ثارت على الساحة السياسية المصرية مؤخرا تساؤلات عن سر ظهور توجه لابرام تحالفات بين 12 حزبا معظمها من تلك المعروفة بـ «الأحزاب الهامشية» وبأنها «ورقية» وغائبة عن الشارع المصري، بل إن بعضها ولد من رحم انشقاق وخلاف طاحن بين مؤسسي الحزب الام. كما ان واقع الأحزاب اظهر محدودية دورها خلال الانتخابات الأخيرة، حيث حصد المستقلون عن التيارات الإسلامية والقوميون الناصريون واليساريون على نصيب الأسد، في حين انحصر تمثيل أحزاب كبرى في مقعد أو مقعدين تحت قبة البرلمان وفقدت أخرى اي تمثيل.

«البيان» طرحت ظاهرة التحالفات الحزبية للتعرف على مغزاها هل هي «موضة» أم استعراض لملأ فراغ حزبي أو سياسي؟. ــ بدأنا بحزب الوفد أهم الأحزاب المعارضة وأعرقها تاريخيا وأكثرها إثارة للجدل نظرا للصراع الدائر على رئاسته بين محمود أباظة ونعمان جمعة واستطلعنا رأي عضو هيئته العليا المحامى عصام شيحة الذي قال إنه «رغم انتشار ظاهرة التحالفات فيما بين أحزاب المعارضة في الفترة الأخيرة إلا أنها ليست بظاهرة حديثة لكنها بدأت مند نشأة الأحزاب في العام 1978 بتحالف الوفد مع الإخوان كان ذلك من أجل التنسيق لحل قضايا عامة وليست القضايا الخلافية، وخوض انتخابات مجلس الشعب بقائمة موحدة».ويضيف إن «ما يحدث الآن من تحالفات من أجل كل كبيرة وصغيرة ناتج عما حدث للأحزاب خلال 30 عاما من حصار داخل مقاراتها أدى لإنقطاع العلاقة بينها وبين المواطن مما دفعها حاليا بعد السماح لها بممارسة أنشطتها بالتهافت على أي نشاط يجعلها تحت الأضواء!».

وزاد شيحة بقوله إنه بالإضافة إلى النشاط الملحوظ للجمعيات الأهلية «التي أصبحت أكثر التصاقا بالمواطن مما دفع الأحزاب للتنافس والسباق مع الجمعيات الاهلية لكسب ثقة المواطن والاتحاد به حتى وإن كان ذلك في قضايا ليست من اختصاص الأحزاب وذلك من أجل خطف الأضواء من هذه الجمعيات وتسليط الضوء على نفسها». ولم يختلف الأمين العام للحزب الناصرى أحمد حسن في أهمية التحالفات وضرورتها للحياة السياسية لكنه اشترط أن يكون التحالف حول قضايا معينة لأنه في حالة اتفاق الأحزاب على كل شيء في العمل الحزبي فمن الأفضل لها أن تندمج مع بعضها فلابد أن يكون هناك قضايا خلافية بين الأحزاب لإثراء العمل السياسى. ويضيف حسن إنه «من الأفضل تسميته التحالف بين الأحزاب بالتنسيق لتقييم وجهة نظر مشتركة حول قضية أو عدد من القضايا التي تشغل المجتمع.. لكن مجرد الإعلان عن التحالف دون الاتفاق على القضايا أو المواقف التي يعمل من أجلها سيؤدى إلى فشله».

ويشير حسن إلى أنه منذ أربع سنوات شارك الحزب الناصرى في تحالف ضم عددا كبيرا من الأحزاب ولكنه للأسف لم يسفر عن مواقف قوية أو حقيقية لذلك يجب على الأحزاب قبل أن تقوم بعمل تحالفات أن تدرس التجارب السابقة للإستفادة منها فليس من الضرورة مافشل سابقا أن يفشل الآن، وعلق حسن على تحالف الأحزاب الناصرية بأنه كان مسألة ضرورية فالناصريون يجب أن يتوحدوا حول مواقف أساسية ولذلك فلو أخذ هذا التحالف حقه من العمل الجاد فسوف يثمر عن مواقف قوية.

