تتحدث المؤلفة في هذه الحلقة عن الأزمة التي تعيشها المدن الهندية الكبيرة والمتمثلة في أحزمة الفقر التي تحيط بالمدن ويطلق عليها «أحياء الصفيح».
وتشير إلى الجهود التي بذلتها الحكومات الهندية المتعاقبة من أجل حل مشكلة هذه الأحياء، وتذكر تجربة إنديرا غاندي في هذا الصدد عندما وضعت خططاً خمسية لإزالة أحياء الصفيح وبناء مساكن جديدة من دون أن تحقق نتائج ملموسة على هذا الصعيد. بل إن جهود الحكومات الهندية أدت إلى تزايد أعداد الفقراء المشردين الذين لا يجدون مأوى لهم، الأمر الذي أثار انتقادات للهند من الأمم المتحدة في 2006.ومما يزيد من تفاقم هذه المشكلة أن هؤلاء الفقراء الذين يعيشون في أحياء الصفيح هم في الأصل مزارعون هجروا المناطق الريفية إلى المدن بحثاً عن حياة أفضل لينتهي بهم المطاف إلى العيش في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير إنسانية.
وتؤكد المؤلفة على أن الرهان الحقيقي للحكومة الهندية في تطوير المدن والأرياف الهندية إنما يقوم على التعليم حيث لا يزال هناك أكثر من 42 مليون طفل ممن تتراوح أعمارهم بين 6 و 14 عاماً لا يذهبون إلى المدرسة، ومعظم هؤلاء يسكنون في الأرياف.
المدن تجذب الشباب والمؤهلين والطموحين، والعالم كله بصدد أن يصبح كوكباً من البشر يقطنون المدن. لكن المدن تجذب أيضا ملايين الفقراء الذين يتركون أراضيهم وقراهم في إطار عملية هجرة بحثاً عن فرص عمل أفضل. ويُضاف هؤلاء الفقراء إلى أولئك الذين كانوا قد سبقوهم ويخوضون معارك يومية من أجل تأمين سبل بقائهم.
في عام 1950 كان هناك 731 مليوناً من البشر يعيشون في المدن، أي ما يعادل 29 بالمائة تقريبا من مجموع سكان الأرض البالغ عددهم آنذاك 5 .2 مليار نسمة.
ومن المتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم عام 2030 حوالي 2 .8 مليارات نسمة، ستكون نسبة 60 في المائة منهم تقريبا، أي ما يعادل 9 .4 مليارات نسمة، تعيش في المدن. هكذا في فترة 80 سنة سيتضاعف إذن أكثر من مرتين عدد سكان المدن وسينخفض بالنسبة نفسها عدد سكان الأرياف.
الثروة والبؤس «يتصادمان» في جميع مدن المعمورة. وهذا الكلام ينطبق في الهند أكثر من أي مكان آخر. فالهند فيها 7 مدن يزيد عدد سكانها عن ال4 ملايين نسمة و35 مدينة يتجاوز عدد قاطنيها المليون نسمة.
وتشكل المدن الهندية ثاني «تجمّع مديني» في العالم بعد الصين. لكنها تعاني من عقود طويلة من الإهمال ومن نقص البنى التحتية الأساسية الضرورية ومن التطوّر العشوائي. وكان الملايين من الأكثر فقرا في الهند قد قصدوا المدن أملاً في العثور على ما يؤمّن قوتهم اليومي.
وعدد كبير من هؤلاء يعيش في أحياء فقيرة ينقصها الحد الأدنى من االمرافق الصحية الأساسية يطلق عليها «أحياء الصفيح». وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن 40 في المائة من سكان المدن في الهند هم من الفقراء. انطلقت الهند في مشروع كبير وطموح من أجل «تغيير» صورة مدنها.
فقد أعلن مانموهان سينغ، رئيس وزراء الهند، في ديسمبر 2005 عن تدشين «لجنة جواهر لال نهرو -رئيس وزراء الهند الأسبق- الوطنية لتجديد المدن»، ووعد بتقديم مبلغ 28 مليار دولار من الصناديق الوطنية من أجل «إعادة الاعتبار» الكاملة ل63 مدينة في البلاد.
إن مستقبل الهند يتعلق بنجاح هذه الجهود التي لا سابق لها. ذلك أنه إذا لم تكن المدن الهندية في حالة تسمح لها بالعمل بشكل جيّد، فإن حلم الهند في أن تصبح بلدا متطورا على غرار الصين أو البلدان الأوروبية أو الولايات المتحدة محكوم عليه بالفشل. الحكومة الهندية مدركة لذلك تماما مع تأكيدها على ضرورة أن تأخذ عملية «إعادة الاعتبار» للمدن في اعتبارها الشرائح الأكثر فقرا من السكان.
إذا استطاعت الهند أن تنجح في هذا التحدي المتعلق ب«تغيير التنظيم العمراني للمدن» فإنها تكون قد حققت عملا لم تستطع أية ديمقراطية أخرى أن تحققه، أي خلق تجمعات مدينية لا يعود الفقراء «منبوذين» فيها باتجاه التخوم البعيدة وحيث يمكن لجميع السكان من كل المستويات الاقتصادية العيش بكرامة مع المشاركة الكاملة للجميع في حياة المدينة. كما يمكن للمدن الهندية أن تكون نموذجا يحتذى من قبل مدن البلدان النامية.
وتستطيع المدن الهندية أن تعطي أيضا الدروس للعالم الصناعي حيث تجري عملية تهميش «الأضعف اقتصاديا» وغالبا على أساس اعتبارات اثنية وعنصرية مع ما يترتب على هذا التهميش من أشكال عنف تتكرر من حين لآخر. المسألة المقلقة الأولى في المدن الهندية اليوم هي عدم مواكبة البنى التحتية الأساسية لعملية النمو الديموغرافي، بالإضافة إلى الإهمال الكبير على مدى عدة عقود من الزمن.
عدد السيارات يتعاظم أكثر فأكثر، والطرق الجديدة يتم بناؤها في كل مكان ولكن بإيقاع أقل سرعة. ووسائل النقل العام لم تعد تفي بحاجات أولئك الذين لا يستطيعون شراء وسيلة نقل خاصة بهم. النتيجة المباشرة هي زيادة الازدحام والتلوث أيضا.
وتنقل المؤلفة عن مصالح الطاقة في الولايات المتحدة قولها إن الدخان الصناعي ودخان السيارات يجعل من هواء المدن الهندية «من بين الأكثر سوءاً في العالم». ومدينة «مومباي» تحتل المرتبة الخامسة بين المدن الأكثر تلوثا في العالم و97 بالمائة من سكانها معرّضين لنوعية هواء أدنى من المعايير العامّة المحددة من قبل منظمة الصحّة العالمية. هناك أيضا مشكلة نقص المياه حيث في الأحياء السكنية الراقية، وهو ما يشكل تحدّياً آخر تواجهه المدن الهندية.
إن ظاهرة التزوّد بالمياه عن طريق الشاحنات-الصهاريج تتعاظم في هذه المدن. ونقص المياه في مدينة مثل مومباي يشكل ظاهرة يعاني منها الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء. وتشير المؤلفة هنا إلى أن أي زائر لمدينة مومباي لا بد وأن «يصعقه» منظر أحياء الصفيح التي تمتد من تخوم المدينة حتى المطار تقريبا.
وعلى الرغم من ازدهار بناء المساكن فإن نسبة 60 بالمائة من سكان المدينة البالغ عددهم 18 مليوناً يعيشون في أحياء الصفيح أو في الشوارع. تجدر الإشارة هنا إلى أن حي «دارفاري» الفقير، وهو الأكبر في مومباي، ليس مزوّدا إلا ب«دورة مياه» واحدة لكل 1500 شخص.
