تسببت الأزمة الراهنة المتعلقة بالارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية بحدوث موجات من الاضطرابات خلال الأشهر القليلة الماضية شملت بلداناً مثل: بوركينا فاسو، والكاميرون، ومصر، وهاييتي، واندونيسيا، وساحل العاج، وموريتانيا، وموزامبيق والسنغال وغيرها من الدول.

وبحسب تقرير حديث أعده المقرر الخاص للأمم المتحدة جان زيغلر فإنه رغم النمو الاقتصادي الحقيقي الذي حققته بعض دول الجنوب بشكل عام إلا أنه تم إحراز القليل من التقدم على صعيد تخفيض أعداد ضحايا المجاعة وسوء التغذية. فالمجاعة تزداد انتشاراً كل عام منذ 1996 حيث وصلت أرقامها إلى 854 مليون شخص يعيشون تحت وطأة الجوع رغم الالتزامات التي أعلنت في القمة الألفية وقمة الغذاء العالمية في 2002 ونصت على خفض معدلات الفقر والجوع إلى النصف. وكل خمس ثوان يموت طفل دون سن العاشرة من أمراض ترتبط بالجوع وسوء التغذية.

والوضع كما يصفه الخبراء والمراقبون ينذر بالكوارث في ظل تضافر عوامل عديدة تسهم في تعميق الأزمة وتفاقمها. ومن أبرز الأسباب المقترحة لأزمة الغذاء ما يلي: ـ الاحتباس الحراري الذي أخل بتوازن الأنظمة الطبيعية الخاصة بالهواء والماء وأنماط الطقس التي تعتبر ضرورية لإنتاج الغذاء. ـ ارتفاع أسعار الوقود الذي يزيد من تكلفة الأسمدة والنقل.. إلخ. ـ التحول من زراعة المحاصيل الغذائية إلى محاصيل الوقود الحيوي. ـ زيادة الاستهلاك من قبل الطبقات الوسطى الصاعدة في الهند والصين. ـ تفكيك البنية التحتية الزراعية في دول بالجنوب كانت قد اتبعت في سنوات الثمانينات والتسعينات سياسات التعديل الهيكلي الخاصة بمؤسسات بريتون وودز.

ـ السياسات الأميركية الخاصة بالزراعة.

ـ الإعانات الزراعية الأميركية والأوروبية.

ـ المضاربات المالية في قطاع المواد الغذائية.

قبل التعمق في تحليل هذه الأسباب، يتعين على المرء أن يتعامل بحذر مع هذا الموضوع نظراً لحساسيته. وموضوع الأسباب هذا لم يعد حديث الشارع فقط بل أصبح كذلك موضوعاً ساخناً في أروقة المنظمات الدولية المعنية بهذا الأمر ومجالس النقاش. ففي حديث للمدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) جاك ديوف حول أزمة أسعار الغذاء المرتفعة التي وصفها بالأزمة «الطارئة» ألقى باللائمة على كل من الدول النامية والدول المتقدمة في التسبب بوقوع الأزمة.

فأسباب الأزمة في الدول النامية، كما قال، تعود من بين عوامل أخرى إلى الهجرة المطردة لسكان الريف إلى المدن وظروف الطقس القاسية كموجات البرد الشديد في الصين والجفاف في استراليا وكازاخستان والفيضانات في الهند وبنغلادش. والدول المتقدمة مسؤولة كذلك من حيث تحويل الأراضي الزراعية إلى إنتاج محاصيل الوقود الحيوي والمضاربات في الأسواق المستقبلية.

من المهم بالنسبة للمرء الذي يعتزم خوض غمار البحث في الأسباب المحتملة للأزمة الراهنة أن يضع نصب عينيه مجموعة من المبادئ التي تشكل الأساس لأي سياسة تتعلق بالغذاء، وهذه المبادئ هي:

ـ مبدأ السيادة الغذائية، وهي مصطلح يختلف، كما أسلفنا، عن الأمن الغذائي. فبمقدور دولة ما أن تحقق الأمن الغذائي من خلال استيراد المواد الغذائية.

