامت الصناديق السيادية التابعة لها بالاستثمار في بورصتي لندن وناسداك وقيامها بإنقاذ العديد من الشركات الكبرى المؤثرة في العالم من الإفلاس وبمزيد من هذه الاستثمارات.
في مختلف القطاعات والمشاركة في امتلاك العديد من الشركات وهو ما يعني ضخ مزيد من السيولة المالية التي تساعد في دعم الاقتصاد العالمي والحفاظ عليه من الانهيار وذلك ربما يكون أحد أهم الحلول لإنقاذ الاقتصاد العالمي.
لندن ـ جمال شاهين