توضح الؤلفة عند هذا المنعطف الأخير من كتابها أنه إذا كانت روسيا تؤكد على انتمائها الكبير للقارة الأوروبية فإن رئيس وزرائها الحالي فلاديمير بوتين أكّد على ضرورة الانفتاح على آسيا وعلى العالمين العربي والإسلامي بعد فترة إهمال لهاتين المنطقتين في ظل رئاسة بوريس يلتسين.
ولم يتردد بوتين في القول إن روسيا تنتمي أيضاً إلى العالم الإسلامي. فالإسلام موجود فيها منذ قرون ولها أيضاً روابط وطيدة مع بلدان العالم العربي. وبالتالي يريد أن تلعب بلاده دورا في حوار الحضارات وأن تكون وسيطا فاعلا بين الغرب وهذا العالم. بالنسبة لآسيا برزت فكرة قيام مثلث إستراتيجي صيني-هندي-روسي وأقيمت في هذا السبيل عدة اتفاقيات ومعاهدات، على قاعدة مصالح اقتصادية وتجارية، ولكن أيضاً سياسية-إستراتيجية.
أما بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي فقد بذل فلاديمير بوتين جهودا كبيرة لتعزيز العلاقات معهما، كان من أهم مظاهرها نسج علاقات مع منظمة المؤتمر الإسلامي وصولا إلى أن تصبح روسيا عضوا مراقبا فيها. كما عززت روسيا علاقاتها مع مختلف البلدان العربية من المغرب وحتى الخليج العربي. من خلال منظور المشاركة في الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. في الوقت الذي يبدو أن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي تتعقد ويسودها نوع من الحذر، تقترب روسيا أكثر فأكثر باتجاه مناطق أخرى خاصة في آسيا والعالمين العربي والإسلامي. ومنذ البداية تؤكد كاتبتا هذه المساهمة آن دو تينغي وإيزابيل فاكون على أن فلاديمير بوتين أولى منذ وصوله إلى السلطة اهتماما كبيرا لآسيا.
وذلك كامتداد للنهج الذي كان قد بدأه ميخائيل غورباتشوف وأكّده بوريس يلتسين. ذلك أن روسيا كانت قد وجدت منذ المصالحة مع الصين عام 1989 هامشا جديدا للمناورة كانت محرومة منه منذ فترة طويلة. لا شك في أن روسيا تؤكد أن لبعدها الآسيوي دورا كبيرا في تاريخها، وكان الروس قد طرحوا منذ فترة طويلة طبيعة علاقتهم مع هذه القارّة. وكان فلاديمير بوتين، مثل سابقيه، قد عرّف روسيا على أنها بلد أوروبي-آسيوي، وذلك تأكيدا لواقع جغرافي قائم، لكنه أراد أن يستخدم هذا الواقع من أجل «مستلزمات» سياسية حيال الغرب. أما بالنسبة للانفتاح على العالم العربي-الإسلامي فقد شرع به الرئيس فلاديمير بوتين خلال فترته الرئاسية الأولى ثم تعزز اعتبارا من عام 2005.
وكان ذلك الانفتاح يمثل عودة روسيا إلى منطقة كان للاتحاد السوفييتي السابق فيها حضور كبير لفترة طويلة من الزمن، ولكن موسكو كانت قد صرفت الانتباه عنها نهائيا في ظل حكم بوريس يلتسين. وقد أراد فلاديمير بوتين، اعتمادا على وجود عدة ملايين من المسلمين في بلاده، أن يجعل من نفسه في موقع الوسيط بين الغرب والعالم الإسلامي.
كان قد ذكّر منذ وصوله إلى السلطة أن روسيا بلاد أوروبية-آسيوية متعددة الاثنيات، وأنه يريد «استثمار هذه الميزة». يتردد عن فلاديمير بوتين قوله أن روسيا تشكل جزءً من العالم الإسلامي، ويعتمد بذلك على نقطتين أساسيتين. النقطة الأولى هي أن الإسلام موجود في روسيا منذ عدة قرون، وأن المسلمين قد ساهموا في صياغة هوية روسيا الحالية.
وكان بوتين قد صرّح في الرياض بتاريخ 12 فبراير 2007 أن العلاقات المنسجمة التي يعيشها المسيحيون والمسلمون في روسيا منذ قرون تشكل «دون أية مبالغة كنزنا الوطني وإننا متمسكون بها مثل حرصنا على بؤبؤ عيوننا»، على حد قوله.
النقطة الثانية التي يعتمد عليها بوتين في تأكيد انتماء روسيا إلى العالم الإسلامي هي أن روسيا، وبفضل ذلك الوجود العريق للإسلام فيها، تقيم منذ قرون أيضاً روابط وثيقة مع العالم الإسلامي. وهذا يمنحها تجربة تفتح الطريق أمام الكثير من الفرص، وتلقي على عاتقها مسؤولية في الوقت نفسه.
وهذا ما عبّر عنه بوتين بالقول: «لدينا تجربة فريدة في الثراء المتبادل للثقافات وللتقاليد ونريد تطوير حوار حضارات». وما يتم تأكيده في التحليلات المقدّمة هو وجود عدد مهم من المسلمين في روسيا منذ القرن السادس عشر، كما اندمجت فيها مجموعات جديدة في القرن التاسع عشر. وتدلّ إحصائيات عام 2002 على وجود 16 مليون مسلم في روسيا.
ويحاول القادة الروس عامة دعم مقولة إن روسيا يمكنها أن تلعب دور الوسيط بين الغرب والعالم الإسلامي، ليس بسبب وجود مثل هذا العدد المهم من المسلمين فيها وحسب، وإنما أيضاً بسبب العلاقات الجيّدة القائمة بين المسلمين والأرثوذكس، مثلما يبدو بوضوح في تتارستان، التي يتألف نصف سكانها من المسلمين والنصف الآخر من الأرثوذكس.
لكن هذا كله لا يمنع من وجود عدد من الأصوات التي يؤكد أصحابها أنه «تمّ النظر دائما إلى الإسلام كغريب عن روسيا»، كما تنقل الكاتبتان عن «اليكسي مالاشنكو»، أحد أفضل الاختصاصيين الروس بالإسلام، كما يتم تقديمه. وتتم الإشارة هنا إلى أن خطاب السلطة يتناقض أيضاً مع فظاظة السياسة الروسية حيال الجمهورية الشيشانية.
ويُبدي العديد من الباحثين الروس قلقهم منذ عدة سنوات من الصعود الكبير لمشاعر البغض والكراهية، التي تحوّلت من معاداة السامية سابقا إلى القوقازيين، الذين تتألف غالبيتهم من المسلمين، هذا على الرغم من أنهم مواطنون روس. إن استطلاعات رأي في جميع المناطق الروسية أكّدت مثل هذا التوجّه.
مثل هذا الواقع يقلل من مصداقية الخطاب الروسي الرسمي الخاص بـ «حوار الحضارات» ويلقي بعض الظلال على العلاقات الروسية مع العالم الإسلامي عموما. يضاف إلى هذا ما أثارته الحرب الشيشانية من قبل خلال نهاية سنوات التسعينات.
لكن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن والتدخّل الأميركي في العراق في ربيع عام 2003 وعدم الاستقرار الإقليمي والملف النووي الإيراني الشائك، أمور أدّت بمجملها إلى إيجاد سياق جديد. وأصبحت البلدان العربية والإسلامية ترى في روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، وزنا مقابلا للثقل الأميركي.
وتفتح الكاتبتان هنا قوسين للتأكيد على أن هجرة حوالي مليون يهودي من روسيا وبقية جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق إلى إسرائيل بعد انهيار «الستار الحديدي» عززت من الحضور الروسي في الشرق الأوسط. وكان فلاديمير بوتين قد ذكّر في عام 2005 أن «قسما مهما من سكان إسرائيل هم من أصول تعود للاتحاد السوفييتي السابق ولروسيا».
لكن بالمقابل لا تزال هناك توترات بين موسكو وتل أبيب على خلفية وجود أشكال من التعاون العسكري الروسي مع إيران وسوريا بشكل خاص. بكل الأحوال يساهم هذا كله في إيجاد «عالم روسي جديد» في قلب الشرق الأوسط. تعتمد الدبلوماسية الروسية في آسيا كما في العالم العربي والإسلامي على روابط ثنائية أو متعددة الأطراف.
وكانت علاقات روسيا مع آسيا قد تنشطت منذ مطلع وصول بوتين إلى السلطة مستفيدة بذلك من الجهود التي كان قد قام بها الكرملين اعتبارا من عام 1996 عندما كان يفجيني بريماكوف وزيرا للخارجية الروسية، والذي عمل بعد ذلك مستشارا لدى الرئيس بوتين للسياسة الخارجية.
وكان بريماكوف قد طرح في عام 1998 أثناء زيارة لنيودلهي، عاصمة الهند، فكرة «مثلث إستراتيجي» صيني-هندي-روسي. فكرة «المثلث الاستراتيجي» تعززت مع توقيع «معاهدة حسن جوار وصداقة وتعاون» في شهر يوليو 2001. وفي شهر أكتوبر 2004 وقعت روسيا والصين اتفاقا إضافيا حول الحدود المشتركة التي جرى ترسيمها.
وكانت الهند، الشريك الرئيسي لروسيا في آسيا، قد استولت على اهتمام خاص من فلاديمير بوتين بعد فترة التراخي التي شهدتها فترة حكم سابقه بوريس يلتسين. واعتبارا من شهر أكتوبر 2000 وقّعت روسيا والهند ميثاق شراكة استراتيجية بمناسبة زيارة الرئيس الروسي لنيودلهي. وتمثل الهند حلقة مهمة في «الممر التجاري» المهم بين الشمال والجنوب والمتمثل في روسيا-آسيا الوسطى-إيران-الهند.
على الصعيد العربي-الإسلامي اتخذ فلاديمير بوتين سلسلة من الإجراءات. لقد قدّم روسيا كـ «صديق» و«بلد قريب» و«جار جيد» و«شريك مسؤول» يهتم بمصالح الآخرين وبمشاكلهم. وأشار باستمرار إلى التلاقي بوجهات النظر بين روسيا والعديد من البلدان العربيةوالإسلامية حول «المسائل الإقليمية والدولية الرئيسية».
ولا ينسى أن يذكّر باستمرار بالعلاقات الجيدة التي أقامها الاتحاد السوفييتي لمدة عقود طويلة مع العالم العربي. كانت إحدى مبادرات بوتين الكبرى في هذا الجزء من العالم هي محاولة التقرّب مع منظمة المؤتمر الإسلامي وحيث كان أول رئيس لدولة ليست غالبية سكانها من المسلمين تتم دعوته إلى قمة رؤساء دول منظمة المؤتمر الإسلامي عام 2003 بل ويلقي خطابا فيها.
وأصبحت روسيا بعد عامين، أي في عام 2005، وبدعم من السعودية ومصر خاصة كما تؤكد الكاتبتان، عضوا مراقبا في هذه المنظمة. وكان بوتين قد بدأ في عام 2005 سلسلة من الزيارات إلى الشرق الأوسط من بينها مصر التي لم يكن قد زارها مسؤول روسي بهذا المستوى منذ 40 سنة والأراضي المحتلة وإسرائيل حيث كان أول رئيس روسي يزورها.
ولم يتردد بوتين بالمقابل في دعوة خالد مشعل لزيارة موسكو في عامي 2006 و2007. وكانت روسيا هي البلد الوحيد بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي التي وقفت إلى جانب حماس بعد انتخابها ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني، على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تعتبرها منظّمة إرهابية.
وتتم الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى الجهود التي بذلها فلاديمير بوتين لتوطيد العلاقات مع العالم العربي. لقد تعززت في عهده صلات بلاده مع بلدان المغرب العربي. وأيضا مع بلدان الخليج حيث قام في عام 2007 بزيارة للمنطقة شملت السعودية وقطر في شهر فبراير من تلك السنة ثم الإمارات العربية المتحدة في شهر سبتمبر 2007.
أما علاقات روسيا مع إيران فقد تعززت أكثر اعتبارا من عام 1989. وفي عام 1995 تم توقيع العقد الخاص ببيع مفاعل نووي لمحطة بوشهر. هذا إلى وجود تعاون عسكري مهم بين البلدين. وكانت العلاقات الروسية-الإيرانية قد تعززت عندما كان بريماكوف وزيرا للخارجية.
على الرغم من الاعتراضات الكبيرة للولايات المتحدة. وفي محصلة التحليل يتم التأكيد على أن العلاقات مع إيران تتسم لدى روسيا بأهمية اقتصادية ومالية، ولكن أيضاً سياسية-إستراتيجية حيث تبدو هذه الشراكة وسيلة لظهورها كقوة مستقلة في الحياة الدولية.
