خرجت منور زوجة ناظم حكمت، من السجن، وظل هو يرسف في سجنه. وفور تحررها من الاعتقال غادرت إلى بولندا، مع ابنها محمد. وبدأت تمارس مهنة تدريس اللغة التركية. وظلت منور، رغم طلاقها من ناظم، على علاقة حب مشتركة بينهما. وكان ناظم يعتبر ابنها محمد في مقام ابنه، وظل يكتب إليه، وينظم القصائد المهداة إليه، العامرة بالحب، له ولأمه.
لقد أدركت منور أن زوجها السابق وحبيبها الدائم يعيش لقضيتين متصلتين فيما بينهما اتصالاً أبدياً، قضية الحرية لشعبه وللإنسانية، وقضية الشعر والأدب كشكل للتعبير عن ذاته في ارتباطها بالقضية الأولى. وكان ذلك بالنسبة إليها العزاء الأكبر. قالت له عندما التقيا في العام 1961 في موسكو: «ما جئت يا طيري العزيز، حاملة القفص، غناؤك أثمن من سعادتي، إنسانة أنا وقارئة، قبل أن أكون زوجة وأم. وأنت إنسان وشاعر قبل أن تكون زوجاً وأباً.. أحبك كزوج وأحبك بقدر أعظم كشاعر... لنكن صديقين... ولتكن أنت مع صديقتك كما معي، بل معها لا معي، فهي حلمك الذي ما زال حلماً.. وإلهامك الذي يعطي قصيداً، ولتعش يا ناظم يا ذا العينين الزرقاوين. سعادتك في حريتك خارج قفص الزوجية، وخارج بحيرة البيوتية الراكدة، المحدودة الآفاق».
وفي إحدى رسائل ناظم حكمت إلى محمد الذي كان يتحدث إليه بصفته ابنه وابن زوجته يقول: «الجزارون، من ناحية، ضربوا ضربتهم بيني وبينك... وطننا تركيا، جميل بين الأوطان... سأموت بعيداً عن لغتي، وأغنياتي عن ملحي وخبزي، في لهفتي إليك في لهفتي إلى أمك، إلى رفاقي، إلى شعبي ولكن لن أموت في المنفى، لن أموت في الغربة سأموت في بلد أحلامي محمد! يا صغيري أنت وديعتي عند حزبي لذلك سأرحل باطمئنان والحياة التي تنطفئ بي ستبقى جذوتها فيك أنت سنين معدودة من عمرك ولكنها ستبقى إلى الأبد... في شعبي».
كانت منور مثقفة بارزة. وكانت تشارك في المؤتمرات وفي الندوات الثقافية، وكذلك في المؤتمرات التي كانت تعقدها حركة «السلم العالمية»، واتحاد النساء الديمقراطي العالمي. وقد تعرفت إليها في موسكو والتقيت معها في أكثر من مناسبة من تلك المناسبات.
وقد أدهشني نوع العلاقة التي ظلت تربطها بناظم. وحين كنت أستمع إليها تتحدث عنه كنت أرى تلك العلاقة في صيغتين، واحدة منهما تبرز الطابع الإنساني، الذي يشير إلى الحب العميق الراسخ الذي تكنه لحبيبها الدائم ولزوجها السابق، وواحدة أخرى يبدو فيها الطابع المحايد، لا سيما حين يجري الحديث عن الشعر وعن النضال الثوري.
وفي الحقيقة فقد كانت منور شخصية استثنائية، كما بدت لي في علاقتها بناظم حكمت، وفي استمرارها في الموقف المشترك بينهما الذي ظل يربطهما بالوطن الأم تركيا، وبالنضال من أجل حرية شعبهما، والذي يربطهما بقضية الاشتراكية.
لم يتوقف ناظم حكمت عن كتابة الشعر على امتداد الفترة الزمنية التي قضاها في السجن. بل ان الشعر كان حياته الحقيقية في السجن، داخل زنزانته، حياته التي أنسته، أو كادت، كل المعاناة التي واجهها في سجنه. لذلك لم يستشعر الوحدة. ويقول «قوتي في هذه الدنيا الواسعة ناجمة عن كوني لست وحيداً فيها... قلبي يخفق مع أبعد نجم في السماء... إنني معكم يا رفاقي.. فنحن كما نعرف أن نضحك بفم واحد نعرف أن نحيا ونموت كواحد.. كلنا من أجل واحدنا.. وواحدنا من أجل كلنا». وهو كان يرى أن الآتي هو الأفضل والأعظم. لذلك كان شديد التفاؤل بالمستقبل.
