تتناول المؤلفة هنا تنامي الاستهلاك في المجتمع الهندي وتعاظم القدرة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة التي تزداد اتساعاً مع ارتفاع مستوى الدخل لدى الأسر الهندية وحقيقة وجود أكثر من 300 مليون نسمة من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وهي الفئة التي تميل للاستهلاك أكثر من غيرها.
وترى مؤلفة الكتاب أن الهند تعد بمستقبل زاهر بالنسبة للمنتجين في ضوء التحول الحاصل في البلاد وانتشار الثقافة الاستهلاكية في الأرياف، وحتى في الوقت الراهن فإن الهند تعتبر السوق الاستهلاكية الأكبر في العالم، حيث يتوقع أن يصل تعداد السكان الهنود الذين يملكون القدرة الشرائية إلى 561 مليون نسمة بحلول 2010، وهو ما يعادل تقريباً سكان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً. وتواجه عملية التحول الاقتصادي في الهند رهانين يتوقف عليهما نجاح هذه العملية وهما: إيجاد فرص عمل جديدة لشرائح الشباب وتوفير أسواق جديدة للمنتجات الزراعية الخاصة بسكان الأرياف الفقراء.
أما الشركات الدولية، فقد أدركت أهمية السوق الهندية فقامت بفتح مصانع ومقرات لأنشطتها العالمية في المدن الهندية للاستفادة من الفرص المتاحة. يلاحظ المسافر إلى الهند ورشات بناء في كل مكان، عمارات سكنية وأبنية مكاتب وطرق، والمجمعات التجارية الكبرى تتكاثر. لكن رغم هذا لا يزال القسم الأكبر من الهنود يقومون بمشترياتهم من الأسواق التقليدية والمخازن الصغيرة المتواجدة في الأحياء القديمة من المدن. لكن منافسة المجمّعات التجارية الكبرى بدأت بالتأثير على النمط التجاري التقليدي.
الأرقام تقول إن المراكز التجارية تمثل نسبة 80 بالمائة من تجارة التجزئة في الولايات المتحدة الأميركية و20 بالمائة في الصين و3 بالمائة فقط في الهند التي لا تزال حقيقة «أمة من صغار التجار». ويوجد في الهند حوالي 12 مليون مخزن عائلي صغير وعدة شركات كبرى للتوزيع حققت نجاحا كبيرا مع تعاظم القوة الشرائية لدى الطبقة الوسطى في البلاد.
لقد دلّ استطلاع عام حول الاستهلاك في عام 2006 على أن الهند هي البلد «الأكثر تفاؤلا» في العالم على الصعيد المالي، إذ هناك أكثر من 66 بالمائة من الهنود يعتقدون أنه قد حان الوقت من أجل شراء ما يريدون وما يعتقدون أنهم بحاجة له. هذا الاتجاه يفسّر بدوره تنامي حركة بناء المجمّعات التجارية الكبرى التي تتيح لأغنياء الهنود وللطبقة الوسطى «الطموحة» التنعّم ببعض الرفاهية. ففي هذه المراكز «لا يتم شراء المنتوجات فقط، وإنما يتم أيضا شراء نمط حياة».
والفكرة القائلة إن القدرة الشرائية هي الوسيلة التي تسمح ب«الارتباط» مع العالم فيما هو أبعد من الهند تمثل أحد المشارب التي يستخدمها أرباب الدعاية للتدليل على أن الهنود قد اندمجوا في العولمة. بنفس الوقت تبدو «شهية» الهنود «مفتوحة» تماما على الاستهلاك، وذلك بحكم وجود 300 مليون شخص تبلغ أعمارهم بين 18 و35 سنة، أي فئة السن الأكثر ميلا نحو الإنفاق. وهكذا يجعل الميل نحو الإنفاق والعامل الديموغرافي من الهند «سوق الاستهلاك الأكبر الذي عرفه العالم».
وتنقل المؤلفة عن «المجلس الوطني الهندي للبحث الاقتصادي التطبيقي، الذي يتخذ من نيودلهي مقراً له، أن الطبقة الوسطى الهندية تتوزع حسب الشرائح التالية من حيث الدخل: هناك 90 مليون شخص يتراوح دخلهم السنوي بين 4400 و800 21 دولارا إلى جانب 287 مليون شخص يتراوح دخل أسرهم بين 2000 و4000 دولار سنويا وهؤلاء يتطلعون إلى «الالتحاق» بالطبقة الوسطى.
وتدل التوقعات أن هذه المجموعة من المستهلكين سوف يصل عددها في أفق عام 2010 إلى 561 مليون شخص. وإذا أضيف إلى هؤلاء ال2,37 مليون من الأسر المدنية التي تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، فإن هذا يعني قيام سوق من المستهلكين يعادل تقريبا سكان الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي معا.
