مما لا شك فيه أن الهدية التي قام الرئيس السوري بشار الأسد بتقديمها للبنان وللحاضرين في قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» في العاصمة الفرنسية باريس الأسبوع الماضي، كانت كبيرة لدرجة فاجأت كثيرين، فإعلان الرئيس السوري أن بلاده بصدد إقامة علاقات دبلوماسية مع جاره الأصغر، تعد اعترافاً سورياً هو الأول من نوعه منذ استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي عام 1943.
ويدرك اللبنانيون كما كثيرون غيرهم أن سوريا ما كانت لتقدم على هكذا إعلان لولا تحقق العديد من المكاسب السياسية خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي دفعت الرئيس السوري للتوجه إلى باريس لحضور إطلاق مشروع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي «الاتحاد من أجل المتوسط»، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، وهي سابقة كبيرة في السياسة السورية رغم كل ما أبداه الرئيس الأسد من تجاهل لعدو بلاده التاريخي. ويلقي التصريح الذي أعطاه مسؤول سوري وصف برفيع المستوى إلى إحدى الصحف العربية الضوء على خلفيات هذا التطور الكبير في الموقف السوري، ويوضح أن الأمر لم يأخذ شكل الإعلان المفاجئ بقدر ما كان حلقة هامة في سلسلة من الحلقات يجري العمل على استكمالها على قدم وساق بين المسؤولين السوريين والفرنسيين.
إذ نقلت صحيفة «الحياة» عن مسؤول رفيع من الوفد السوري، أن الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان زار الرئيس السوري في مقر إقامته في العاصمة الفرنسية قبيل مغادرته وقام بتلخيص النقاط التي تم الاتفاق عليها بشأن تطوير العلاقات السورية الفرنسية إلى «علاقة استراتيجية». ويمتد مصطلح العلاقات الاستراتيجية إلى العام 1996 تاريخ زيارة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى باريس حيث استقبل حينها استقبالاً فريداً من نوعه من قبل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في الإليزيه، توج بالإعلان عن السعي لإقامة «علاقات استراتيجية» حرصت دمشق عليها بقوة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والتفرد الأميركي في السيطرة على العالم في ظل انحياز فاضح لإسرائيل.
وأثبتت السنوات اللاحقة أن السياسة الفرنسية حيال سورية اتخذت العديد من الخطوات الهامة لتوطيد العلاقة مع عاصمة الأمويين لاعتبارات كثيرة، يأتي في مقدمتها استعادة النفوذ الفرنسي في المنطقة.
وربما كان أهم ما قامت به فرنسا شيراك حينها هو استقبال الرئيس السوري بشار الأسد قبل تسلمه للسلطة، في إشارة فهمت جيداً في كافة أنحاء العالم على أنها دعم فرنسي لتولي الشاب بشار الأسد مقاليد السلطة.
إلا أن التدهور في العلاقات الفرنسية السورية اتخذ شكلاً متسارعاً في أعقاب الخلافات بشأن لبنان، وتحديداً التمديد للرئيس اللبناني السابق إميل لحود الذي عارضته باريس بقوة لصالح حليفها رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، لتتخذ الأمور الشكل الذي بات معروفاً، بدءاً بإصدار القرار 1559 وصولاً لاغتيال رفيق الحريري وغيره من الشخصيات اللبنانية التي وصفت بالمعارضة لنظام دمشق، والتي اتهم هذا النظام بالوقوف وراءها.
واستعادة مصطلح «العلاقات الاستراتيجية» بين باريس ودمشق اليوم يحمل في طياته إعادة إصلاح ما تخرب في الأعوام القليلة الماضية بعد الاتفاق على «خارطة طريق» لبنانية، بدأت ملامحها تتضح بعد «اتفاق الدوحة» الذي تم خلاله حل الأزمة الرئاسية اللبنانية وفتح الطريق لإنجاز حكومة الوحدة والاتفاق على قانون الانتخابات النيابية المقبلة، وهو الاتفاق الذي ما كان لينجز لولا التدخل الإيجابي من دمشق، بحسب ما أعلن ناطق باسم الإليزيه.
وتقول أوساط الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إن العمل جار لتحسين العلاقة السورية الفرنسية، وأن العمل الايجابي يجري على «رزمة شاملة»، أهم عناصرها اعتراف سورية بلبنان وسيادة قراره وتبادل السفارات معه والعمل على استقرار الوضع الأمني فيه.
وبالعودة إلى لقاء غيان والأسد في باريس فإن الأمين العام للرئاسة الفرنسية أراد تلخيص النقاط المتفق عليها في شأن دعم عملية السلام والمحادثات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل وإقامة علاقات ثنائية متميزة بين سورية ولبنان تصون مصالح الشعبين.
وهو ما يعني بكل وضوح أن لبنان لن يشكل سوى البوابة لإصلاح هذه العلاقات، فيما ستدخل باريس بقوة على خط مفاوضات السلام غير المباشرة بين سوريا وتركيا التي تجري بوساطة تركية. الأمر الذي يفسر التطلع الفرنسي إلى العلاقات الاستراتيجية مع سوريا، انطلاقا من قناعتها ب«دور سوريا المحوري في تحقيق أمن المنطقة واستقرارها»، وأنها بوابة لا بد منها لعودة فرنسا إلى ساحة الشرق الأوسط بعد غياب امتد لأكثر من نصف قرن.
وهذا بالتحديد ما أكد عليه الرئيس الأسد في مقابلة مع الشبكة الثانية للتلفزيون الفرنسي خلال زيارته باريس، حيث أوضح أن «أي دولة ترغب في تسوية مشاكل الشرق الأوسط عليها أن تتحدث مع سوريا».
ومن هنا يمكن فهم الطلب الفرنسي من سوريا استغلال علاقاتها مع إيران للمساعدة في تسوية المواجهة النووية مع الغرب، علماً أن الرئيس السوري حذر من خطورة شن هجوم عسكري على إيران لما سيكون له من عواقب خطيرة ليس على الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب وإنما على العالم بأسره.
الأسد وعد ساركوزي بمحادثة «أصدقائه الإيرانيين للوصول إلى لب القضية» على حد تعبيره، علماً أنها المرة الأولى التي يطلب فيها من سوريا أن تضطلع بدور في هذه المسألة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل إن الرئيس الفرنسي وعد ضيفه بالعمل على تمرير اتفاقية الشراكة الأوروبية مع سوريا، وأوضح البيان الرسمي الذي صدر بعد لقاء الرئيسين أن الطرفين «أجريا جولة أفق واسعة للوضع الراهن استعرضا خلالها المسائل الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك»، وأنه «في ضوء التطورات الإقليمية الإيجابية، اتفق الطرفان على خطة عمل بغية تأمين إعادة إطلاق العلاقات الثنائية، والتي تهدف بصورة مشتركة إلى تعزيز الصلات السياسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين، وبخاصة في المجال التربوي والأكاديمي واللغوي».
كل ذلك يوضح أن تلاقي المصالح والأهداف بين سوريا وفرنسا لا يتوقف فقط على الملف اللبناني فقط، وإنما يتعدى ذلك لجهة إرساء أسس لاستعادة «شراكة استراتيجية» كان يجري العمل عليها بين الرئيسين الراحل حافظ الأسد والسابق جاك شيراك، وحال تعارض المصالح دون استكمال شروطها.
وضمن هذه التطورات سيقوم الرئيس الفرنسي بزيارة دمشق في منتصف سبتمبر المقبل، سيسبقها زيارة لنائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري لباريس ، وكذلك قيام وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير بزيارة دمشق.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال، والذي أسال الكثير من الحبر طيلة الأسبوع الماضي، يتمثل في قدرة الرئيس الفرنسي على إقناع دمشق بفك تحالفها الوثيق مع إيران، وهو الأمر الذي لا بد لساركوزي من مواجهته بعد أن تجاهل الكثير من العقبات الأخرى لئلا تؤثر على توجهه بالانفتاح على نظام الرئيس الأسد.
فالرهان السوري على إيران هو الرهان الوحيد الذي لم يتأثر بكل التقلبات والتغيرات الإقليمية التي جرت منذ العام 1979 تاريخ الثورة الإسلامية في إيران. ورغم كل الضغوط التي تستهدف طهران، وتزايد الحديث عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لمشروعها النووي، ألا أن سوريا لم تُبد حتى الآن سوى مزيد من الحرص على توطيد علاقتها مع حليفها الاستراتيجي الأهم.
وهو الأمر الذي يضع أكثر من علامة استفهام على مشروع الرئيس الفرنسي الذي يدرك أن مساحة عدم الممانعة الأميركية لانفتاحه على الرئيس السوري نابعة في الأساس من التعويل على سحب دمشق من الأحضان الإيرانية عبر مجموعة من الحوافز الشبيه بتلك التي قدمت لطهران لوقف تخصيب اليورانيوم.
يضاف إلى ذلك أن قمة «الاتحاد من أجل المتوسط»، ورغم أنها أعادت الرئيس السوري إلى المشهد الدولي من أبوابه العريضة، إلا أنها لم تستطع أن تدفع باتجاه إصلاح العلاقات السورية المصرية التي تدهورت لدرجة قاربت القطيعة مؤخراً، وبقدر ما كان لافتاً تجاهل الرئيس السوري بشار الأسد لرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، كان لافتاً أيضا تجاهل كل من الرئيسين بشار الأسد وحسني مبارك للآخر. معطوفاً على الخلاف السوري السعودي.
وهو ما يبقي أمام بشار الأسد الكثير من الخطوات التي يتوجب عليه قطعها في أدغال الجوار العربي والإقليمي كمقدمة لا بد منها لاستكمال انفتاحه الدولي، خصوصاً أنه جوار يمتلك الكلمة الفصل لدى كل من يسعى الرئيس السوري الانفتاح عليهم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية وليس فرنسا، والتي أكد الأسد أنه لابد من رعايتها لإنجاح مفاوضات السلام بين بلاده وإسرائيل.
واشنطن ترحب بتحفظ
رحبت واشنطن بقرار الرئيس السوري إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان، لكنها اعتبرت أن على دمشق «اتخاذ مبادرات ملموسة لوقف خطتها لتقويض الاستقرار في المنطقة».
وقال أحد الناطقين باسم وزارة الخارجية الأميركية روب ماكينتورف إن واشنطن «تدعم إقامة علاقات جيدة بين لبنان وسوريا على قاعدة الاحترام المتبادل، وننضم إلى فرنسا مكررين تمسكنا بلبنان سيد ومستقل».
لكنه اضاف ان واشنطن «ستستمر في الحد من التزامها الدبلوماسي طالما لم تتخذ سوريا مبادرات ملموسة لوقف خطتها لتقويض الاستقرار في المنطقة».
واكد ماكينتورف ان الولايات المتحدة والبلدان الاخرى المعنية بالوضع في لبنان «تنتظر إشارة من السوريين تؤكد استعدادهم للتخلي عن دعم الإرهاب والقيام بمزيد من الخطوات لوقف دخول المقاتلين الأجانب إلى العراق، وإبعاد قادة المجموعات الإرهابية الفلسطينية، ووقف أي انتهاك لحقوق الانسان».
سوريا تشتري «ايرباص»
مع سريان الدفء في العلاقات بين باريس ودمشق قال الرئيس السوري بشار الأسد إن سوريا تنوي شراء طائرات ايرباص وإنها منفتحة لإبرام عقود مع شركة «توتال» النفطية الفرنسية.
وقال الأسد لإذاعة «فرانس انتير» إن سوريا تنوي طلب شراء طائرات ايرباص من فرنسا. وأضاف ان شركة «توتال» كان لها وجود في سوريا في الماضي، وان دمشق وجهت الدعوة لرئيس «توتال» لزيارتها.
وذكر أن «توتال» مهتمة بالاستثمار في سوريا. وبدأ ساركوزي حملة لبيع تكنولوجيا نووية فرنسية للدول النامية ولكن حملته لم تشمل سوريا التي قصفت مقاتلات إسرائيلية فيها ما تقول واشنطن انه موقع سري لمفاعل نووي. وقال الأسد إنه فيما يتصل بالطاقة النووية فإن المسألة لم تبحث حتى الآن رغم ارتفاع أسعار النفط.
طريق الشانزليزيه لا يقود بالضرورة إلى الإليزيه
من المؤكد أن الأيام الماضية كانت إحدى أفضل الأيام التي عاشها الرئيس السوري بشار الأسد بعد ثلاثة أعوام من الضغوط المتواصلة، فالرئيس الشاب الذي لطالما شكك كثيرون في قدرته على مواجهة تحديات الحكم التي خلفها له والده الراحل حافظ الأسد.
مضاف إليها الكثير من الأعباء الطارئة التي لم تكن تبعات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري سوى أحد فصولها، عاش خلال السنوات الماضية عزلة عربية ودولية كبيرة وسط وضع إقليمي سمته الأبرز تمثلت في انعدام الاستقرار المفتوح دوماً على التصعيد، بدءاً بالأراضي الفلسطينية المحتلة، مروراً بلبنان وصولاً إلى العراق، وهي الساحات التي لطالما اتهم بشار الأسد بالتدخل فيها.
ورغم الرهانات الكثيرة على عدم قدرة الرئيس السوري على مواجهة هذه التحديات، إلا أن المشهد الذي تبدى خلال إطلاق مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» في باريس الأسبوع الماضي أعاد بشار الأسد عبر بوابة الإليزيه إلى المشهد الدولي بزخم أكبر بكثير مما كان يحلم به حتى أكثر المتفائلين في نظام الرئيس السوري.
وربما يعيد البعض الأمر للمصادفة فقط، إلا أن ما جرى ويجري على الساحة الإقليمية والعربية يجعل من الرئيس الشاب اليوم، وكما قال في أكثر من تصريح عشية وخلال زيارته لفرنسا، جزءاً من الحل في كل ملفات المنطقة، وهو الأمر الذي اعترفت به باريس بعد سنوات من القطيعة.
هي ذات الطائرة التي أقلت بشار الأسد من مطار دمشق الدولي إلى باريس وعادت به، لكن راكبها كان شخصاً آخر بالتأكيد، فالرئيس السوري عاد لبلاده باعتراف دولي كبير على أنه لاعب رئيس وهام في المنطقة، ليس فقط في الملف اللبناني والفلسطيني الذي يمسك بالكثير من أوراقهما، وإنما أيضاً في الملف النووي الإيراني الذي طلب منه مهمة التوسط في حله.
ليس ثمة شك في أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعول كثيراً على الرئيس بشار الأسد لاعتبارات تتعلق أولاً وأخيراً بمصالح فرنسية قد لا تتقاطع كثيراً مع المصالح السورية، إلا أن ما أعلن عن السعي باتجاه علاقات استراتيجية بين البلدين، يعني أن الطرفين قررا تجاوز العقبات التي تعترض طريقهما بعد أن تم اختبار حسن النوايا عبر إنجاز اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس للبنان وتشكيل الحكومة هناك.
هي لحظة انفراجة كبيرة للنظام السوري، تعيد الاعتبار لدور سوريا الإقليمي للمرة الأولى في المنطقة. لكن الانفتاح الغربي المغلف حتى الآن بقماش فرنسي، يحمل في طياته أهدافاً أكبر بكثير من مجرد حلحلة الأزمة اللبنانية، ويتعدى ذلك ليصل إلى فك الارتباط السوري الإيراني، وإنجاز اتفاق السلام بين سوريا وإسرائيل، ووقف الدعم السوري لحزب الله والفصائل الفلسطينية.. الخ. ليبقى السؤال معلقاً ما الذي تريده دمشق مقابل ذلك؟ وهل تستطيع فرنسا ساركوزي تأمينه؟
تؤكد كل التحركات السورية حتى الآن أنها تضع نصب عينيها الإدارة الأميركية لا الفرنسية رغم اهتمامها البالغ ببوابة الشانزليزيه كمدخل إلى البيت الأبيض وليس إلى الإليزيه.
فراس كيلاني