وقد دلّت آخر عملية إحصاء في الهند جرت عام 2001 على أن «40 مليون شخص من سكان المدن الهندية يقطنون في أكواخ و7 .49 بالمائة من الأسر لا تتوفر المياه في مساكنها، وأن نسبة 4 .57 بالمائة فقط من المساكن مزوّدة بتجهيزات صحيّة». تدل الاستقراءات المقدّمة أنه في عام 2020 سيبلغ عدد سكان مومباي 5 .28 مليون نسمة، مما يجعلها الأكثر سكاناً في العالم.
وهذه السنة 2020، هي التي حددتها مومباي من أجل إنجاز هدفها في الوصول إلى التجديد العمراني الكامل. ولقد عُرفت المدينة لفترة طويلة على أنها مدينة ال«المايا»، أي الوهم والأحلام المستحيلة التي لا تتحقق سوى في الأفلام. إنها «نيويورك» الهند. وكل عام يأتي إليها الآلاف من الهنود الذين لا يحملون معهم سوى آمالهم وأشكال يأسهم.
إن مسؤولي عالم الأعمال في مومباي يتوقعون تحوّلا في المدينة على طريقة «شنغهاي» الصينية، بحيث تصبح ليس مجرّد عاصمة مالية للهند وإنما عاصمة مالية عالمية تستطيع منافسة سنغافورة.
كانت تلك هي الأطروحة المركزية في تقرير جرى إعداده عام 2003 من قبل مجموعة لرجال الأعمال تحمل اسم «مومباي أولا»، وحمل التقرير عنوان «رؤية من أجل 2020»، وهو يصف كيف يمكن تحقيق التحوّل المطلوب عبر بناء طرق جديدة وخصخصة الخدمات العامّة وإزالة أحياء الصفيح. دعمت الحكومة الهندية في تصريح لرئيسها عام 2005 تلك الفكرة-الحلم ووعدت بتقديم مساعدات حكومية لتشجيع المشروع.
وفي مارس 2006 نشر «المنتدى الهندي-الأمريكي لرؤساء الشركات» تقريرا تحت عنوان «الشراكة الإستراتيجية الاقتصادية الهندية-الأميركية». ويرد في ذلك التقرير اقتراح بأن تصبح الولايات المتحدة شريك الهند لجعل مومباي مركزا ماليا إقليميا.
وجرى التأكيد على ضرورة أن تساهم المجموعات الصناعية والمالية الأميركية أو المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي في تسهيل الشراكة الخاصة-العامة وتسهيل الاستثمارات من أجل تحسين البنى التحتية في الهند في منظور الاستجابة لمتطلبات عالم رجال الأعمال.
إن جميع البنوك التجارية وبنوك الاستثمارات الأميركية الرئيسية لها اليوم مكاتب في مومباي وهناك محادثات بين الجميع بغية جعل مومباي «حلقة هامة» في الشبكة التجارية والمالية العالمية بحيث تمرّ من خلالها العمليات «بدون انقطاع» من نيويورك إلى طوكيو، مرورا بلندن وغيرها من عواصم العالم الكبرى.
بكل الحالات تبقى عملية «إعادة إعمار حي دارفاري» في مومباي، الذي يقطنه أكثر من مليون نسمة، المشروع «الأكثر طموحا» الذي تصبو إليه المدينة. وكان عام 2006 قد شهد إطلاق عروض بقيمة 5 .2 مليار دولار باتجاه الشركات الهندية والعالمية العاملة في قطاع البناء.
يبقى التحدي الكبير هو في أن تنجح الهند بتحويل هذا الحي الفقير «الشاسع» إلى «واحة مزدهرة» تمتلك المرافق والتجهيزات الأساسية الضرورية وتستجيب لمطلبي «السكن والعمل». ويتم التركيز في هذا السياق على القول إن الرهان الأكبر أمام الهند بشتى مدنها وأريافها إنما هو «الرهان على التعليم» من أجل تأمين الشباب المؤهلين لبناء «الهند الجديدة».
والمطلوب أيضا بشكل خاص تأمين تعليم ذو نوعية جيدة بالنسبة لأطفال الهند الأكثر فقرا. وتدل الإحصائيات على أنه يوجد في البلاد اليوم 200 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و14 سنة يرتادون المدارس الابتدائية، وهناك 5 مليون مدرّسة و5 ملايين مدرّس. وتعيش نسبة 70 بالمائة من الأطفال في مناطق ريفية.
لكن ضخامة «التحدي التعليمي» تظهر من خلال معرفة أن 42 مليون طفل هندي تتراوح أعمارهم من 6 إلى 14 سنة لا يرتادون المدارس بحسب إحصائيات 2005. ستستقبل العاصمة الهندية نيودلهي في عام 2010 ألعاب دول ال«الكومنويلث»، وهي تستعد لتقدم صورة «جميلة» عنها لزائريها القادمين من العالم أجمع.
وعلى غرار بكين التي تتأهب لاستقبال الألعاب الأولمبية الشهر المقبل، فإن سائقي سيارات الأجرة «التاكسي» سيطالبون باجتياز امتحان يثبت معرفتهم باللغة الانجليزية. وكانت دلهي قد أعربت عن رغبتها في استقبال الألعاب الأولمبية في عام 2016 وقبلها الألعاب الآسيوية عام 2014. إن دلهي هي المنطقة المدينية «الأكثر خضرة» في الهند، وهي تمتلك المجال الجغرافي الأوسع لاستقبال العمران.
ولا يوجد في المدينة أي حي صفيح «ظاهر» للعيان في المدينة وإنما في محيط دلهي البعيد. وكانت الحكومات الهندية المتعاقبة، منذ تلك التي ترأستها السيدة انديرا غاندي التي أعلنت حالة الطوارئ عام 1975 من أجل الشروع بإزالة أحياء الصفيح، قد وضعت خططا خمسية تضمّنت بناء مساكن اجتماعية، لكن دون تحقيق الكثير في هذا المضمار.
ولم تؤد العمليات المتعاقبة لإزالة تلك الإحياء إلى اختفائها فعلا وإنما بالأحرى إلى وجود أعداد جديدة ممن لا مأوى لهم. هكذا وجّهت الأمم المتحدة في عام 2006 انتقادات عنيفة ضد الهند بسبب الطريقة التي تتم فيها إزالة أحياء الصفيح. لكن دلهي لم تأبه لذلك.
حقائق
تدل التقديرات أن عدد سكان المدن في الهند سوف يزداد من الآن وحتى عام 2036 بحوالي 290 مليون شخص، أي ما يعادل عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية.
سيكون على المدن الهندية أن تستوعب 10 ملايين قاطن جديد كل عام، أي ما يساوي عدد سكان باريس أو لندن.
هذه الزيادات الكبيرة في عدد سكان قاطني المدن تستوجب بالضرورة إيجاد ما يكفي من وسائل نقل وغيرها من خدمات ومرافق عامة. كانت بريطانيا هي التي قررت التخلّي عن العاصمة القديمة كالكوتا واختارت دلهي بحيث اكتمل بناء «دلهي الجديدة» في عام 1928.
تمثل العاصمة الهندية اليوم ورشة التجديد العمراني الأكثر نجاحا في البلاد، لاسيما فيما يتعلق بمنظومة النقل العام بوجود «مترو» دلهي.
هناك أربع مدن هندية فيها منظومات نقل من هذا النوع هي مومباي وكالكوتا ومدراس ودلهي.
شبكة مترو مومباي وضواحيها تعد الأكبر، حيث يستخدمها 5 .5 ملايين مسافر كل يوم. أما شبكة «كالكوتا» فهي عبارة عن مجموعة من الحافلات الكهربائية ـ ترمواي ـ القديمة التي تسير فوق الأرض، وجرى تزويد المدينة منذ سنوات الثمانينات المنصرمة بشبكة «مترو» لكنها لا تزال محدودة النشاط. ويبلغ طول شبكة نقل مدينة مدراس 5 .15 كيلومترا فقط.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف