تهيمن «فوبيا» الفراغ في الخليج على السياسات الدولية التي حكمت منطقة الشرق الأوسط منذ خمسينات القرن الماضي، والتي كان دافعها الأساسي الخوف من سيطرة قوة معادية على إمدادات الطاقة ما يهدد المصالح الاستراتيجية للغرب، والتي هي ببساطة النفط اللازم لدورة الصناعة.

لم تطرح الإدارة الأميركية الجمهورية للجنرال ديويت ايزنهور بدائل لضمان أمن الخليج سوى إزاحة دولة الوصاية بريطانيا والحؤول مكانها، من دون الاعتبار للدور الذي ممكن أن تضطلع به دول الخليج العربية ذاتها وعلى وجه الخصوص السعودية الدولة الأكبر في الخليج سكاناً والأكثر موارد نفطية.

وبتراجع الدور البريطاني تحت ضربات الدبلوماسية الأميركية المعوقة لها في مواجهة تطلعات مصر لطرد الاستعمار وذيوله نهائيا من المنطقة، فضلا عن الاضطرابات التي تسبب بها رئيس وزراء إيران الأسبق محمد مصدق وتأميم للنفط، وهذين كانا سببين مباشرين لتدخل أميركي مباشر في الخليج بعد «ثبات العجز البريطاني».

وفي المقابل برز عنصران جديدان الأول من طهران التي سوق إمبراطورها العائد من الخلع محمد رضا بهلوي نفسه كشرطي مؤتمن على مصالح الغرب في هذه المنطقة، وأما العنصر الثاني المنافس فهو رئيس وزراء العراق الراحل نور السعيد الذي طار إلى واشنطن محاولاً إقناع ايزنهاور بصفقة كلية تشمل سيطرة عربية على الخليج لصالح أميركا والتعاون في مناهضة الشيوعية والاتحاد السوفييتي ونظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر مقابل حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وسقط خيار السعيد بإسقاط النظام الملكي في العراق، ما أفسح المجال لسيطرة إيرانية كاملة على الخليج لصالح الولايات المتحدة، ونشأ عن هذا الوضع الشاذ محولات عربية خجولة وأغلبها من خارج دول الخليج لإعادة السيطرة العربية أو اقلها شراكة عربية في إدارة المنظومة الأمنية اللازمة لضمان تدفق النفط.

ولم تتح الفرصة عمليا إلا بسقوط شاه إيران والذي أبقى على ملفات شائكة وكبيرة من الدول العربية الخليجية خاصة في مسألة الجزر الإماراتية الثلاث والمياه الإقليمية مع والكويت وحقول الغاز المشتركة مع قطر. كما أن النظام الإيراني الجديد المؤمن بالثورة الإسلامية في سياق مذهبي شكل تهديدا جديدا لأمن دول الخليج، وزاده تعقيدات الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم غزو العراق للكويت، ليبقى أمن الخليج رهينة للنظام السياسي في كل من طهران وبغداد.

وبررت دول وعلى رأسها الكويت الاستعانة بالولايات المتحدة عسكريا كضمانة عملية وعقلانية لمنع أي تهديدات تطال دول مجلس التعاون. إلا أن ذلك لا ينفي بالطبع المحاولات الخليجية الذاتية كإنشاء درع الجزيرة في ثمانينات القرن الماضي كجزء من منظومة التعاون وانتهاج سياسة الاعتدال في محاولة لحفظ الاستقرار في هذه المنطقة.

إلا أن التطورات التي لحقت بعلاقة الغرب مع الخليج خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وتعاظم تهديد تنظيم «القاعدة» للمصالح الغربية والأزمة التي شكلها البرنامج النووي الإيراني أعادا أمن الخليج إلى المربع الأول، وإلى عقدة الفراغ، التي تفلح لغاية الآن الحلول العسكرية وسياسات الاستقواء الأميركية المأزومة على إنهائها، ما يفرض السؤال القديم الجديد، وهو إلى متى سيبقى أمن دول الخليج العربية بيد أطراف خارجية؟

ومتى سيستمع العالم إلى صوت العقل الخليجي الذي أفلح بانتهاج سياسة الاعتدال والاحتكام إلى الشرائع الدولية على أمل أن لا تبقى المنطقة عرضة للحروب والتهديدات والتي تئن بسببها منذ أكثر من 28 عاماً.

رامي سلامة

sal.rami@gmail.com