إن عدد المستهلكين الهنود كبير جدا، لكنه لا يمثل في الوقت نفسه سوى أقلية من مجموع السكان، إذ هناك 800 مليون هندي لا يمتلكون القدرة الشرائية التي تسمح لهم بالمساهمة الفعّالة في ازدهار تجارة «التجزئة» في البلاد. وتتم الإشارة هنا إلى أن الهوّة بين أولئك الذين يستطيعون الشراء وأولئك الذين لا يستطيعون تزداد اتساعا وعمقا. هذا يعني عدم استبعاد حدوث مجابهات اجتماعية جدية في وقت قد لا يكون بعيدا.
الشباب إذن هم المحرك الرئيسي في نمو الاستهلاك بالهند. وأولئك الذين يعيشون منهم في المدن وينتمون إلى أسر ميسورة الحال يجدون أمامهم «عالما جديدا» تمثل فيه المجمّعات التجارية مكانا للقاء الشبيبة. إن هذا النمط من الاستهلاك الذي كان أهلهم يعتبرونه «ثوريا» أصبح يمثل ببساطة واقعا يوميا لهم.
الشباب هم مستهلكون، شريطة أن يجدوا فرص عمل مناسبة فالملايين من الشباب الهنود ينتمون إلى أسر فقيرة ولا يستطيعون الحصول على السلع التي يقدّم لها التلفزيون الدعايات كل يوم. من هنا يتمثل أحد التحديات الكبرى أمام الهند في خلق فرص عمل مما يسمح لعدد متزايد من البشر المساهمة في «الثورة التجارية» للبلاد.
ولكن ماذا يشتري الهنود؟
في الوقت الذي يشتري فيه الشباب من أبناء الأسر الميسورة الثياب ومنتوجات الترفيه، فإن قسما كبيرا من النفقات الجديدة في الهند يذهب نحو اللوازم المنزلية من غسالات وأفران وأجهزة تلفزيونية ملوّنة وبرّادات. هذه السلع كلها تجد إقبالاً متزايداً من المستهلكين. هكذا تأمل شركة «ال.جي. الكترونيك» الكورية التي تقوم بتصنيع عدد من هذه الآلات، أن تضاعف مبيعاتها أربع مرّات من الآن حتى عام 2010 ولتصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار في الهند.
وعلى غرار جميع الثورات الاقتصادية في التاريخ الإنساني، كان لثورة «البيع» في الهند آثارها على سوق العمل. إذ لا بد من اتخاذ إجراءات ترمي إلى التقليل من اليد العاملة مما سيؤدي إلى فقدان أعداد من البشر لفرص عملهم. وسوف تختفي بعض الأنشطة التجارية المحليّة. من هنا يغدو رهان زيادة القدرة الشرائية لدى شرائح كبيرة من الشباب الذين يصلون إلى سوق العمل، ورهان أن يجد الملايين من أبناء الأرياف الفقراء أسواقا جديدة لمنتوجاتهم الزراعية، بمثابة رهانين «حاسمين» لعملية التحول في الاستهلاك بالهند.
وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين للحديث عن ازدهار «الهاتف النقّال» في الهند التي كان استخدام الهاتف العادي -الثابت- فيها «مشروعا استيطانيا» لفترة طويلة من الزمن. وكانت أجهزة الهاتف حتى نهاية سنوات الستينات ضخمة ولا تعمل جيدا بحيث أن الاتصال الهاتفي بين مدينتين هنديتين يتطلب عدة ساعات أحيانا للحصول عليه من المركز، وبالطبع كان الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة للخارج.
أما اليوم فهناك عدة شركات للاتصالات بواسطة الهواتف النقّالة، تتنافس على الزبائن. وقد أدّى هذا النجاح ل«الهاتف النقال» إلى بروز منافسة جدية مع الشركة الوطنية الهندية للهاتف الثابت مما اضطرّها إلى تحسين جميع شبكات الهاتف الأرضية.
وفي عام 2006 قامت شركة «نوكيا» للهواتف النقالة ببناء مصنع لها في الهند، وتلقت قبل نهاية العمل ببنائه، طلبا بمليون جهاز هاتف. وتنقل المؤلفة عن مدير شركة «موتورولا» قوله عن أهمية السوق الهندي: «موتورولا هي الشركة متعددة الجنسيات الأولى التي أقامت مقرّها العالمي في الهند بالنسبة للأسواق ذات التوسع الكبير. لقد اخترنا الهند كمقر للإدارة العامة بسبب الأهمية الإستراتيجية لهذه البلاد في العمليات العالمية لموتورولا ولأنها صاحبة المعدّل الأعلى للنمو مع إمكانيات اتساع الأسواق وأخيرا لما توفّره من ميزة جغرافية أكيدة». وكانت شركة «موتورولا» قد استثمرت مبلغ 150 مليون دولار في بناء مصنع جديد بالهند.
