لقد أتيح لي أن ألتقي بناظم حكمت، وأن أتعرف إليه شخصياً خلال زيارته العاصفة بالجمال إلى بيروت في عام 1960. جاء إلى بيروت في ذلك التاريخ مكلفاً من قبل حركة «السلم» العالمية لتقديم «ميدالية جوليو كوري» إلى المفكر اللبناني الديمقراطي الدكتور جورج حنا، الذي كان يرأس جمعية الصداقة اللبنانية ـ السوفييتية.
لكن زيارته تلك لم تنحصر في تلك المهمة التي أوكلت إليه. بل هو جاء إلى بيروت، عاصمة الثقافة العربية في ذلك الحين، حاملاً معه تراثه العظيم، الشرقي والإنساني، إلى جيران بلده تركيا في المشرق العربي. جاء ناظم حكمت إلى العالم العربي في صيغة نقيضة لكل ذلك التاريخ من الظلم الذي ارتبط باسم السلطنة العثمانية، ليقول لأصدقائه في الحرية وفي التقدم الإنساني ولشعوب الشرق العربي بأن لتركيا القديمة، والحديثة خصوصاً، وجهاً إنسانياً آخر، وجه الشعر والأدب والثقافة، الثقافة الجديدة المبشرة بالصداقة والسلم والحرية، الحاملة معها حلم تأسيس حضارة جديدة، إنسانية بكل المعاني. استقبلته بيروت كعادتها حين تستقبل أهل الثقافة حاملي مشعل الحرية والنور.
احتفل بقدومه أهل الثقافة والسياسة من كل الاتجاهات، كبارهم في الدرجة الأولى.
أحاطوه بالتكريم والتقدير. واستمعوا إليه يقرأ الشعر بلغته الأم، اللغة التركية. واستمعوا إليه يقدم باللغة الفرنسية مفهومه للشعر قبل أن يبدأ بإلقاء قصائده. جاء ذلك في «الندوة اللبنانية» إحدى المنارات الثقافية لذلك الزمان لمؤسسها ميشال الأسمر. إلا أن شاعر لبنان الكبير سعيد عقل نهض إلى المنبر مستبقاً صعود ناظم حكمت إليه ليقدم الشاعر الكبير إلى الحشد الثقافي، كأحد كبار عباقرة الشعر في القرن العشرين.
هذه العلاقة الأولى التي عرفتني بناظم حكمت توطدت في السنتين اللتين تلتا ذلك اللقاء. إذ أتيحت لي فرص عدة للقاء معه، بحكم وجودي في قيادة مجلس «السلم العالمي»، ممثلاً لحركات «السلم» العربية. وهي لقاءات تمت في فيينا وفي وارسو وفي موسكو وأخيراً في تنزانيا، (تانجانيكا ساتيا).
حيث كان ينعقد في مدينة أروشا، الواقعة في سفح جبل كالامنغارو، مؤتمر لمنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. وكان ذلك اللقاء آخر لقاءاتي به، قبيل رحيله في ذلك العام بالذات (1963). وكان لقاء محزنة، بالنسبة إليّ. التقيت به في الساحة الخارجية للمكان الذي كان ينعقد فيه المؤتمر.
كان متوتراً، اقتربت منه وسألته عن سبب توتره. فأجاب: هل كان يخطر ببالك أن ناظم حكمت يتعرض للإهانة في مؤتمر عالمي للسلم والحرية والتضامن؟ استغربت الأمر، واستنكرته، وحاولت تطييب خاطره. لكنه كان شديد الألم والمرارة. وكان من الصعب عليه أن يقبل ما حدث.
لم أكن حاضراً في تلك الجلسة من جلسات المؤتمر. فانتظرت انفضاض الجلسة، وتقدمت من القائد المغربي المهدي بن بركة الذي كان يرأس تلك الجلسة مستفسراً عما حدث. فأجابني بما يشبه التفسير والاستنكار والاعتذار في آن: «هل تراني أنا المسؤول يا صديقي عن ذلك الصراع العجيب بين الاتحاد السوفييتي والصين زعيميّ الحركة التي تنتمي أنت إليها؟» وعندما يعرف السبب يبطل العجب، كما يقول المثل الشائع.
