لاشك أن العوامل المهمة في تفجيرات لندن تكمن في أن مسلمي بريطانيا لا يحصلون على القدر الكافي من التوجيه الإسلامي الصحيح في ما يتعلمون من مواد ومناهج دراسية وهو ما يعرضهم، وهم يسعون لتعويض هذا النقص في التوجيه الديني، لمؤثرات خارجية قد لا تخضع للضوابط الصحيحة.
ففرض قيود مشددة قد يدفع بالتطرف الإسلامي إلى أن ينشط في الظلام ويدفع المزيد من الشبان إلى أحضانه في غياب ثقافة الاندماج في المجتمع البريطاني وغياب أسس لتسوية مشاكل المهاجرين.
ويرى البعض أن ما دفع بهؤلاء الأشخاص إلى العنف مرتبط بالعنصرية أو العزلة أو الفقر، وأنهم اتجهوا إلى العنف كرد فعل جزئي لما يرون من غياب لاندماج المسلمين في المجتمع البريطاني، في وقت استغلت جماعات متطرفة الوضع لاحتوائهم لضرب من جهة المصالح الغربية ومن جهة أخرى تلطيخ صورة الإسلام. ولهذا فعلى المسلمين أن يكشفوا حقيقة الوضع وأن يواجهوا حقيقة أن المتطرفين يستخدمون الإسلام والقرآن لتبرير القتل.
ورغم محاولة أهل القرار في الغرب على التأكيد على التمييز بين الإسلام والإرهاب، وجهرهم باحترامهم للإسلام، وتكرارهم أنّ حربهم ليست حرباً على المسلمين، وأنّ لديهم ملايين من المسلمين لا ريب في انتمائهم إلى وطنهم، إلا أنّ المشكلة تكمن في انتشار العداوة تجاه الإسلام، وتستغل هذه العداوة لتوجيه سلوك أهل القرار ومبادراتهم.
ورغم أن البعض يحمل القاعدة المسؤولية الكبيرة فيما آلت إليه أحوال المسلمين سواء في أوروبا أو غيرها إلا أن هناك من يرى أن هجمات القاعدة لم تكن هي السبب الرئيس لأن الغرب كان يبحث عن عدو جديد بعد سقوط الشيوعية ووجد ضالته في الإسلام.
قبل الحادي عشر من سبتمبر فان 70 في المئة من العمليات الانتحارية قام بها نمور التاميل الذين يدينون بالديانة الهندوسية، وان الطيارين اليابانيين الذين فجروا طائراتهم بالسفن البحرية الأميركية كانوا يدينون بالديانة الشينتوية، ولم يربط أحد بين انتماء هؤلاء الديني وأعمالهم الانتحارية، بينما يصرون الآن على ربط الأعمال الانتحارية لمسلمين بالدين الإسلامي.
إن الاندماج من دون التفريط في عقيدتنا وأخلاقنا وشريعتنا وهويتنا الإسلامية مطلوب حتى نستثمر وجودنا للحفاظ على هذه الهوية من خلال حقوق المواطنة واكتساب آليات النجاح والتأثير.
تمر اليوم الذكرى الثالثة لتفجيرات أنفاق المترو في العاصمة البريطانية لندن في صيف العام 2005، فيما لا يزال خطر الإرهاب هاجسا كبيرا يقلق السلطات البريطانية التي نجحت في تعديل قوانين مكافحة الإرهاب إلا أنها لم تنجح بعد في إبعاد الخطر نهائيا.
فاعتقال السلطات البريطانية للمئات ممن تعتقد بعلاقتهم بتنظيم القاعدة منذ تفجيرات لندن لم يحقق نجاحا كبيرا في بث الاطمئنان في نفوس البريطانيين بالموازاة مع تعالي الأصوات داخل حزب العمال بضرورة التضحية برئيس الوزراء البريطاني غوردون براون على غرار ما جرى لسلفه توني بلير الذي حال الحزب دون إكمال ولايته الثالثة حتى نهايتها في ربيع 2010.
فبعد الهزائم الانتخابية المتتالية والنزول المتسارع وغير المسبوق في استطلاعات الرأي أصبحت رئاسة براون للحكومة ولحزب العمال الحاكم محل تساؤل، بدأت متاعب الوزير الأول البريطاني العام الماضي عندما تراجع عن الدخول في انتخابات مبكرة تبعها تراجعه وحزبه في استطلاعات الرأي وصولاً إلى هزائم ساحقة في الانتخابات البلدية والبرلمانية الجزئية.
الأصوات بدأت ترتفع مطالبة براون بالتنحي رغم غياب بديل قيادي مما يشير إلى أزمة قيادة قد يعرفها حزب العمال في الشهور القادمة، في وقت لم يتم بعد دحر الخطر الإرهابي الذي يهدد بريطانيا.
ومع ذلك، يرى البعض أن رئيس الوزراء البريطاني حقق الشهر الماضي انتصاراً برلمانياً صعباً حين أقر مجلس النواب بأغلبية بسيطة ووسط معارضة شديدة وصاخبة قانوناً يمدد من 28 إلى 42 يوماً فترة احتجاز المشتبه فيهم في قضايا إرهابية، إذ صوت 315 نائباً لمصلحة القانون الذي عارضه 306 من أعضاء مجلس العموم، وفي المقابل، صوت 30 من نواب حزب العمال مع المعارضة ضد المشروع الذي يدافع عنه براون منذ عدة أشهر.
وينص مشروع القانون على تمديد احتجاز المشتبه فيهم في قضايا إرهابية من 28 إلى 42 يوماً كحد أقصى من دون توجيه التهمة إليهم.
ورغم اعتقاد البعض أن السبب الرئيسي في التحول بتكتيك تنظيم القاعدة إلى التفكير بإيجاد موطئ قدم دائم داخل بريطانيا هو عدم حدوث أية تغييرات جوهرية على سياسة خليفة بلير في ما يتعلق بالتحالف الوثيق مع واشنطن إلا أن المتابع لتطورات السياسة البريطانية يلمس أشياء أخرى غير تلك التي تطفو على السطح تقف وراء هذا التحول فالانتقام من توني بلير الذي شارك الرئيس الأميركي جورج بوش في حروبه ضد أفغانستان والعراق أضيف إليه عوامل مغذية جديدة لتتسع دائرته .
ويشمل بريطانيا بأسرها وليس مجرد حكومة ما وذلك بعد قيام الملكة إليزابيث الثانية باستفزاز المسلمين في أنحاء العالم عبر تكريم الكاتب البريطاني سلمان رشدي صاحب رواية «آيات شيطانية» التي أثارت غضباً إسلاميا واسع النطاق في العام 1988.
فمثل تلك الخطوة من جانب الملكة فسرها بعض المحللين بأنها سياسة معادية للمسلمين متفق عليها داخل بريطانيا وليست مرتبطة بحكومة معينة، لذا اعتبر البعض التحذير الذي أطلقه الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري قبل أسابيع وتوعد خلاله بريطانيا بمزيد من الهجمات بأنه بداية التفكير في إنشاء فرع لـ «القاعدة» في بريطانيا.
إذ كشفت صحيفة «سكوتلند أون صنداي» البريطانية في تقرير نشرته في يونيو الماضي أن القاعدة غيرت من تكتيكاتها وركزت على تجنيد المئات من البريطانيين الذين اعتنقوا الإسلام في الآونة الأخيرة.
ووفقا للصحيفة فإن هذا الأمر يشكل مفاجأة غير سارة لأجهزة الأمن البريطانية بالنظر إلى أنهم من البريطانيين ذوى البشرة البيضاء وليسوا من أبناء الجالية الآسيوية التي دأبت القاعدة على استخدامها في السابق، وبالتالي يصعب التعرف عليهم أو اعتقالهم.
وانتهى التحقيق حول التفجيرات إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى أجهزة الاستخبارات في ما يتعلق بنقص مصادر المعلومات ولإهمالها التحقيق بشكل كامل مع قائد الخلية المهاجمة رغم كونه معروفا لها.
ويتضح من نتائج التحقيقات أنها ركزت على القصور الأمني ولم تتطرق للسبب الحقيقي الذي جعل بريطانيا مهددة دائماً، حيث أعلن وزير الداخلية البريطاني السابق جون ريد أنه تم إحباط «4 مخططات كبرى على الأقل» بعد اعتداءات 2005 منها إحباط مخطط لتفجير طائرات في الجو بين بريطانيا والولايات المتحدة في 10 أغسطس 2006. وفي 30 يونيو 2007 اصطدمت سيارة مشتعلة بمبنى في مطار غلاسكو الدولي في اسكتلندا.
تغيير في السياسة؟
بدا أن هناك رغبة عامة بين رجال الاستخبارات لعدم القبول بأن جبهة إسلامية جديدة ربما فتحت في أوروبا الغربية. وربما كان الناس العاديون أسرع للارتياب في ما يحدث، فإذا كان الهجوم يحمل بصمات القاعدة ويتوافق مع هجماتها في أماكن أخرى، فإن المرجح أن المنفذ الحقيقي لهذا الهجوم هو القاعدة فعلا. وحتى الآن من غير المعروف يقينا الجهة المسؤولة عن الهجوم.
وهو ما يجعل التعليق على الهجمات أكثر خطورة من المعتاد. ولكن حتى لو تضاءلت احتمالات القاعدة مرة أخرى في تلك القضية، فإن أوروبا مازالت بمواجهة تهديد من الإسلاميين، وإذا تأكد التهديد، فسيعني ذلك أن الخطر أقرب من أي وقت مضى والتداعيات ضخمة.
تزايد الكراهية
وفي هذه الأجواء، كشف تقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أن جرائم الكراهية ضد الجالية المسلمة في بريطانيا شهدت زيادة كبيرة خاصة في المدن التي تتركز فيها أقليات عرقية مثل غرب يوركشاير وغرب ميدلاندز.
وأوضحت أن عدد الهجمات التي استهدفت أماكن الجالية المسلمة زادت في يوركشاير من 242 في يوليو 2005 إلى 503 خلال الشهر الستة الماضية من العام 2008، وفي غرب ميدلاندز وفي بيرمنغهام تزايدت الاعتداءات بنسبة 46 في المئة، بينما شهدت ميرسيسايد زيادة بنسبة 76 في المئة. وعلى مستوى بريطانيا ارتفع عدد الحالات خلال الفترة نفسها من 3355 إلى 4160 بزيادة قدرها 24 في المئة.
وعرضت الصحيفة أكثر هذه الاعتداءات حدة والتي وقعت في يوركشاير، حيث جرح اثنان من عمال أحد المطاعم الآسيويين المسلمين بعد تعذيبهم على يد جماعة عنصرية.
ويرى المحللون أن من الأسباب الأخرى التي ساعدت على تصاعد جرائم العنصرية ضد المسلمين ظهور دعوات من مسؤولين بريطانيين تطالب برحيل المسلمين حيث تبنى جيرالد هاوارث النائب عن حزب المحافظين موقفا شديد العنصرية بمطالبته برحيل المسلمين من بريطانيا قائلا إن «كنتم لا تحبون طريقتنا في الحياة فلترحلوا إذن».
بريطانيا تتوقع 10 أضعاف السجناء
كشفت صحيفة «التايمز» قبل أيام أن الوزراء البريطانيين يتوقعون زيادة بعشرة أضعاف في عدد سجناء الإرهاب في السجون خلال السنوات التسع المقبلة.
وأضافت الصحيفة نقلا عن وثيقة حكومية أن عدد هؤلاء السجناء سيناهز 1600 مع حلول العام 2017.. فيما لا يتعدى عدد السجناء بتهم متعلقة بالإرهاب في بريطانيا حالياً 131 سجيناً.
على صعيد آخر، قال جيل دو كيرشوف الذي عين في سبتمبر الماضي لتنسيق سياسات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب لأعضاء في البرلمان الأوروبي إن «وقوع هجوم تنفذه شبكات محلية أو دولية ما زال أمرا محتملا». وأضاف قائلا إن «القاعدة... لاتزال أخطر تهديد تواجهه أوروبا».