وبالنسبة لتحالف أحزاب الجبهة الديمقراطية والتجمع والوفد مع الناصرى

ويرى أحمد حسن أن «هذا الإئتلاف لا يزال يحتاج إلى تصور موضوعي للقضايا فهناك اختلافات حول قضايا معينة مثل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي والوحدة العربية وقضايا التنمية وكل حزب من أحزاب الائتلاف يراها بشكل مختلف عن الآخر».

ويلفت إلى انه «لا يوجد توحد حول هده القضايا في وجهة النظر والمفاهيم في حين يوجد اتفاق على قضايا الديمقراطية والحريات السياسية، وتوقع حسن أن يثمر هذا الاتفاق عن مواقف موحدة حول القضايا المتفق عليها».

ورغم ما تراه الأمين العام لحزب الجبهة الديمقراطية مارغريت عازر من أن ظاهرة التحالفات تعتبر إيجابية إلا أنها عادت لتؤكد أن المشكلة ليست في عقد التحالفات إنما في نتائجها وتبعاتها التي في الغالب لاتخرج عن إطار الاجتماعات.

واعترفت عازر أن الائتلاف الرباعى للجبهة والوفد والناصرى والتجمع لم يخرج بنتائج يمكن أن تأخذ مكانها في حيز التنفيذ حتى الآن.وبررت عازر عدم فاعلية التحالفات بالقيود والموافقات الأمنية التي تفرض على الأحزاب في حالة رغبتها عقد ندوات أو مؤتمرات جماهيرية في الشوارع وطالبت عازر أحزاب المعارضة بأن تأخذ خطى إيجابية للإصلاح الشامل بدلا من التفرغ لإنتقاد بعضها البعض.

أما الأمين العام لحزب التجمع سيد عبد العال فيرى ان التحالفات على قضايا معينة تعتبر ظاهرة جيدة بشرط أن توجه للصالح العام لكنه أشار إلى وجود أهداف خبيثة تسعى وراءها بعض التحالفات الحزبية مثل التحالف الجديد المكون من أحزاب المعارضة الصغرى الذي يوجه طاقاته لنقد أحزاب الإئتلاف الرباعى واصفا تحالفها بالتحالف المريب.

وقال إن الأحزاب التي انتقدت الائتلاف الرباعى: التجمع، والوفد، والناصري، الجبهة الديمقراطية لا تمتلك أية قاعدة شعبية في الشارع المصري.

بدوره يعتبر رئيس حزب الجيل ناجي الشهابى القيادى السابق في حزب العمل (المجمد) ان على الدولة أن تقوم بدعم التحالفات بدلا من محاربتها حتى لا تعطي الفرصة للإخوان المسلمين بالإنفراد بالساحة السياسية.

أما رئيس حزب الوفاق القومي الدكتور رفعت العجرودي (عضو سابق في الحزب الناصرى) فيرى أن التحالفات يجب أن تتم بين أحزاب تكون مبادئها متقاربة مثل تحالف الأحزاب الناصرية التي يضم أحزاب الناصري ومصر العربي والوفاق القومى فهذه الأحزاب قائمة على مباديء ثورة 23 يوليو وبرامجها عادة ماتكون متقاربة وبالتالى تقوم بأعمال مشتركة في إطار هذه المباديء.

من جانبه، يرى رئيس حزب مصر 2000 فوزي غزال أن بعض القضايا فقط تحتاج تحالفاً، إذ « ليست كل القضايا تحتاج لعمل تحالف لعلاجها فهناك مشكلات تخص فئة محددة أو شريحة من المجتمع وهذه المشكلات التي تخص قلة وليس أغلبية لا يلزم عمل تحالف لحلها». وأشار إلى تحالف اتحاد أصحاب المعاشات الذي نظمه عدد من الأحزاب في حين أن المسألة لا تحتاج إلى تحالف وكان من الممكن أن يتم تحويلها إلى وزارة التضامن الإجتماعي من أجل حلها والتوصل لحلول سريعة. ولفت إلى عدم مشاركته في تحالف، لايخاطب جميع قطاعات المجتمع.