ومعروف أن ناظم حكمت كان أميناً بصفته الشيوعية للعلاقة مع الاتحاد السوفييتي. وكان صينيو تلك الفترة شديدي العداء للاتحاد السوفيتي إلى الحد الذي جعلهم يصفون بلد الاشتراكية الأول ب«الإمبريالية الجديدة»، أو ما يشبه ذلك.
لقد كتب الكثيرون عن ناظم حكمت. وصدرت كتب عديدة عنه وعن شعره وأدبه. ووضعت أطروحات أكاديمية عديدة حوله. وترجمت آثاره إلى العديد من لغات العالم، ومن بينها اللغة العربية.
وبين يديّ أحد أهم الكتب التي صدرت حول سيرته وحول أدبه، وحول شعره خصوصاً، استندت إليه في كتابة هذا البحث. هذا الكتاب هو الذي وضعه بإتقان وبشمولية الروائي السوري حنا مينه بعنوان: «ناظم حكمت: السجن والمرأة والحياة». وهو كتاب يستحق أن يقرأ، لكونه مرجعاً حقيقياً وغنياً عن ناظم حكمت. وثمة كتاب آخر يضم مجموعة منتقاة من أشعاره ترجمها الأديب اللبناني علي سعد، ووضع له مقدمة بليغة في مستوى تقديمها للشاعر ولشعره إلى القراء العرب.
لنتوقف قليلاً عند بعض مراحل تطور شخصية وسيرة هذا الشاعر الكبير.
ولد ناظم حكمت في عام 1902 في بيت ثقافة ومعرفة، وفي عائلة مرموقة. كان والده مدير مطبوعات، وكانت والدته رسامة. وهكذا فقد نشأ في مناخ ثقافي أهله للنضوج الفكري المبكر في مواهبه الشعرية أولاً، إذ يقول بعض المؤرخين لسيرته الشعرية إنه بدأ ينظم الشعر في الخامسة عشرة من عمره.
وكان ينشر قصائده تلك في الصحف. وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره أوفده أتاتورك إلى الاتحاد السوفييتي لتحصيل العلم في جامعاته استناداً إلى ما اكتشفه فيه من ثقافة وذكاء ووطنية. ويؤرخ ناظم لهذا العام باحتفاء كبير في قصيدته التي تحمل عنوان: «عامي التاسع عشر»، كما يقول حنا مينه في الكتاب الذي أشرت إليه. لنقرأ بعض فقرات من هذه القصيدة:
«يا طفلي الأول ـ معلمي الأول ـ رفيقي الأول ـ العام التاسع عشر من عمري ـ إني أحترمك كأمي ـ ولسوف أحترمك ـ إني أسير في الطريق الذي سلكته ـ ولسوف أسير ـ رأسي يتدحرج بعيداً ـ ويجلس العام التاسع عشر من عمري ـ على حافة سريري ـ بين راحتيّ ـ ويقول لي: ـ لنتذكر معاً ـ أيام شبابنا ـ لقد مرت ـ يا عمري التاسع عشر ـ تسع سنوات من عمري ـ منذ أحرقنا أغصان الصنوبر ـ في الغابة ـ وأنشدنا الأغاني ـ بصوت واحد ـ ونظرنا إلى القمر ـ في الليل ـ أنا لا أزال أغني القصائد ذاتها ـ فلم تحولني الريح ـ إلى ورقة في مهب الريح ـ لقد سقطت الريح أمامي ـ وأنت ـ يا من تستطيع تحطيم ما لا يحطم ـ أنت قادر على التحديق في عيني ـ والضغط على يدي ـ وأنت ـ يا من ... - أنت وحدك ـ يا طفلي الأول ـ معلمي الأول ـ رفيقي الأول ـ العام التاسع عشر ـ من عمري».
أمضى ناظم حكمت في موسكو ثلاثة أعوام بين عام 1921 وعام 1924. ثم عاد إلى وطنه تركيا، بعد أن ظفرت باستقلالها على يد أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة.
وفور عودته من موسكو أعلن انتسابه إلى الحزب الشيوعي التركي. في عام 1925 حكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً. فعاد إلى الإتحاد السوفيتي هرباً من السجن، وأقام في باكو عاصمة أذربيجان. وفي باكو أصدر ديوانه الأول: «الذين يسكرون بالشمس». وظل في باكو حتى عام 1929. عاد بعدها إلى وطنه تركيا.