غير أن الاعتماد على الواردات الغذائية يعتبر أمراً محفوفاً بالمخاطرـ من مخاطر الأسعار ومخاطر الإمدادات إلى المخاطر المتعلقة بالشروط، ونقصد بها الشروط السياسية التي تأتي مع الواردات الغذائية. أما السيادة الغذائية، فتعني ضمان الإنتاج المحلي وإمدادات الغذاء. وهي تعني أيضاً أن مواطني الدولة أو المنطقة عليهم أن يتحملوا مسؤولية ضمان اعتماد الدولة والمنطقة أولاً وقبل كل شيء على جهودها ومواردها الخاصة في زراعة محاصيلها الغذائية الأساسية.

ويُطرَح موضوع «السيادة الغذائية» كنموذج بديل يقوم على ثلاث دعائم:

1ـ اعتبار الحصول على الغذاء أحد الحقوق الإنسانية الأساسية.

2ـ المطالبة لكل الشعوب والدول بحق تحديد سياستها الزراعية الذاتية.

3ـ وضع الذين ينتجون الأغذية (الفلاحين والمزارعين وصيادي السمك) في مركز هذه السياسات.

ـ مبدأ أولوية الغذاء على محاصيل التصدير المنتجة من قبل المزارع الصغيرة التي يحافظ على بقائها توفير الدولة للبنية التحتية الضرورية من تقديم القروض المالية وتوفير المياه والطاقة والنقل والتخزين والتسويق والتأمين ضد خسائر المحصول الناجمة عن التغيرات المناخية أو الظروف الأخرى غير المتوقعة.

ـ مبدأ الاعتماد على الذات والملكية والسيطرة الوطنية على الموارد الرئيسية للإنتاج الغذائي، وتشمل الأرض، البذور، المياه، الطاقة، الأسمدة الأساسية والتكنولوجيا والمعدات اللازمة للإنتاج وجني المحصول والتخزين والنقل.

ـ مبدأ احتياطيات الأمان الغذائي، حيث يتعين على كل دولة أن تحتفظ، من خلال أنظمة إنتاج وتخزين محلية، بمخزون كاف من الأغذية الاحتياطية من أجل حالات الطوارئ.

ـ مبدأ التوزيع العادل (للأغذية الاحتياطية) بين الناس في حالات الطوارئ.

الأمر المؤسف هو أن دول العالم الثالث لم تتبع هذه المبادئ من أجل تأمين الغذاء لشعوبها لأسباب عديدة أبرزها إزالة الرسوم الجمركية عن السلع الزراعية المستوردة من الدول الغنية التي تقدم الإعانات المالية للإنتاج الغذائي لأغراض التصدير، والسيطرة على الأرض الزراعية من قبل مزارعين أثرياء يجعلون صغار المزارعين عرضة لتقلبات السوق.

ومن الأسباب أيضاً فقدان السيطرة على موارد الإنتاج الغذائي نظراً لاستيراد البذور والأسمدة والآليات وحتى المساعدة التقنية وفقدان السيطرة على المياه والطاقة عبر التخلي عنها لشركات أجنبية جذبها ما يسمى بالاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وهناك سبب آخر يتعلق بالاعتماد على معونات المانحين وعلى النصائح السيئة التي تأتي من الجهات المانحة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها.

ونتيجة لذلك، فقدت العديد من الدول سيادتها الغذائية وأصبحت دولاً مستوردة للغذاء وفقدت السيطرة على مواردها اللازمة للإنتاج وأضحت رهينة للإمدادات الخارجية من الغذاء ليس فقط خلال حالات الطوارئ وإنما أيضاً خلال الأوقات العادية.

وكانت جيرت إنجيلين من البرنامج الأوروبي من أجل السيادة الغذائية دعت مؤخراً إلى «تغليب حق الحصول على الغذاء على شروط وأحكام التجارة»، واقترحت إعادة هيكلة الوكالات والهيئات الدولية المسؤولة عن السياسة الغذائية.