وهذا التفاؤل بالذات هو الذي أعطاه تلك القدرة على الصبر وتحمل المعاناة: «أجمل البحار ذاك الذي لم نذهب إليه بعد - وأجمل الأطفال من لم يكبر بعد - وأجمل أيامنا تلك التي لم نعشها بعد - وأجمل ما أريد قوله ما لم أفعله».
ورغم أنه كان مريضاً في إحدى مراحل سجنه فإنه لم يجعل المرض يصرعه. بل هو تجاوز ذلك المرض رافضاً إياه، متجاوزاً محنته فيه.
لكنه مع ذلك يصف السجن في رسالة أخرى إلى صديقه الروائي كمال طاهر «عزيزي، ها أنا في سجن بورصة. النوافذ والجدران والممرات المحصنة هي نفسها دائماً. لم تشخ ولم تتبدل. حتى انني التقيت بعض الموقوفين الذين ما يزالون هنا. لقد وجدوا انني شخت، ووجدت أنهم شاخوا كذلك... لكم وصفت لك هذا السجن... إنها غرفة صغيرة، بل أصغر جداً من غرفتي في سجن تشانكيري، نقيم فيها نحن الاثنان، أنا وزميل يدعى كمال...».
ويقول في رسالة أخرى لكمال «للمرة الأولى أخجل تقريباً من وجودي في السجن». ثم انه في رسالة أخرى إلى كمال يعلن تشبثه بالحياة «ان نتمكن من الشيخوخة بعذوبة: هذه سعادة كبيرة من غير شك، أما فيما يتصل بي فأنا لا أبلغ ذلك قط. أنا تقريباً أخجل من أن أشيخ، فضلاً عن أن أشيخ بشكل جميل وجيد...
ويتراءى لي أنه لكي نشيخ بشكل جيد فثمة شرطان لا يستغنى عنهما، أحدهما أن تكون لك صحة جيدة، وثانيهما أن تتابع عملية الخلق بشكل أو بآخر». لكنه حين يقرر الإضراب عن الطعام يرسل إلى صديقه فالا رسالة فيها قراره القاطع بالنضال من أجل حريته: «في الثامن من هذا الشهر سأعلن الإضراب عن الطعام، وسأفعل ذلك بأمل وليس بيأس، وحتى لو غادرت جلدي، فذلك على أمل أن أعيش حتى آخر أنفاسي».
في رسائل السجن التي قدمت نماذج منها تظهر الملامح الأساسية لشخصية ناظم حكمت الإنسان والشاعر والمناضل والقومي التركي والأممي، وصاحب فكر علمي ورؤية مستقبلية لوطنه وللعالم. كما تبرز عناصر القلق التي تواجه الإنسان، في حالات الشدة والمعاناة، وحالة التشاؤم التي ترافق ذلك القلق. كما تبرز، في الوقت عينه، حالة التمرد والثورة، وحالة التفاؤل العظيم بالمستقبل، وحالة الإصرار على الذهاب في اتجاه هذا المستقبل من دون كلل أو ملل أو ضعف. وهذه العناصر ذاتها.
بما فيها من تناقض المشاعر الإنسانية، هي التي جعلت شعر ناظم حكمت شعراً إنسانياً بامتياز. وأعطت لشعره نكهته الخاصة، نكهة ناظم حكمت التي لا تتكرر إلا فيه هو، وفي شعره. وواضح من كتاباته التي تعددت أنواعاً، إلى جانب الشعر، في الرواية وفي المسرح وفي الثقافة عموماً، الحرص عنده في جعل مدرسته الثقافية والفكرية واحدة موحدة من دون افتعال، ومن دون تناقض.
وفي روايته «الرومانطيقيون» التي ترجمت إلى العربية وأعطيت عنواناً آخر، «الحياة جميلة يا صاحبي»، تبرز بوضوح هذه السمات التي يعبّر عنها شعره. وكذلك شعرت وأنا أشاهد، على مسرح البولشوي، باليه «أسطورة حب»، من دون أن أقرأ النص، فرح الحياة في تناقضاتها، وفي تشعبات القضايا التي هي محور حياة البشر، في مشاعرهم، وفي الأنماط التي يختارونها لحياتهم، وفي طرائق مواجهتهم لمصاعبها ولعقدها الكثيرة.
يقول ناظم حكمت في تقديم نفسه إلى مثقفي لبنان عندما زاره في العام 1960، قبل أن يبدأ في قراءة مختارات من شعره باللغة التركية: «ثمة مهنة من أشق المهن هي مهنة الشاعر.