بينما يختلف رئيس حزب الأحرار(المجمد) حلمى سالم مع رؤية وأفكار الأحزاب السياسية، مؤكدا على أن هناك متغيرات عديدة داخل تلك الأحزاب والتحالفات التي أقيمت مؤخرا غير مستقرة وتختلف مع رؤيته في العمل السياسى لذا يفضل عدم الدخول في أية تحالفات قد تنهار بعد عدة أيام ولا يصبح لها أى تأثير.

وأشار سالم إلى أن الأحزاب السياسية لابد أن تحمل برامج موسعة وشاملة تتسع كل ماعلى الساحة السياسية والاقتصادية فليس عيبا أن يكون هناك اهتمام من جانب الأحزاب بقضايا اجتماعية أو سياسية ولكن الخطأ الحقيقى أن يكون التحالف من أجل قضية فرعية ولكن الصحيح هو التحالفات الشاملة والعامة ومن دوافعها يتم التطرق لهذه القضايا.

بينما يتفق رئيس حزب السلام الديمقراطي أحمد الفضالي مع فكرة تحالف الأحزاب حتى وإن كانت تحالفات من أجل قضايا صغيرة من الممكن أن تكون من شأن الجمعيات الأهلية أو وزارة التضامن الاجتماعي، مؤكدا أن تلك التحالفات تدعم تواجد الأحزاب بالشارع وقربها من المواطن وتزيد من رصيدها لديه.

وأشار إلى أن تلك الانواع من التحالفات تؤكد على اهتمام الأحزاب الكامل بكل صغيرة وكبيرة في حياة المواطن المصري، ونفى أن تكون تلك التحالفات من أجل «الاستعراض الإعلامي».

الأحزاب المصرية

الحزب الوطني الديمقراطي (1977) الحاكم.

حزب الأحرار الاشتراكيين (1977) المجمد لتصارع 11 شخصا على قيادته.

حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (1977).

حزب العمل الاشتراكي (1978) - مجمد.

حزب الوفد الجديد (1978) مهدد بالتجميد بسبب الانشقاق

حزب الأمة (1983) عائلي.

حزب مصر العربي الاشتراكي (1985).

حزب الخضر المصري (1990)

حزب الاتحادي الديمقراطي (1990)

حزب مصر الفتاة (1990) - مجمد

الحزب العربي الديمقراطي الناصري (1992)

حزب الشعب الديمقراطي (1992)

حزب العدالة الاجتماعية 1993

حزب التكافل الاجتماعي (1995)

حزب الوفاق القومي (2000)

حزب مصر (2001)

حزب الجيل الديمقراطي (2002)

حزب الغد (2004): انقسم الى حزبين.

الحزب الدستوري الاجتماعي الحر(2004)

حزب شباب مصر (2005)

حزب السلام الديمقراطي (2005)

حزب المحافظين 2006

الحزب الجمهورى الحر (2006)

حزب الجبهة الديمقراطية (2007)

اتحاد موسى وعبد العال

فشل اجتماع سبعة أحزاب معارضة في تدشين ميلاد حقيقي لاتحاد المعارضة، على خلفية انها أحزاب هامشية.

ففي الاجتماع الذي عقد يوم الثلاثاء 15 يوليو الحالي اندلعت مشادة حادة بين الدكتور محمد عبدالعال رئيس حزب العدالة والمهندس موسى مصطفى موسى رئيس حزب الغد والمسمى رئيسا للاتحاد الذي لم يولد.

ولم يسفر الاجتماع الذي حضره رؤساء أحزاب الغد والعدالة والأمة والمحافظين والاتحادي ومصر العربي الاشتراكي والجمهوري الحر عن تقدم على مسار تشكيل الاتحاد بسبب الخلاف بين موسى وعبدالعال على تحجيم اختصاصات رئيس الاتحاد وجعل دوره شرفيا. وكان مقررا ان يضم الاتحاد في عضويته 12 حزبا معارضا. وشهد الاجتماع التأسيسي انسحاب الأمين العام للحزب الجمهوري الحر علاء عبدالعظيم بعدما اعترض على توجيه الدعوة لحزب الوفد، وقال إن كلا من محمود أباظة ونعمان جمعة لا يتمتعان بأية شرعية.

نقطة ضوء

أحزاب «المقر واللافتة»

خلافا للأدبيات والنظريات السياسية المستقرة تاريخيا جسدت تجارب التعددية الحزبية العربية نموذجا سلبيا، منفرا، وجاء حصادها وبالا على المشاركة الشعبية. بل عمقت نهج التبعية للغرب وأضعفت الحس الوطني والذود عن الاستقلال باستثناء القوى الحيوية صاحبة الرسالة والتي لم تنج من الضعف والاضمحلال عندما تحولت إلى أحزاب.

والمتابع لمسيرة العمل الحزبي في غير قطر عربي، يلحظ مع فوارق نسبية، ان التعددية الحزبية أضعفت المناعة الوطنية وتسببت في بروز نتوءات، وحدوث خرق في نسيج الوحدة الوطنية (اتسع على الراتق)، بل فتح أبواباً جديدة للتدخل الخارجي، تحت راية نشر الديمقراطية.

أدرك ان هذا الطرح سيثير حفيظة من يتلفحون برداء الليبراليين العرب وسأوصم بأنني من دعاة العودة للعهد البائد ونظام الحزب الواحد، وكلها أوصاف صكها مطبخ الدعاية الأميركية المنوط به تهيئة الأجواء لامتلاك فضاء العقل العربي وكسب العقول لصالح الغزاة الجدد.

لكن، حقيقة الأمر ان الديمقراطية لا تعني حرفيا التعددية الحزبية، فهي من جهة المفهوم تتسع لتجارب متنوعة تضمن مشاركة الشعوب في صنع القرار، ليس فقط عن طريق صناديق الانتخاب بل عبر مؤسسات حقيقية تستوعب الجميع دون تفرقة أو سيطرة من يملك على من يعمل ولا يملك إلا قوت يومه، ووفقا لتراثنا الإسلامي ومقولة الإمام ابي حنيفة النعمان: «لا تشاور من ليس في بيته دقيق» فما بالك بمن يفقد حياته للحصول على رغيف خبز، هل يمكنه ان يدلي بصوته حرا في اي انتخابات، أو ينخرط في نشاط حزبي؟.

خذ المشهد الحزبي المصري كحالة عربية نموذجية، حيث بلغ عدد الأحزاب 24 معظمها ورقية تختزل في «اللافتة والمقر»، أي لافتة تحمل اسم الحزب ومقر معزول عن الشارع. وليس بينها أي من القوى الحيوية الفاعلة على الساحة سوى أربعة أحزاب أحدها مجمد (العمل)، بل ان هناك أحزاباً ورقية وعائلية وشللية لا يعرف شيئ ذو قيمة عن زعمائها أو برامجها أو حجم تمثيلها.

ويدرك أي مراقب ان بعضها تأسس في أروقة أجهزة لا علاقة لها إلا بالتضييق على العمل السياسي، واختير زعماؤها من بين الموالين والمستفيدين منها، بهدف إفساد الحياة السياسية للسيطرة على المشهد الراهن. في حين أن هناك أحزابا حقيقية تحت التأسيس تصارع للحصول على موافقة لجنة الأحزاب التابعة واقعيا لسلطة الحزب الحاكم. ومن جملة الظواهر السلبية التي أفرزتها التجربة الحزبية في مصر الانشقاقات التي تطفو على السطح كلما وقعت أزمة بين الحزب والحكومة.

والحاصل ان التجربة الحزبية المصرية ولدت ولادة مشوهة بقرار مصطنع على جثة تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي، ومنابره الثلاثة: الوسط واليمين واليسار، وسرعان ما فر أعضاء الوسط الحكومي إلى حزب جديد هو الوطني الحاكم حاليا. الخلاصة ان التعددية أفرزت وضعا بالغ الخطورة يهدد مستقبل مصر حيث يضيق هامش اختيار البدائل في أي معادلة للتغيير، ويبقى الجسم الرئيسي مختفيا مثل جبل الجليد.

القاهرة - سباعي إبراهيم ــ سيد زهران

zahran73@yahoo.com