بدأت روسيا أمس بسحب قواتها من جورجيا بشكل غير نظامي على أن يطبق اليوم رسمياً تعهد الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بسحب باق القوات بحلول اليوم الاثنين، رغم توقع موسكو أن تبليسي تعد لـ «عمل استفزازي كبير»، في غضون ذلك تبحث منظمة الأمن والتعاون الأوروبية اليوم في فيينا اليوم إرسال مئة مراقب لتنفيذ الانسحاب بناء على طلب تبليسي، التي تلقت كذلك دعما غير متوقع بإعلان المستشارة الألمانية انغيلا ميركل أن جورجيا ستنضم للحلف الأطلسي.

وأعلن الرئيس الروسي مدفيديف أعلن خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي أن قواته ستبدأ انسحابها من الأراضي الجورجية اليوم الاثنين، إلا أن مسؤولا في وزارة الدفاع الروسية أكد لوكالة «إيتارتاس» الروسية للأنباء أن الانسحاب بدأ أمس ويعني «فقط سحباً جزئيا للوحدات العسكرية والتجهيزات التي لا لها في أوسيتيا الجنوبية»، مشيرا إلى أن بعض هذه الوحدات ستعود إلى أماكن تموضعها في روسيا. وفي سبيل مراقبة التزام موكو بوعودها، اتفق ساركوزي على إجراء اتصال هاتفي يومي مع مدفيديف لمتابعة الوضع على الأرض.

ميدانيا، أعلن قائد منطقة غوري الجنرال فياتشيسلاف بوريسوف أن قوات حفظ السلام الروسية وصلت والجيش الروسي بدأ ينسحب تدريجيا من دون ان يوضح ما اذا كانت هذه التحركات تشمل كافة أنحاء جورجيا او منطقة غوري فقط قرب منطقة اوسيتيا الجنوبية الانفصالية. الا أن القوات الروسية منعت الشرطة الجورجية من دخول مدينة غوري وشاهد مراسل وكالة «فرانس برس» في المكان امين مجلس الأمن الجورجي الكسندر لومايا في مناقشة حادة مع الجنرال بوريسوف. ولدى مرافقة عدد من الصحافيين الى داخل المدينة التي احتلتها القوات الروسية منذ الاثنين قال بوريسوف ان «كل شيء يجري طبقا لخطة» وقف الأعمال الحربية الموقعة من الرئيس الروسي مدفيديف ونظيره الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي. وأكد الجنرال الروسي ان «كل شيء تحت السيطرة وليس ضروريا نشر الشرطة الجورجية في المدينة».

وقت سابق اعلن لومايا ان القوات الروسية كانت تواصل تعزيز مواقعها في جورجيا بعيدا عن اوسيتيا الجنوبية الانفصالية وذلك رغم وقف إطلاق النار الذي ينص على انسحابها، وقال إنه «ليس هناك أي مؤشر يدل على ان الروس يخططون لانسحابهم. بالعكس انهم يكثفون نقاط التفتيش ويعززون مواقعهم».

وأفاد شهود ان عدة حواجز مراقبة روسية ما زالت قائمة على الطريق المؤدية إلى غوري. ونفت روسيا ما قالته السلطات الجورجية بأن قوات حفظ السلام الروسية تحتل قريتي كاشوري وأكالغوري.

ونقلت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستي» عن ناطق باسم وزارة الدفاع الروسية قوله «لم تعط أي أوامر لقوات حفظ السلام بالدخول إلى هاتين المنطقتين»، وأشار الى أنه تفاجأ ب«الادعاءات» الجورجية بأن الطيران الروسي قصف الغابات القريبة من قرية بورزومي الجورجية، ما أدى إلى اندلاع النيران فيها.

الى ذلك، أكدت وزارة الدفاع الروسية ان جورجيا تخطط لـ «عمل استفزازي كبير» في بلدة غوري، بينما رفضت جورجيا الاتهامات وقالت وزارة الداخلية الجورجية في بيان «هذه الاستفزازات لن يمارسها سوى الجانب الروسي بهدف إبقاء وحدات الجيش الروسي في منطقة الصراع».

وعد بالعضوية

وتلقت جورجيا دعما غير متوقع بتأكيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارتها للعاصمة الجورجية تبليسي أن الصراع الدائر لن يؤثر على استمرار ترشيح جورجيا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. وقالت ميركل عقب لقائها مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي: «ستصبح جورجيا - إذا أرادت - عضوا في حلف الناتو». وأكدت على أن بلادها لا ترى مبررا للحياد عن قرار الناتو خلال قمة بوخارست بشأن عضوية جورجيا في الحلف.

من ناحية أخرى أكدت ميركل خلال محادثاتها مع ساكاشفيلي أن استقلال جورجيا ليس موضع شك بالنسبة لألمانيا كما شددت على ضرورة احترام وحدة الأراضي الجورجية.

ووصلت ميركل في وقت سابق أمس إلى العاصمة الجورجية في إطار جهود الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي لحل النزاع الجورجي الروسي حول إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين عن جورجيا.

وبعد مطالبات الرئيس الجورجي ساكاشفيلي برقابة دولية على الانسحاب الروسي، «للتحقق من الانسحاب» أعلنت فنلندا الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا الأحد عقد اجتماع بعد ظهر الاثنين في فيينا لأعضاء المنظمة لاتخاذ قرار بإرسال 100 مراقب إضافي إلى جورجيا.

رايس تعنّف روسيا

إلى ذلك، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية رايس ان العملية العسكرية التي شنتها روسيا في جورجيا «قضت» على سمعتها، واعتبرت انه سيكون عليها ان تدفع ثمن تداعيات أعمالها.

وصرحت رايس عبر تلفزيون فوكس ان «اي فكرة حول كون روسيا دولة مسؤولة، مستعدة للانضمام إلى المؤسسات الدولية، السياسية، الدبلوماسية والاقتصادية، وان روسيا بلد مختلف...، هذه السمعة قضي عليها». وأضافت أن «روسيا ستدفع ثمنا. وسنتباحث مع حلفائنا حول عواقب أعمال روسيا على انخراطها في المؤسسات». كما اعتبرت رايس أن روسيا لا تلتزم بوقف إطلاق النار، وأضافت رايس بلهجة جافة «آمل هذه المرة بأن يفي (الرئيس الروسي) بوعده.

جورجيا تقسم «الأوروبي» إلى معسكرين

اعتبر محللون غربيون وخبراء في العلاقات الدولية أن أزمة جورجيا فاقمت من حدة الخلاقات في أوروبا بشأن الموقف من روسيا، ما قسم الاتحاد الأوروبي إلى معسكرين يتصارعان حول المسؤول الحقيقي عن اندلاع الحرب في البلقان، في الوقت الذي بدأ حلف شمال الأطلسي (ناتو) دراسة جدوى منح العضوية لجورجيا وأوكرانيا جارتي روسيا.

وأوضح مدير السياسة الخارجية بمركز «الإصلاح الأوروبي» توماس فالاسيك «سيصعب على الاتحاد الأوروبي أن تكون له سياسة تجاه روسيا». وأضاف فالاسيك الذي يدير مؤسسة بحثية بريطانية أنه «سيصعب للغاية»على الاتحاد الأوروبي الاتفاق على فرض أي نوع من العقوبات ضد روسيا.

وقال انه في حين اتهمت بعض الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي روسيا بتعمد إثارة الحرب يعتقد أعضاء آخرون أن جورجيا يقع عليها جزء من اللوم بينما يرى آخرون أن جورجيا جلبت تدخل روسيا على نفسها.

من جهته اعتبر عضو بارز بالمفوضية الأوروبية، رفض الكشف عن اسمه، ان الأزمة حطمت الآمال ببداية جديدة بين أوروبا والرئيس الروسي الجديد ديمتري ميدفيديف الذي تولى رئاسة روسيا في مايو الماضي خلفا لفلاديمير بوتين الذي يشغل حاليا منصب رئيس الوزراء.

وأضاف أن «هذا أنهى شهر العسل بين مدفيديف والغرب. من الواضح أن بوتين وليس ميدفيديف هو المسؤول. كنا نأمل في بداية جديدة. الآن لدينا بداية جديدة لكن من نوع مختلف» وأكد المسؤول الرفيع قائلا «من الواضح أن العمل العسكري الروسي سيكون له عواقب على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا».

مشيرا إلى أن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي سيناقشون هذا بعمق اكبر في اجتماعهم غير الرسمي الذي يعقد في افينيون بفرنسا في الخامس والسادس من سبتمبر المقبل، ورجح أن تناقش مسألة ما اذا كان يجب مواصلة محادثات تحرير تأشيرات الدخول مع روسيا.

وفي وقت سابق أعلن وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند ان اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي سيقرر «ما اذا كان الاتحاد الأوروبي سيواصل المفاوضات بشأن اتفاق شراكة جديد مع موسكو يغطي مجالات مثل التجارة وحقوق الانسان وسياسة الطاقة.

وتشير بعض المصادر الغربية إلى أن الدول الأوروبية ستحاول الإضرار بموسكو عبر حرمانها من عضوية مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى. وترغب موسكو أيضا في الانضمام لعضوية منظمة التجارة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الا أنهم رجحوا أن لا ترضخ المؤسسات التجارية الغربية لأي ضغوط سياسية لتجنب العمل في روسيا.

وفي حلف الأطلسي عزز الصراع في جورجيا قناعات الجانبين التي ظهرت خلال قمة عقدت ببوخارست في ابريل الماضي حين رفض الحلف تبني اقتراحات أميركية بوضع خارطة طريق لمنح جورجيا وأوكرانيا عضوية كاملة وكل من هما من دول الاتحاد السوفيتي السابق وتسعيان الى إقامة علاقات وثيقة مع الغرب.

ورأى مدير السياسة الخارجية في مركز «الإصلاح الأوروبي» فالاسيك أن «الانقسامات داخل الحلف ازدادت عمقا. حقيقة من المرجح أن يشعر كل جانب بأن الموقف الذي اتخذه في بوخارست كان له ما يبرره». وأعلن حلف الأطلسي الثلاثاء الماضي أن العهد الذي قطعه على نفسه بضم جورجيا ذات يوم لعضوية الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة لا يزال قائما.

وهاجمت الولايات المتحدة ودول البلطيق وبدرجة أقل حدة بولندا وجمهورية التشيك «العدوان» الروسي وأبدوا قلقهم ازاء سابقة موسكو التي قالت ان من واجبها التدخل في أراض أجنبية للدفاع عن المواطنين الروس بعد تسليمهم جوازات سفر روسية.

وفي السابق واجهت بريطانيا الحليف الوثيق للولايات المتحدة مشاكل خاصة بها مع روسيا بشأن مقتل اندريه ليتفينينكو ضابط المخابرات السوفيتية السابق في لندن والمعاملة التي تلقاها شركة «بي.بي» النفطية البريطانية الكبرى في مشروع مشترك مع رجال أعمال روس كبار.

على الجانب الآخر فان فرنسا وألمانيا اللتين عارضتا تمهيد الطريق أمام منح اوكرانيا وجورجيا عضوية حلف الأطلسي في ابريل الماضي عارضتا أي إدانة علنية لروسيا.

كما أكد وزير خارجية ايطاليا فرانكو فراتيني انه ينبغي ألا تكون هناك «جبهة مضادة لروسيا». وأكد دبلوماسيون غربيون ان مثل هذه الآراء تشترك فيها اسبانيا وايرلندا واليونان وبلجيكا والنمسا وقبرص.

عواصم ـ محمد صادق والوكالات