ومن المسائل المثيرة للقلق والتي ساهمت في تفاقم أزمة الغذاء العالمية تأثير العولمة وتحرير التجارة والسياسات التي تشجّع السيطرة الجامعة والتي أدّت إلى تهجير الفلاحين وصيادي السمك والشعوب الأصليين في كل أنحاء العالم. وساد شعور بأنّ العولمة أدت إلى ازدياد الجوع وسوء التغذية وتدهور البيئة والموارد الطبيعية والثقافية.

الأمثلة على ذلك كثيرة، حيث تفيد التقديرات بأن حوالي 15 مليون مزارع مكسيكي وعائلاتهم وبخاصة من سكان البلاد الأصليين شردوا من بيوتهم في القرى والأرياف نتيجة لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (النافتا) وللمنافسة مع محصول الذرة الأميركي الذي يتلقى دعماً من الحكومة الأميركية. وهناك شركات عملاقة لا يزيد عددها عن 10 تسيطر على ثلث سوق البذور التجاري العالمي الذي تبلغ قيمته 23 مليار دولار.

وهذه الشركات تعمد إلى إنتاج بذور محسنة عقيمة تعطي نتائج جيدة للغاية في السنة الأولى، ولكن بذور المحصول الذي تنتجه غير صالحة للزراعة مرة أخرى. هذا الأمر في غاية الخطورة بالنسبة لمزارعي بلدان العالم الثالث الذين سيضطرون كل عام لشراء البذور بالسعر الذي تفرضه هذه الشركات المحتكرة للسوق، حيث ستزيد من تبعيتهم لتلك الشركات واعتمادهم عليها. والأمر نفسه ينطبق على المبيدات الحشرية وغيرها من الموارد التي أصبحت في ظل العولمة تخضع لشركات متعددة الجنسيات لا هم لها إلا تحقيق الأرباح. وهذه الشركات نفسها هي التي اتجهت إلى زراعة محاصيل غذائية تستغل في إنتاج الوقود الحيوي كالذرة وفول الصويا.

وتشير التقديرات إلى أن إنتاج ما يكفي من الوقود الحيوي لتشغيل سيارة ليوم واحد يحتاج إلى 200 كيلوغرام من الذرة، وهي كمية تكفي لإطعام شخص سنة كاملة. ناهيك عن التكاليف الأخرى كالطاقة والمياه والموارد الأخرى التي تدخل في إنتاج الوقود الحيوي.

حقائق

ـ مع ارتفاع أسعار البترول إلى أرقام قياسية لم تبلغها من قبل تقريبا ومع وجود قلة من أنواع الوقود البديل اللازم للنقل، تقدم البرازيل والبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدة بلدان أخرى دعما نشطا لإنتاج أنواع الوقود الحيوي.

ـ يتم استخلاص الوقود الحيوي من المنتجات الزراعية كالذرة وقصب السكر لإنتاج الإيثانول، والمحاصيل الزيتية الأخرى لإنتاج زيت الديزل الحيوي.

ـ هناك منافع بيئية واجتماعية ممكنة، بما فيها تخفيف آثار تغير المناخ والإسهام في تحقيق أمن الطاقة، باعتبارها الأسباب الرئيسية لدعم القطاع العام لصناعات الوقود الحيوي التي تنمو بسرعة.

ـ بلغ الإنتاج العالمي من الإيثانول كوقود في عام 2006 حوالي 40 مليار لتر. أنتج حوالي 90 في المائة من هذه الكمية في البرازيل والولايات المتحدة. كما تم إنتاج حوالي5,6 مليارات لتر من زيت الديزل الحيوي في عام 2006، 75 في المئة منها في بلدان الاتحاد الأوروبي.

أرقام مفزعة

ـ دول العالم ستنفق مبلغ تريليون دولار على ورادات المواد الغذائية عام 2008. وستتحمل الدول الأضعف اقتصاديا العبء الأكبر.

ـ من المتوقع أن تبلغ فاتورة الواردات الغذائية لبلدان العجز الغذائي ذات الدخل المنخفض 169 مليار دولار أميركي في العام 2008، أي بزيادة مقدارها 40 % مقارنة بالعام الماضي.

ـ يواجه العالم وفاة 25 ألف شخص يومياً لأسباب مرتبطة بالجوع، ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن 100 مليون شخص انضموا إلى قافلة الجياع في العالم الذين كانوا 850 مليونا.

ـ في أميركا الشمالية تخصّص الأسر أقل من 15 في المئة من موازنتها للأطعمة، في مقابل 50 في المئة في البلدان الأكثر فقراً في العالم.

ـ قدّر محلّلون أن ارتفاع أسعار الأغذية سيسلب 5,1 دولار من عائلات تعيش على خمسة دولارات في اليوم في بنغلادش.

السيادة كل لا يتجزأ

تشهد أسعار المواد الغذائية الأساسية على مستوى العالم ازدياداً مطرداً منذ العام 2002، ولكنها زادت في العام الحالي بنسبة تفوق 65 في المئة. وهذه الزيادات كان لها تأثير كبير على السكان في مختلف بلدان العالم وبالأخص على سكان البلدان النامية والفقيرة الذين باتوا يجدون صعوبة كبيرة في تأمين قوت يومهم، وهو ما دفع الخبراء إلى التحذير من انتشار المجاعات في تلك البلدان ما لم يتم اتخاذ خطوات ملحة من أجل تأمين المواد الغذائية الأساسية للجياع في العالم ووقف الارتفاع الجنوني الحاصل في أسعار تلك المواد.

والمشكلة هنا هي أننا لا نتحدث عن أزمة عابرة ستنتهي بانتهاء ظروف معينة وإنما هي أزمة يتوقع أن تستمر للسنوات القادمة وفق المعطيات الراهنة مع ما قد يجره ذلك من ويلات واضطرابات على شعوب البلدان الفقيرة التي تعيش ظروفاً قد تكون الأصعب منذ عشرات السنين.

وتؤكد هذه التوقعات التنبؤات الصادرة عن بعض المنظمات التي تقوم بمراقبة أسعار السلع الغذائية بصورة منتظمة مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ووزارة الزراعة الأميركية.

لقد دفعت الأزمة الغذائية الراهنة بالعديد من الخبراء إلى دعوة الدول النامية في الجنوب إلى تبني سياسات غذائية تكفل ما بات يطلق عليه «السيادة الغذائية». وهذا المصطلح الجديد الذي أصبحنا نسمعه كثيراً في الآونة الأخيرة إلى جانب مصطلحات الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي يعني حق الشعوب في تقرير غذائها وزراعتها الخاصة بها. والأمر يتعلق هنا بإحياء تنوع النظم الغذائية المستقلة والمبنية علي الإنصاف والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

وهذه السيادة هي جزء لا يتجزأ من المفهوم العام للسيادة الوطنية التي وإن اختلف الباحثون في تعريفها، إلا أنهم يتفقون جميعاً على قاسم مشترك يتمثل في النظر إلى السيادة باعتبارها السلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها، سواء كان ذلك داخل إقليمها أو في إطار علاقاتها الدولية.

وبالتالي فإن السيادة تشير إلى معنيين: أحدهما إيجابي ويتعلق بقدرة الدولة، كوحدة سياسية مستقلة، على التصرف بحرية كاملة ودون أي قيود تفرض عليها، فضلا عن تلك القيود التي ترتضيها هذه الدولة بالتقدير المنفرد أو بالاتفاق الدولي، والآخر سلبي يقوم على عدم إمكانية خضوع الدولة لأي سلطة غير سلطتها وهو ما يقف حجر عثرة في وجه ما يعرف بالتدخل الإنساني في الأزمات.

وبذلك يكون لمبدأ السيادة وجه داخلي ينصرف إلى علاقة الدولة بمواطنيها داخل إقليمها بحدوده السياسية المعلومة، ووجه خارجي ينصرف نطاق تطبيقه على علاقة الدولة بغيرها من الدول والتي تقوم على وجوب احترام الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية لكل دولة وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية. ومثلما تحرص الدول على حماية سيادتها الإقليمية عليها أن تعمل على حماية سيادتها الغذائية وتوفير العوامل الضرورية لتحقيق ذلك وفق الطاقات المتوفرة لديها.

ضرار عمير

derar@albayan.ae