بالتوازي مع الهاتف النقال عرفت مبيعات «الحواسيب» قفزة كبيرة في الهند، فالشركات الكبرى مثل «إيسر» و«اتش.بي» و«أي.بي.ام» تحاول الحصول على حصص من السوق عبر تخفيض الأسعار. وأعلن «مايكل ديل» أن شركته سوف تضاعف من عدد العاملين في الهند كي يصل إلى 000 20 عامل. وتدل التوقعات المقدّمة أن عدد الحواسيب المباعة سوف يزداد من 5 مليون حاسوب عام 2006 إلى 20 مليون عام 2010.
ومن المظاهر التي يتم التأكيد عليها في الهند «التخلّف الجدي» للقطاعات الريفية بالقياس إلى المدن الكبرى في ميدان حيازة الحواسيب الشخصية واستخدام شبكات الانترنت. وتحاول البلاد بذل جهود حقيقية كبيرة من أجل نشر تكنولوجيا المعلومات في الأرياف حيث لا تزال تعيش غالبية السكان. لكن المهمة ليست سهلة بسبب درجات الحرارة المرتفعة جدا والغبار والرطوبة المفرطة.
مع ذلك هناك «خيارات» لم يكن قد جرى تجريبها في أي بلد أثبتت أنها قابلة للتطبيق في الهند. هكذا تمّت صناعة «حواسيب» قادرة على مقاومة الحرارة المرتفعة والغبار والرطوبة وانقطاع التيار الكهربائي، وهذا ما يمثّل تجديدا تكنولوجيا قد يكون عظيم الفائدة بالنسبة للمليارات من الأشخاص الذين يعيشون في العالم الثالث وفي شروط مشابهة للشروط القائمة في الهند.
مع ذلك التزمت الهند في الوصول إلى اكتفائها الذاتي في ميدان الطاقة في أفق عام 2020. وفي أفق عام 2030 من المفترض أن تنتج 000 400 ميجاواط من الكهرباء لتلبية احتياجاتها في ذلك التاريخ. وكان رئيس الهند السابق «عبد الكلام» قد تعهّد بتحقيق ذلك عبر«ثلاثة مصادر مختلفة، أي الاستطاعة المائية-الكهربائية والاستطاعة النووية ومصادر الطاقة غير التقليدية».
ورأى أنه ينبغي على الهند أن تؤمّن 25 بالمائة من مصادر الطاقات المتجددة في مجمل استهلاك البلاد من الطاقة بدلا من 5 بالمائة حاليا. وعلى صعيد الطاقة الضرورية في مجل النقل، فإن الهند تقوم بتطوير المحروقات ذات المصدر البيولوجي وتشجّع المحروقات ذات المصدر الهيدروجيني، كما تشجّع تصنيع السيارات الكهربائية.
في المحصلة أدّت سياسة الطاقة التي تنتهجها الهند إلى جعل الشركات الهندية العاملة في قطاع الطاقة في الطليعة عالميا بما يخص التكنولوجيا المتقدمة وفي المنتوجات التي قد تقلّص من التلوّث بغاز ثاني أكسيد الكربون في الهند كما تساهم في تقليص الانبعاثات المؤذية للغلاف الجوي على الصعيد العالمي.
وبالنسبة للسيارات، فإن الهند تحتل اليوم المرتبة الرابعة لأسواق السيارات في آسيا، وسوقها يزداد ويتسع بسرعة فائقة. ثم إن أغلبية الشركات المصنّعة للعربات أنشأت فروعا لها في الهند. وفي 2005 تجاوز عدد السيارات السياحية التي بيعت في الهند المليون سيارة.
الكاتب في سطور
* ولدت ميرا كامدار في سياتل بواشنطن وحصلت على شهادة البكالوريوس من كلية ريد وعلى الماجستير والدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
* تشغل كرسي الزمالة الخاص ببرنارد شوارتز في الجمعية الآسيوية في نيويورك وكرسي الزمالة في معهد السياسة الدولية.
* تظهر كتاباتها في كبرى الصحف والمجلات الأميركية والعالمية مثل واشنطن بوست وانترناشيونال هيرالد تربيون ولوس أنجليس تايمز وغيرها.
* حصلت على جائزة واشنطن للكتاب لعام 2002 عن كتاب مذكراتها: أوشام موتيبا: رحلة حفيدة من أميركا إلى ماضي عائلتها الهندية.
؟ عاشت في فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتتقن الانجليزية والفرنسية والهندية.
الصفحات: 329
الكتاب: الكوكب الهندي
الناشر: اكت سود ـ باريس ـ 2008
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف