انتهت عملية تبادل الأسرى في الناقورة، وحظي العائدون بصور كثيرة لتخليد الابتسامات والعناق ودموع اللقاء، وأصابع الانتصار المتقاطعة، لكن غيرهارد كونراد كان غائباً عن الصور.
لم تلحظ العدسات في الازدحام الألماني الخمسيني وهو يراقب المشهد من مسافة قريبة ويرى بأم عينه انعقاد ثمرة جهود كبيرة رعاها في الظل منذ سنتين تقريباً، والذي لا يعرف سواه، مجالاً للحركة، منذ أن أصبح كونراد عميلاً للاستخبارات الألمانية (بي.ان.دي) مطلع الثمانينات.
والرجل الخفي يعمل كما يقول عنه، في شهادة نادرة، رئيس الاستخبارات السابق برنت شميت باور، وفق مبدأ «خذ وأعط»، ولقب «مستر حزب الله» ليس استثناء، في جهاز الاستخبارات الألمانية.
اللقب انتزعه كونراد لأنه المشرف الحقيقي على عملية التبادل التي حصلت في العام 2004 بين حزب الله وإسرائيل، لكنه ظل خارج دائرة الضوء، مكتفياً بمعاونة رئيسه ارنست أورلاو الذي كوفئ على ذلك بتعيينه رئيساً للجهاز في العام 2005، مضيفاً رصيداً جديداً من الثقة «بالوسطاء الألمان» الذين قادوا بكفاءة عمليات تبادل أخرى في التسعينات.
عميل الاستخبارات الألمانية السابق فيلهلم ديتل الذي نشط في العاصمة السورية بين عامي 1982 و1993 تحت غطاء مراسل صحافي لـ «كويك ماغازين» يقول إن «غيرهارد كونراد كان مرشحاً طبيعياً لقيادة الوساطة بين حزب الله وإسرائيل.. ليس لأنه أحد أفضل مستشرقي جهاز الاستخبارات الألماني، بل لأنه كان أيضاً سفير الاستخبارات الألمانية المقيم في دمشق ولفترة طويلة في التسعينات، اكتسب خلالها خبرة واسعة في الملفات العربية وشبكة مهمة من الأصدقاء على مستويات مختلفة».
ويقول مسؤول سابق في الاستخبارات الفرنسية إن كونراد عمل بجد من خلال جهد واسع بذلته الـ «بي.ان.دي» على احتلال موقع أجهزة الاستخبارات النمساوية، التي كانت تعمل كقناة اتصال وصفقات طيلة السبعينات والثمانينات، بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية، وخصوصاً جماعة فتح المجلس الثوري (أبونضال).
كونراد لم يضيع الوقت منذ أغسطس 2006. تلقى تكليفاً رسمياً من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لإعداد الصفقة والبدء بوساطة بين حزب الله وإسرائيل، وهو ما أكسب وساطته مصداقية كبيرة لدى جميع الأطراف، وهامشاً كبيرة للمناورة. وقطع أكثر من 700 ألف كيلومتر جواً خلال 18 شهراً، بين نيويورك وتل أبيب وبيروت وعواصم أوروبية عديدة.
يقول ديتل إن كونراد مع ذلك لا يزال يعمل للاستخبارات الألمانية، على الأرجح، ولكن ليس كعميل متفرغ، وإنما كخبير متعاقد ومستكتب.
وأرسلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وزير الخارجية فرانك فالتر شتاينماير للقاء الرئيس السوري بشار الأسد في يناير من العام 2006، ودعم الوساطة التي يقوم بها كونراد. إذ كانت ميركل تعمل على استخدام جهود كونراد ونجاح العملية لزيادة التأثير الألماني في هذه المنطقة لكنها أرادت أن تضع كونراد تحت تصرفها.
واجه كونراد صعوبات أيضاً مع الخارجية، التي أرادت الإشراف على العملية، وتحديد خطوط الاتصال التي يتولاها، على عكس ما كان عليه الوضع في العمليات الماضية، في التسعينات، عندما كان المستشار الألماني السابق يترك للاستخبارات ولسفيرها في دمشق ملء الحرية في اختيار مفاوضيه واستخدام رصيد هلموت كول الشخصي، ودفتر أرقام هواتف أصدقائه العرب، من أجل تسهيل مهمته.
وغيرهارد كونراد، كما يقول عارف بالملف، قد يكون أنجز صفقة التبادل وحصل على الموافقة الأخيرة من حزب الله ومواعيد تنفيذها في العشرين من الشهر الماضي.
وأبلغ في باريس في الحادي والعشرين من الشهر الماضي الوسيط الإسرائيلي عوفر ديكل، الذي كان يمضي إجازة مع زوجته، بقرب إعلانه التوصل إلى هذا الاتفاق. وقد يكون سلم في باريس الصور الأخيرة للجنديين الإسرائيليين الأسيرين، والتي تفصح عن مصيرهما.