دخل إليها عندما كانت إرهاصاتها تشير إلى ولادتها، حتى وهو في سن الدراسة الثانوية. إذ انكبَّ على القراءة حتى صار في ممارستها نهماً. وكان، وهو يقرأ في كتب التاريخ وفي سائر مكونات المعرفة، يراقب التحولات التي كانت تجري.
وكان ذلك بالذات هو الذي جعله منذ وقت مبكر مسكوناً بفكرة الإسهام في صناعة الغد الآتي، من دون أن تكون قد تولدت عنده الوسائل والأدوات التي تمكنه من نقل الحلم الذي تملكه إلى واقع ملموس. وحلمه الحقيقي كان منذ البدايات هو أن يرى بلاده تدخل في عالم التطور والتقدم من أبوابه المشرعة لا من الأبواب الخلفية الضيقة، استناداً إلى الثروة التي جاءتها من أعماق رمالها السمراء الواسعة الامتداد مرفقة ومدعمة بعولمة رأسمالية داهمة لم تلبث أن بدأت تعبَّر عن ذاتها في الأعوام الأخيرة من حياة غانم.
في ذلك الوقت بالذات، حين كانت تجري تحولات سياسية واقتصادية في منطقة الخليج كلها، كان غانم ينتقل إلى مرحلة النضج، ببلوغه العشرين من العمر. ومعروف أن مرحلة الستينات كانت مرحلة التكوُّن الأولى للإمارات في صيغة دول أو مشاريع دول. ففي العام 1968 بادر الزعيم الراحل حاكم إمارة أبوظبي في ذلك الحين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى الدعوة لوحدة إمارات الخليج التسع: أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة والبحرين وقطر..
واجتمع حكّام تلك الإمارات في دبي وأصدروا «اتفاق دبي» الذي تحول إلى محور للنقاش والجدل والصراع حول تشكيل «اتحاد الإمارات العربية». لكن الاتفاق الذي جاء سريعاً حول فكرة الاتحاد لم يحقق ولادة الاتحاد إلاَّ في وقت لاحق بين سبع إمارات، بعد خروج البحرين وقطر من الاتفاق الأول. ثم كانت ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 1971 مشرعة فيها الأبواب على آفاق كبيرة تعبّر التطورات الراهنة عنها بوضوح ساطع.
كان غانم يرافق التطورات. وكانت أحلامه تتركَّز في اتجاه قيام دولة حديثة في الإمارات تستند إلى مخزون الثروة الوطنية، من جهة، وإلى حاجة سكان البلاد للدخول في العصر وتحولاته، من جهة ثانية. وإذ كانت أحلامه ومطامحه تتوسع كان يدخل في الحياة العامة ويشارك في النشاطات العامة المتعددة، التي حفلت بها دولة الإمارات في تلك الفترة.
وقد أهلته شخصيته ومجموعة من الصفات الإنسانية، في مقدمتها أخلاقياته، لأن يتولى في أول سبعينات القرن الماضي منصب رئيس اتحاد كرة القدم في دولة الإمارات. وكان أول شخص يتولى ذلك المنصب في البلاد.وكانت الأندية الرياضية في تلك الفترة تزاول أنشطة ثقافية إلى جانب أنشطتها الرياضية. وكان غانم بذلك يدخل معترك الحياة منذ شبابه الأول.
وتنقَّل في ميادين مختلفة من العمل في القطاع الخاص وفي مؤسسات الدولة. وكان أهم نشاط قام به في مؤسسات الدولة عندما تولى منصب الوكيل المساعد لشؤون العمل والعمال في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. ويعود له الفضل في إخراج أول قانون للعمل والعمال في دولة الاتحاد. وهكذا كان يتحول غانم في ميدان النشاط والعمل والتجربة إلى رجل صاحب قضية وصاحب رؤى سياسية واجتماعية وثقافية. وكانت أفكاره، التي سرعان ما بدأ يبثها في كتابات وأحاديث ولقاءات، تعبِّر عن طموح جيل بكامله في الانتقال بالبلاد إلى معارج الحرية وإلى التقدم الإنساني في مجالاته كافة.
إلاَّ أنَّ النقلة النوعية الكبرى في حياة غانم تمثلت في إسهامه الأساسي في إصدار مجلة «الأزمنة العربية» بين عام 1979 وعام 1981. وتحوَّل إلى كاتب ومفكِّر وصاحب مشروع سياسي. وصارت الكلمة مجال نشاطه وأداته في المعارك السياسية والاجتماعية والثقافية التي خاضها مع عدد غير قليل من زملائه وأصدقائه الذين كانوا يشاركونه الرؤى ذاتها والهموم والهواجس والأفكار والمطامح.
وكانت كتاباته تتميز بالشجاعة في طرح الأفكار والمواقف، مستنداً في ذلك إلى أنه كان يعبِّر عن مصالح شعبه ووطنه. وكان يستخدم السخرية أسلوباً ولغة في التعبير عن آرائه ومواقفه. وكانت معظم مقالاته تنشر بتوقيع «بلوطي». وكانت تلقى شعبية كبيرة وسط القرّاء. ومن موقعه كمثقف ساهم في تأسيس أول اتحاد للكتّاب والأدباء في دولة الإمارات، وفي تأسيس النادي الثقافي الاجتماعي وكذلك النادي الأهلي الذي كان عضواً في لجنته العليا.