وفي ذلك العام بالذات أصدر ديوانه «835 سطراً» الذي يعتبره بعض النقاد من أهم دواوينه. إذ ابتدع فيه وزناً حراً، كما يقول حنا مينه، فيه نمط جديد من الإيقاعات. وفي ذلك العام بالذات أدخل السجن. ففي تلك الفترة اغتالت الرجعية التركية خمسة عشر مناضلاً ثورياً. فكتب الشاعر قصيدة يصف فيها الأثر الذي أحدثه استشهاد أولئك الثوار في النفوس، مؤكداً أن الثورة هي حركة تنفس صحي باقية في جسم الأمة التركية، وأن الظلام في عيون الشهداء قد صار شموعاً مضيئة في سماء البلاد. يقول في القصيدة:
«خمسة عشر جرحاً في صدري/ خمسة عشر نصلاً/ سود مقابضها/ وقلبي لم يزل يخفق/ قلبي لم يزل يخفق/ خمسة عشر جرحاً في صدري/ ومن جراحي الخمسة عشر/ سطعت خمس عشرة شمعة/ لقد ظنوا أن قلبي لن يخفق بعد اليوم/ لكن قلبي لم يزل يخفق/ كراية يخفق/ وسيظل يخفق، يخفق ...»
أدخلته هذه القصيدة السجن ثم خرج منه. وظل يدخل إلى السجن ويخرج منه إلى أن استقر ذلك السجن ثلاثة عشر عاماً متواصلة. فقد وجهت إليه تهمة الانتماء إلى الأفكار الهدامة. وصادف ذلك في الوقت الذي كانت تصعد فيه، في شكل متسارع، الحركة الفاشية في أوروبا. وألصقت تهم عديدة ضده. فصدر الحكم عليه بالسجن ثمانية وعشرين عاماً. ثم ضوعفت الأحكام حتى بلغت خمسين عاماً، قضى منها ثلاثة عشر عاماً متواصلة.
وفرضت عليه الإقامة في زنزانة منفردة. ولم يفرج عنه إلا بعد أن أضرب عن الطعام، وبعد أن ساءت صحته، وعانى من أمراض عديدة. أفرج عنه تحت ضغط الحملة العالمية الكبرى التي شارك فيها كبار مثقفي العالم، وقادة الرأي في العديد من البلدان. أفرج عنه، وقصد على الفور موسكو، عاصمة أحلامه الثورية، التي استضافته باعتزاز وبتقدير وتكريم كبيرين، حتى وفاته في مطلع صيف عام 1963.
جاء اعتقاله في عام (1931)، الاعتقال الثاني في تلك الظروف التي أشرنا إليها. وكانت التهمة الموجهة إليه كتابات ثورية على الجدران وتوزيع منشورات ولصقها على الجدران، شعارات ومنشورات معادية للسلطة. لكنه نجح في الخروج من السجن مشمولاً بالعفو الذي أصدرته السلطات في عيد الجمهورية. وقد سبق اعتقاله هذا تعرفه إلى منور التي أصبحت فيما بعد زوجته.
وبين عامي 1931 و 1935، المرحلة الفاصلة بين اعتقالين عقد خطبة مع منور. في العام 1935 دخل إلى السجن وخرج. وبعد خروجه عقد قرانه مع منور ليصبحا زوجين وعاشقين إلى نهاية عمرهما. في مرحلة لاحقة أطلق ناظم على «منور» في إحدى رسائله إليها اسماً آخر هو «بيراييه».
وقد أمضيا في الحياة المشتركة قبل الزواج ثلاثة أعوام. كان يومها يعمل مترجماً للأفلام في ستوديو «لا لا». وكانت أعواماً عامرة بالحب وبالكفاح الثوري المشترك انتهت بدخول ناظم إلى السجن من جديد، وبدخولها هي في مرحلة لاحقة إلى السجن أيضاً. وكان ذلك في عام 1938. وظل يرسف فيه حتى عام 1950. وخلال تلك الأعوام من حياته في السجن اتخذ قراره بالطلاق. ووافقت زوجته، لكن من دون أن يطلقا الحب الخالد بينهما. يقول في رسالة إلى صديقه كمال طاهر حول موضوع الطلاق:
«.. بيراييه كما كانت سابقاً، وأنت تعلم أنني قررت أن أطلقها، غير أنني أمسكت، ولم أفعل هذا السوء نحوها، لكنها هي تريد ذلك وتلح عليه، ولديها الحل، ولها آلامها أيضاً... سنحول السجن هنا، إلى مركز عمل. آمل أن يسمحوا لي بالعمل كي أكسب عيشي..».
ويقول في رسالة أخرى في وصف «منور» (بيراييه):
«... تلقيت رسائل من بيراييه. إنها، بغير شك، من أفضل الكائنات التي صادفتها في حياتي، وأكثرها ذكاء وطاقة. وقد أردت أن أبلغ بعض الجوانب من نفسها ووجدانها وإرادتها التي يصعب جداً العبور إليها. قليلون جداً الذين ألهموني هذا الإعجاب وهذا الاحترام الذي أستشعره نحوها... أصبت بالبرد ولم أشف بعد.. إنني ألزم السرير».
ثم انه يكتب لزوجته عندما تشتد معاناته في السجن: «كوني على ثقة، يا حبيبتي، أنهم عبثاً سينظرون، في عيني ناظم الزرقاوين، إذا ما حاولت يد غجري تعس أن تضع الأنشوطة في عنقي... لكنهم لن يتوصلوا إلى اقتلاع رأس الإنسان، بالسهولة التي يقطعون فيها رأساً من اللفت... أنا يا منور ... يود قلبي أن يبكي ويمسح عينيه الزرقاوين.. أنا لا أخجل من حالة قلبي هذه...».
غنى ناظم حكمت زوجته وحبيبته على مدى الأعوام التي قضاها في السجن. وغناها بعد خروجه منه، قبل أن يقدم على الطلاق منها، وبعد أن اتفق معها على الطلاق. إذ ظلت هي ذاتها المرأة، التي أحبها، ولم يتزوج بعدها، رغم أنه عاشر سواها، من دون أن يترك ذلك عندها الأثر الذي يتركه مثل ذلك الأمر عند النساء، ومن دون أن يعني ذلك بالنسبة إليه أنها لم تعد موجودة في حياته وفي وجدانه وفي شعره.
ناظم حكمت.. عوالم في رجل
الدخول في عالم ناظم حكمت مهمة صعبة تشبه المغامرة. هذا هو الشعور الذي يستولي عليّ وأنا أمسك القلم في محاولة الدخول إلى عالم هذا الشاعر العالمي الكبير. ذلك أن عالم ناظم حكمت لا ينحصر في كونه شاعراً كبيراً. فهذا أمر يشترك فيه مع آخرين من كبار شعراء عصره. فعالمه هو عالم واسع وشاسع ومتنوع ومتعدد. إذ أن ناظم حكمت قد دمج في عمره القصير.
وفي سيرة حياته، بين كونه شاعراً فذاً منذ مطلع شبابه، وروائياً، وكاتباً مسرحياً، ومثقفاً واسع الثقافة، وبين كونه مناضلاً سياسياً، صاحب فكر ورؤية مستقبلية للعالم. بل هو كان عالمياً بمعنيين للعالمية. المعنى الأول يعبر عنه انتماء الشاعر للحركة الأممية المتمثلة بالاشتراكية، والاتجاه نحو بناء مستقبل جديد للبشرية، مغاير لكل تاريخها القديم. أما المعنى الثاني فيعبر عنه الطابع الإنساني لشعره ولمجمل أدبه، ولمواقفه السياسية والفكرية، الطابع الذي جعل منه شخصية عالمية مرموقة، ورمزاً من كبار رموز الأدب والشعر في القرن العشرين.
عالم ناظم حكمت هذا، الواسع والشاسع والمتعدد والمتنوع هو الذي يخلق الصعوبة لمن يحاول الدخول إليه، الصعوبة التي تشبه المغامرة، بالنسبة إليّ على أقل تقدير. أقول ذلك من دون افتعال، وبصدق، ومن موقع المعرفة الشخصية القديمة بالشاعر والروائي والمفكر السياسي، والمعرفة الطويلة والغنية بشعره، وبرواياته، وبأعماله المسرحية، بما فيها تلك المسرحية التي تحولت إلى باليه على يد سادة هذا الفن العظيم في «بولشوي» موسكو، المسرحية والباليه المعروفة باسم «أسطورة حب».
كريم مروة