شكّل الظهور بدور الحكم والوسيط مفصلا مهما في خطاب فلاديمير بوتين، وذلك للتأكيد على أن هدف روسيا هو أن تكون: «مصدرا للأمن» و«عنصرا مساهما في جميع المشاكل التي تتعرض لها الإنسانية». لكن تؤكد التحليلات المقدمة على وجود تباين بين الخطاب «النظري» والواقع «العملي».
ذلك أن روسيا أظهرت عجزها حيال الملف الياباني إذ لم تستطع حل خلافها مع اليابان حول جزر «كوريل» والذي يعيق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية توقيع معاهدة سلام بين البلدين. كذلك لم يكن دور روسيا كبيرا في التعامل مع الملف النووي لكوريا الشمالية.
بالمقابل يتم وصف موقف روسيا أنه «غامض» فيما يخص منطقة آسيا الوسطى. إن روسيا تخشى أن تصل إليها «عدوى» وصول اضطرابات إليها من الجوار منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، لاسيما بسبب ضعف الدول في آسيا الوسطى.
وكانت روسيا قد قررت بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 عدم الاعتراض على نشر قوات الحلف الأطلسي في جمهوريات هذه المنطقة، مما يشكل موقفا «غامضا» بالنظر إلى تقاليدها العريقة في رفض أية «تدخلات» خارجية في مجالها «الإمبراطوري» السابق.
تتم الإشارة أيضاً في هذا السياق إلى «الغموض» في موقف روسيا حيال الوضع في أفغانستان. لقد دعمت بالتأكيد بطرق مختلفة عملية القوات الغربية في هذه البلاد بأمل التوصل إلى استقرار أكبر في آسيا الوسطى. لكنها بالمقابل لم تتردد فيما تلا ذلك بالعمل على تعقيد مهمة تلك القوات.
وفي منطقة الشرق الأوسط ترى الكاتبتان أن روسيا تُبدي مواقف إلى جانب الدول العربية مع احتفاظها على علاقات وثيقة مع إسرائيل والتأكيد بنفس الوقت أيضاً على إرادتها المصممة في «تسوية النزاعات الدولية والإقليمية».
إن فلاديمير بوتين يؤكد باستمرار دعمه لقيام دولة فلسطينية «تعيش بسلام مع إسرائيل». هذا إلى جانب تأكيده حرصه على عدم المساس بأمن الدولة العبرية. ولذلك كان قد اعترض شخصيا، كما يُنقل عنه، على بيع صواريخ لسوريا يبلغ مداها 300 كيلومتر وكان العسكريون الروس قد وافقوا على بيعها.
وفي المحصلة العامة يتم التأكيد على أن لطموحات فلاديمير بوتين حدودها، وأن واقع عدم مساهمة روسيا كثيرا في إحلال السلام بآسيا والعالمين العربي والإسلامي وغموضها في بعض الحالات لا يشجع تعزيز مواقعها بشكل دائم في هذه المناطق من العالم.
المؤلفة في سطور
* هذا كتاب جماعي أشرفت على دراساته آن دوتينغي المؤرخة الفرنسية المختصّة بالعلاقات الدولية عامة، وبالسياسة الخارجية لروسيا وأوكرانيا بشكل خاص.
* تحمل دوتينغي إجازة الدكتوراه بالعلوم السياسية وتشرف على إدارة أبحاث في مركز الدراسات والبحوث الدولية بباريس وفي معهد الدولة للعلاقات الدولية بموسكو.
* قدمت العديد من الكتب حول السياسة الخارجية والعلاقات الدولية من بينها: «الولايات المتحدة- الاتحاد السوفييتي والوفاق» و«سنوات غورباتشوف، الاتحاد السوفييتي بين 1985 و1991» وانهيار الإمبراطورية السوفييتية و«اوكرانيا، قوة فاعلية جديدة في اللعبة الدولية».
* يساهم في هذا الكتاب أيضا ثلاثة باحثين آخرين هم فلاديمير بارانوفسكي، إيزابيل فاكون وانييس ماران.
الصفحات: 215 (وسط)
الكتاب: موسكو والعالم
تأليف: آن دو تينغي ـ عرض ومناقشة: محمد مخلوف
الناشر: أوترومون ـ باريس ـ 2008