كان عقد الثمانينات، من بداياته حتى عامه الأخير، عام الوداع، الميدان الأكثر رحابة والأكثر عطاءً في حياة غانم. وهو العقد الذي أصبح فيه اسمه يتجاوز دولة الإمارات ومنطقة الخليج إلى العالم العربي. صار غانم يعرف في الأوساط الخليجية والعربية كمفكِّر عربي ديمقراطي متميِّز. كان يقتحم صعاب الحياة مجاهداً، معانداً ومغالباً المرض الذي كان قد أصابه بالشلل النصفي وأقعده من دون أن يتمكَّن من تقييد حركته. وظلَّ وهو في تلك الحالة يبدع في الفكر والسياسة والثقافة حتى آخر لحظة من حياته.
وحين غادر الحياة لم يكن قد استكمل كل عناصر المشروع المتعدد الذي كان محور حياته وفكره وكل نشاطه. لكنه مع ذلك تمكَّن من أن يسهم في تأسيس حركة فكرية وأدبية وثقافية وسياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة سرعان ما أصبحت من النماذج الرائعة المتميزة في هذه المنطقة من الوطن العربي. وستظل الحركة الفكرية والسياسية التي تنتعش اليوم في بلاده تذكر بتقدير كبير دوره هذا، ولا تنساه.
لكن «الأزمنة العربية» تظل، بما قدمته في حقول الفكر والسياسة والثقافة، المعلَم الأساس الذي يشير إلى دور غانم الريادي، وإلى الإسهام الكبير الذي قدمه في خلق هذه الحركة الناشطة لتجديد المجتمع في بلاده. ولكم بذل من جهد، ولكم غالب من صعوبات، ولكم عانى من متاعب، وهو في غمرة كفاحه ذاك لإصدار «الأزمنة العربية» ولإعادة إصداره، ولتجديدها ولتطويرها. والذين يعرفونه عن كثب يعرفون جيداً، وبعمق وبتقدير، كل تلك الصعوبات وكل تلك المعاناة، وكل العزم الذي امتلكه في متابعة المعركة، وكل الثقة التي لم تتزعزع عنده بالمستقبل.
بعد بضعة أعوام من غيابه أصدر أصدقاؤه كتاباً ضمَّ بعض كتاباته التي كان ينشرها في«الأزمنة العربية». وهو كتاب على أهميته لا يشكِّل إلاَّ جزءاً مما تميَّز به فكره. لكنه يعكس، بصدق، هواجسه وهمومه واهتماماته وأهدافه. ذلك أن غانم كان قد وضع أمامه مهمة لا ينهض بها فرد، ولا حتى جماعة. فهي كانت مهمة مجتمع بأسره، بكلِّ فئاته وقواه.
جوهر تلك المهمة كان الإسهام مع القوى الطليعية العربية، مفكِّرين ومنتجين وجماهير، في النهوض بالمجتمع العربي بعامة، والمجتمع في دولة الإمارات العربية والمجتمع في كل منطقة الخليج العربي، بخاصة، وتحرير هذا المجتمع هنا وهناك وهنالك وتحرير الإنسان فيه من تقاليد مضى عليها الزمن، ووضع شعب الإمارات المتحدة على طريق التقدم الإنساني في مجالاته كافة.
وكان غانم في تلك القضية لا يحصر همه في بلد عربي دون آخر، ولا في منطقة من الوطن العربي دون أخرى. إذ هو كان مفكِّراً ديمقراطياً عربياً يلتزم بقضايا أمته العربية جميعها، دون تمييز. وهكذا فقد كانت قضية فلسطين إحدى أولى همومه واهتماماته. وكذلك كانت القضية اللبنانية.
ولن يستطيع الوطنيون والديمقراطيون اللبنانيون أن ينسوا الدور الذي قام به هو شخصياً مع العديد من أصدقائه وزملائه في تأسيس حركة واسعة للتضامن مع المقاومة الوطنية اللبنانية، منذ البدايات. وكانت لجنة الدعم للمقاومة في الإمارات أول لجان الدعم التي تشكلت خارج لبنان. وكانت أكثر تلك اللجان نشاطاً وأكثرها تنوعاً في النشاط وفي شتى مجالات الدعم الملموس.
غير أنَّ جانباً من شخصية غانم غباش يحتاج اليوم إلى إبرازه، إنصافاً للرجل بعد رحيله. فقد كان سريع التأثر بالمتغيرات التي كان يشهدها العصر، عميق التفاعل معها. ولم يكن شكلياً في تأثره وانفعاله بتلك التحولات الكبرى. ولم يكن تقليدياً. ولم يكن نصياً. بل هو كان دائم البحث، عميقاً في الابتكار وفي الإبداع. لكنه كان واقعياً.
في قراءتي لكتاب غانم غباش المشار إليه تأكَّد لي كم كان الرجل عميق الإدراك للقضايا الأساسية التي تواجه وطنه دولة الإمارات المتحدة، القضايا المتصلة ببناء الدولة الحديثة والإنسان الجديد الخارج لتوه من البداوة إلى الحضارة. وقد عبّرت عن فهمي لشخصية وفكر غانم في التقديم الذي وضعته لهذا الكتاب.
أنني لا أريد أن أختم هذا الاستذكار لمثقف ديمقراطي عريق من دون الإشارة إلى الدور الذي لعبه في تطوير اتحاد الكتّاب في دولة الإمارات، الاتحاد الذي من خلاله ولدت مؤسسة سلطان العويس الثقافية وولدت الجائزة التي ارتبطت باسم ذلك الشاعر والتاجر الإماراتي الشجاع. وكانت قد بدأت الأفكار المرتبطة بالمؤسسة وبالجائزة في العام الذي ودَّع فيه غانم غباش الحياة، مسكوناً بأمل لم تتح له فرصة التمتع ببعض مقدماته الواعدة.