ألقى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ظلاله على قمة باريس التي شهدت رسميا إطلاق الاتحاد من اجل المتوسط الذي يرسي علاقات أوثق بين دول شمال وجنوب المتوسط حيث تسبب في تعديل صياغة الإعلان الختامي للقمة في اللحظة الأخيرة، وقد اعترف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بانه «مازال هناك عمل كبير يجب القيام به لاحلال السلام».
فيما انتقد مسؤولون فلسطينيون تجاهل «البيان الختامي» الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وأبرزها إقامة دولة فلسطينية كما لم يتم حسم مسألة اختيار مقر للأمانة العامة الذي يتنافس عليه المغرب وتونس واسبانيا ومالطا، بينما كان ابرز ما ورد في البيان الختامي التعهد باخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.
وواجه الاتحاد من أجل المتوسط الذي أطلق وسط ضجة إعلامية كبيرة في باريس تحت شعار السلام والتنمية، عددا من المشاكل الاساسية المتعلقة بعمله بينما عليه أن يبرهن على انه قادر على مواجهة التحديات في واحدة من أكثر المناطق توترا في العالم. وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي استضاف القمة التي شارك فيها قادة 43 بلدا «حلمنا به والاتحاد من اجل المتوسط أصبح الآن حقيقة»،. لكنه اعترف بانه «مازال هناك عمل كبير يجب القيام به. وقال «إن المال متوافر، ما نفتقر إليه هو السلام»
من جهته، رأى وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في القمة «حدثا رائعا»، لكنه عبر عن أسفه للخلاف الإسرائيلي الفلسطيني الذي أضر أصلا بالسنوات الأخيرة من التعاون الأوروبي المتوسطي وتسبب في تعديل صياغة الإعلان الختامي للقمة في اللحظة الأخيرة. وتابع وزير الخارجية الفرنسي «في اللحظة الأخيرة وربما قبل نصف ساعة، فشلنا في الاتفاق حول كلمة واحدة»، موضحا ان هذه الكلمة تتعلق «بالدولة +القومية+ الديمقراطية».
واوضح كوشنير ان «القومية تنطوي على صعوبة مرتبطة بعودة اللاجئين الفلسطينيين ودولة يهودية أو غير يهودية. باختصار هذا الامر (ادراج توصيف الدولتين في الإعلان الختامي) لم يتم». واكد الوفد الفلسطيني هذا الخلاف. وقال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي «الإسرائيليين أصروا على إدراج عبارة ( دولة للشعب اليهودي ) وهذا ما عارضناه بشكل قاطع». وأضاف «من غير الوارد بالنسبة لنا قبول ذلك».
و انتقد فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية وأمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح « تجاهل البيان الختامي لقمة الاتحاد من أجل المتوسط الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وأبرزها إقامة دولة فلسطينية». وأضاف أن «البيان اقتصر على نتائج (مؤتمر) أنابوليس وبيانه الصحافي في شهر نوفمبر 2007 في لشبونة الذي أسقط الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني».
من جهته، اكد مسؤول إسرائيلي في باريس طالبا عدم كشف هويته ان الوفد الإسرائيلي «موافق على كل ما أقر في الإعلان الختامي لانه أقر بالتوافق».
ويفترض ان تحتل القضايا المرتبطة بمؤسسات الاتحاد حيزا كبيرا في أعمال إنشاء الاتحاد من أجل المتوسط في الأشهر المقبلة. ولم تحسم مسألة اختيار مقر للأمانة العامة الذي يتنافس عليه المغرب وتونس واسبانيا ومالطا. وسيلتقي وزراء خارجية الاتحاد في نوفمبر لتسوية هذه المسألة.
ولم تحسم ايضا مسألة تمويل المشاريع الاقليمية المخصصة لاعطاء طابع عملي للاتحاد، اي البيئة والنقل والدفاع المدني. إلا أن رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو رأى ان الحيوية التي سيخلقها الاتحاد ستساعد في الحصول على «موارد إضافية».
وفي البيان الختامي للقمة، اتفق رؤساء الدول والحكومات على العمل سويا بشأن سلسلة من المشروعات العملية التي ستصب في صالح المنطقة. ومن بين هذه المشروعات الاتفاق على الحد من تلوث البحر المتوسط وإقامة طرق بحرية وبرية سريعة تربط دول المنطقة وتنسيق الرد على الكوارث، وتعزيز جهود تطوير الاستفادة من الطاقة الشمسية.
وتوصل القادة في باريس بعد عناء إلى حلول وسط حول البيانات المتعلقة بمحاربة الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وجاء في البيان أن «الأطراف ستسعى من أجل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية ووسائل إطلاقها بصورة متبادلة ويمكن التحقق منها بفعالية» مضيفا أنهم سيدرسون أيضا « خطوات عملية» لمنع انتشار هذه الاسلحة.
ومنح الاتحاد دول جنوب حوض المتوسط دورا أكبر مما قامت « عملية برشلونة » في اتخاذ القرارات من خلال الرئاسة المشتركة للاتحاد. وسيكون أول رئيسين هما فرنسا بصفتها الرئيس الدوري الحالي للاتحاد الأوروبي ومصر.
وفي تسوية اخرى لن تحصل جامعة الدول العربية على وضع مراقب رسمي لكن سيتم دعوتها لحضور اجتماعات الشراكة الأوروبية المتوسطية المعروفة باسم عملية برشلونة. وتمت الاتفاق على دراسة قضايا التغير المناخي والبيئة وتوفير المياه والطاقة والهجرة والحوار بين الحضارات باعتبارها المجالات الاساسية للتعاون.
واتفق المشاركون على تنظيم قمة كل سنتين مرة في الاتحاد الأوروبي ومرة في احدى الدول الشريكة الاخرى. سيكون للاتحاد من اجل المتوسط رئاسة مشتركة تتولاها عن الجنوب لسنتين دولة تختارها البلدان الجنوبية. اما الشمال فلم يحسم مسألة مدة الرئاسة، ويمكن ان يمول الاتحاد من اجل المتوسط من مصادر عدة: مساهمة القطاع الخاص والميزانية الأوروبية ومساهمة كل الدول المشاركة او دول اخرى، البنك الأوروبي للاستثمار...
الى ذلك، انتقد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة شحّ الإستثمارات الأوروبية نحو منطقة شمال إفريقيا، مبرزا أن الواقع غير ذلك بخصوص تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع دول أميركا الجنوبية وتعامل اليابان مع دول آسيا.
وقال بوتفليقة بخصوص مشاركته في قمة الإعلان الرسمي للاتحاد من أجل المتوسط أمس الأحد بباريس «إن الإرادة السياسية التي أبدتها الحكومات (الأوروبية) قصد زيادة حجم الاستثمارات لم تجد للأسف الشديد الدعم الكافي من طرف الفاعلين الاقتصاديين».
وقال إن«الاتحاد الأوروبي الذي حدّد كل موازناته المالية لغاية 2013 لا يتوقع التزامات مالية معتبرة على المدى القصير ومثل هذا الموقف لم يخل من إثارة تساؤلات مشروعة بشأن الإرادة الحقيقية للاتحاد الأوروبي في الإسهام بشكل حاسم في تأهيل بلدان الضفة الجنوبية من المتوسط حيث من المقرر فقط أن تجند البلدان المعنية التمويلات من خلال المشاريع بما في ذلك من خلال اللجوء لسوق الرساميل ».
وأضاف أن قمة باريس «شكلت إذن مرحلة أولى في مسار يهدف مبدئيا إلى تعزيز مسار برشلونة ومنح التنمية مكانة معتبرة سيما فيما يتعلق بالتنمية البشرية وتنقل الأشخاص...ويبدو في الحال أننا حيال بعث لمسار برشلونة مع بعض التجديد.