أقول مهنة، لأن الشاعر هو صاحب مهنة تماماً مثل البناء أو النجار، أو المهندس، أو الطبيب، أو قبطان المركب... ولا يكفي الشاعر أن يكون صاحب موهبة ومهبط وحي. بل تقتضي هذه المهنة أيضاً العرق، والعمل الشاق، والتعليم الطويل. فهنا أيضاً لا يصبح المرء معلماً إلا بعد أن يعمل متمرناً ومتدرجاً... ومهنة الشاعر- فضلاً عن ذلك- تثقل الكاهل بمسؤوليات جسام. ومسؤولية الشاعر أكبر من مسؤولية الطبيب، أو المهندس، أو قبطان الباخرة...
ليس ثمة من يحترف مهنة لذاتها. ولست أعني بالطبع، الهواة، لكن حتى هؤلاء يجدون متعة في أن يتفهمهم الآخرون ويتذوقون نتاجهم... إن كل قصيدة، مطبوعة كانت أم دارجة من فم إلى فم، هي جسر يبنيه الشاعر ليعبر الناس عليه الساقية، هي وصفة تتيح للناس العناية بمرضاهم، هي حذاء يمكن الناس من السير في الوحول دون أن تطال الأوساخ أقدامهم، هي مركب ينقل القبطان على ظهره الناس من ضفة إلى أخرى نحو المرافئ المشمسة، الغنية بالثمار، الطافحة بالرجاء... الإنسان الذي يؤمن بمهنته ويحبها لا يتخلى عنها أبداً...
أنا أحب مهنتي، أحترمها وسأبقى حتى آخر أيامي أميناً لها». والحديث عن ناظم حكمت يدخل الكاتب، أيا كانت معرفته بالشاعر وبشعره، فيما يشبه المغامرة، مغامرة الخوض في ملحمة من نوع غير مألوف. فللملاحم الشهيرة في تاريخ الفكر الإنساني خصوصياتها. لكن الملاحم المعاصرة تختلف عن سابقاتها في التاريخ القديم. وأزعم أن لشعر ناظم حكمت طابع الملحمة، ليس فقط كجنس أدبي جميل، بل لكونه يحمل العناصر المكونة لشخصية هذا الإنسان العالمي.
ناظم حكمت.. بين الشاعر والمناضل
الدخول في عالم ناظم حكمت مهمة صعبة تشبه المغامرة، هذا هو الشعور الذي يستولي عليّ وأنا أمسك القلم في محاولة الدخول إلى عالم هذا الشاعر التركي العالمي الكبير.
ذلك أن عالم ناظم حكمت لا ينحصر في كونه شاعراً كبيراً فقط. فهذا أمر يشترك فيه مع آخرين من كبار شعراء عصره، فعالمه هو عالم واسع وشاسع ومتنوع ومتعدد. إذ أن ناظم حكمت دمج في عمره القصير، وفي سيرة حياته، بين كونه شاعراً فذاً منذ مطلع شبابه، وروائياً، وكاتباً مسرحياً، ومثقفاً واسع الثقافة، وبين كونه مناضلاً سياسياً، صاحب فكر ورؤية مستقبلية للعالم. بل هو كان عالمياً بمعنيين للعالمية.
المعنى الأول، يعبر عنه انتماء الشاعر للحركة الأممية المتمثلة بالاشتراكية، اشتراكية ماركس التي بشرت بتغيير العالم، والإتجاه نحو بناء مستقبل جديد للبشرية، مغاير لكل تاريخها القديم. أما المعنى الثاني فيعبر عنه الطابع الإنساني لشعره ولمجمل أدبه، ولمواقفه السياسية والفكرية، الطابع الذي جعل منه شخصية عالمية مرموقة، ورمزاً من كبار رموز الأدب والشعر في القرن العشرين.
عالم ناظم حكمت هذا، الواسع والشاسع والمتعدد والمتنوع هو الذي يخلق الصعوبة لمن يحاول الدخول إليه، الصعوبة التي تشبه المغامرة، بالنسبة لي على أقل تقدير. أقول ذلك من دون افتعال، وبصدق، ومن موقع المعرفة الشخصية القديمة بالشاعر والروائي والمفكر السياسي، والمعرفة الطويلة والغنية بشعره، وبرواياته، وبأعماله المسرحية، بما فيها تلك المسرحية التي تحولت إلى باليه على يد سادة هذا الفن العظيم في «بولشوي» موسكو، المسرحية والباليه المعروفة باسم «أسطورة حب».
كريم مروة