أثارت مسألة انتحار الطلبة والاتهامات بالفساد على خلفية تسريب وبيع أسئلة الامتحانات في مصر ذعراً كبيراً في أوساط الأهالي الذين بات العديد منهم يرافقون أبناءهم لأداء امتحانات الثانوية التي ستحدد جزءا من مستقبلهم، إذ يتوقف على نتيجته نوع التخصص الذي سيتمكنون من دراسته في المرحلة الجامعية.
ويعتبر التعليم الجامعي خصوصاً في كليات الهندسة والطب الحكومية وسيلة لصعود السلم الاجتماعي في بلد يعيش أكثر من عشرين بالمئة من سكانه تحت خط الفقر. ويعتبر الامتحان بالغ الأهمية بالنسبة للأهالي الذين يستثمرون جزءا كبيرا من دخولهم في الدروس الخصوصية بسبب انهيار النظام التعليمي وازدحام الفصول وإحباط المدرسين الذين يتلقون أجورا زهيدة ومدارس ينقصها كل شيء.
وينتمي غالبية التلاميذ الذين يمتحنون الثانوية العامة على سنتين إلى الطبقات الوسطى والفقيرة. ويستطيع التلاميذ الميسورون الالتحاق بمدارس خاصة تعلم الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
وبسبب الضغوط التي تصاحب الثانوية العامة، انتحر هذا العام تلميذان، فقد شنق حسن محمد يسري (16 سنة) نفسه في شقته في القاهرة بعد 24 ساعة من أدائه امتحان الرياضيات. وألقت مرهان هاني سالم (18 سنة) نفسها من الدور السادس صباح امتحان مادة الميكانيكا.
وقال مسؤول امني لوكالة «فرانس برس» ان «الأهالي قالوا للشرطة إن التلميذ والتلميذة تعرضا لضغوط نفسية وعصبية شديدة في الأيام السابقة للامتحانات».
وفي يونيو، حيث تعلن التعبئة في الأسر التي يدخل احد أبنائها امتحان الثانوية، يخرج التلاميذ من الامتحان بعضهم باكيا والبعض الآخر غاضبا ويتجمعون أمام المدرسة لمراجعة امتحان الميكانيكا. وتخرج رانيا معهم والدموع في عينيها، وتصف الامتحان ب«الكارثة» ثم تدفن وجهها في صدر أمها التي تنتظرها خارجاً.
وهذا العام كان الضغط على التلاميذ أكثر من كل عام بسبب الصعوبة غير المتوقعة للامتحانات التي جاءت أسئلة بعضها من خارج المناهج الدراسية وتسرب نسخ من أسئلة الامتحان إلى الأهالي الأغنياء أو أصحاب النفوذ.
وقرر النائب العام عبد المجيد محمود إحالة 19 شخصا إلى المحاكمة بتهمة المشاركة في تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة التي يتم وضعها مركزيا ثم توزيعها بعد ذلك على المحافظات المختلفة.
وأثار تسريب الامتحانات قلقا عاما، وأجمعت الصحف الحكومية والقومية على إدانة ظاهرة تسريب الامتحانات والمطالبة بمعرفة أسبابها ومداها، وهي من المرات النادرة التي تتفق فيها الصحف على شيء.
وقال رئيس اللجنة التي وضعت منهج الفيزياء لطلاب الثانوية العامة مصطفى كامل محمد يوسف لصحيفة الأهرام الحكومية ان الامتحان جاء صعبا وتضمن أسئلة من خارج المقرر الدراسي وطالب بإجراء تحقيق. ونتيجة لتصريحات يوسف ومسؤولين آخرين، بات هناك اعتقاد شائع بأن الحكومة قررت ان تكون الامتحانات صعبة لأنها تنتهج سياسة متعمدة لتقليل عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات الحكومية.
وقالت سعاد بمرارة «لماذا لا يقولون لنا ببساطة إن أبناءنا ليست لديهم فرصة لدخول الجامعة؟». ونشرت صحيفة المساء الحكومية كاريكاتيرا يظهر فيه رجلان يتبادلان الحديث ويقول احدهما ان «عمل الحانوتية (الذين يقومون بدفن الموتى) منتعش هذه الأيام، فالذين يفلتون من ارتفاع الأسعار سيموتون كمدا بسبب صعوبة امتحانات الثانوية العامة».
وتتأرجح مشاعر أهالي تلاميذ الثانوية العامة بين الغضب واليأس، وتقول سعاد وهي من أسرة ريفية ولها ثمانية أشقاء وشقيقات ولكنها تزوجت في السابعة عشرة من عمرها وجاءت إلى القاهرة أنها قررت الاكتفاء بطفلين حتى تتمكن من توفير مستوى معيشة لائق لهما. وتضيف «لو كنت اعلم أن هذه ستكون حالنا لبقيت في الريف ولأنجبت عددا اكبر من الأطفال وزوجت البنات بدلا من تبديد الأموال على تعليمهن».