يستمد هذا الكتاب أهميته من أن مؤلفه جمع بين التأصيل النظري العميق، باعتباره أحد ابرز المنظرين الاقتصاديين الأميركيين، وبين عمله في مواقع ميدانية لها صدارتها كتولي منصب وزير العمل في إدارة كلينتون، وهكذا فإنه في تصديه لمعالجة القضايا الكبرى التي يتناولها في كتابه وفي مقدمتها أزمة النظام الرأسمالي يركز على قضايا الحياة اليومية التي تدخل في حيز اهتمامات رجل الشارع العادي والبسيط، ليس في أميركا وحدها، وإنما في مختلف أرجاء العالم.
لكن ذلك لا يمنع المؤلف من الانطلاق إلى جوانب بالغة الأهمية، فهناك على سبيل المثال العلاقة الدقيقة والمعقدة بين التطور الرأسمالي وبين المسيرة الديمقراطية، حيث يلفت المؤلف نظرنا إلى أن النجاح الاقتصادي ليس بالضرورة مرادفا للصعود في معراج التجربة الديمقراطية، وهو يضرب أمثلة واقعية تماما من واقع تجارب التنمية والتطوير على امتداد العالم. ويشدد على مجموعة من العناصر المهمة، أبرزها الأسرار الكامنة وراء وصول الرأسمالية إلى ما يوصف بمرحلة التوحش، ولا يقل عن ذلك أهمية التأكيد على أن جوهر الديمقراطية لا يكمن في الانتخابات، وإنما في منع استغلال البشر. بعد بضعة اشهر ومع حلول عام 2009، ينقضي عقدان من الزمان على سقوط جدار برلين الذي كان يشكل حاجزا ـ رمزيا وماديا ـ يفصل بين الشرق والغرب.وبديهي إن لم يكن هذا الانفصال حالة، مجرد حالة اختلاف بين اثنين من الجهات «الأصلية» أو المناطق الجغرافية: لقد كان خلافا، جذريا بكل معنى بين نهجين في الفكر والإنتاج والأيديولوجيا والحياة بشكل عام، وبالتحديد بين النظرية الماركسية وتطبيقها الشيوعي في المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي وبين النظرية الليبرالية وتطبيقها الرأسمالي في المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
وعندما سقط جدار برلين ـ أو عندما أسقطته المعاول المتحمسة، جاء هذا السقوط إيذانا بانتصار مؤزّر فعلا وفوز مبين بكل معنى للرأسمالية ـ الليبرالية على الشيوعية ـ الماركسية، غريمها التاريخي ومنافسها على عقول وقلوب شعوب شتى في شرق العالم وفي غربه على السواء.
وكان طبيعيا أن يفضي هذا الأمر إلى تداعي الكيان السوفييتي ـ الديناصوري كما قد نسميه ومن ثم زواله ليصبح مجرد ذكرى في دفتر تاريخ القرن العشرين.. فيما كان طبيعيا أن ترتفع أعلام الرأسمالية ونهجها الليبرالي وتكريسها للنشاط الخاص سواء في أرجاء العالم بشكل عام أو في ربوع الولايات المتحدة ودوائرها السياسية والاقتصادية بشكل خاص.
وربما دامت هذه «الحالة» نحوا من عشر سنوات هي بالذات سنوات عقد التسعينات التي شهدت ازدهار الاقتصاد الأميركي خلال حقبة الرئيس كلينتون فيما ظلت تشهد تطبيق «وصفات» صندوق النقد الدولي الموجهة خصيصا إلى الأقطار النامية والفقيرة في العالم الثالث، تحثها على الانضواء تحت ألوية هذا النهج الرأسمالي، المنتصر كما ألمحنا.
حيث يتم تكريس نهج الخصخصة والإمعان في استبعاد الدور الفاعل للدولة والتأكيد على ترك حال الأسواق لقانون العرض والطلب، وهو ما تم تحت رايات حملت في تلك الفترة شعار ضرورة «التكيف (أو التصحيح) الهيكلي» لاقتصادات الدول والشعوب النامية كي تلحق بقطار لاهث السرعة، باهر الجاذبية حمل دوره باسم «العولمة».
ولكن رغم دعاوى التبشير بوعود النجاح، ومن ثم أحوال الرغد والازدهار، فالحاصل أن عادت الأحوال في العالم.. وفي حالة الشعوب النامية ـ الفقيرة بالذات، لتنذر بأخطار محدقة وجسيمة، وخاصة في مجال عجز موارد الكرة الأرضية عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية لسكان هذه الكرة المعمورة، وفي مقدمتها بداهة احتياجات الغذاء.
وهكذا بدأت تتردد بالأمس القريب دعوة الأوساط الدولية المسؤولة، ومنها بالذات دعوة الأمين العام للأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر عالمي شامل لبحث أزمة الغذاء المحتدمة حاليا في العالم.
والمعنى من هذا كله أن النهج الرأسمالي لم يعد كافيا، أو أن تطبيق الرأسمالية بحرْفية نصوصها لم يف بالوعود المعقود عليها.. أو أنها لم تعد مرادفة بشكل تلقائي للكفاية ناهيك عن الوفاء أو الرخاء.
مسألة أخرى تتمثل في المطابقة بين الاقتصاد والسياسة.. ويترجمها المعنى الذي ظلت تروج له الأوساط السياسية والميديا في أميركا بل وفي غرب أوروبا بشكل عام.. ومؤداه أن الأخذ بالرأسمالية في دنيا الاقتصاد هو الكفيل دون غيره بسلامة الأخذ بالليبرالية والديمقراطية في عالم السياسة.
وفي غمار هذا كله، وعلى ضوء النتائج التي أفضت إليها تجارب وأحداث التسعينات، وقد بات العالم يعايشها في هذه السنوات الأوائل من القرن الجديد،. كان لابد أن تخضع كل هذه الأطروحات النظرية وما ارتبط بها من تطبيقات عملية في أرض الواقع للدرس والنقد وللمراجعة التمحيص.
وبالمناسبة، فتلك شيمة تتميز بها الأقطار المتقدمة النمو ـ في أوروبا وأميركا.. ميزة أن تخضع تجربتك للمراجعة والانتقاد ـ أن لا يغرنك أبواق المديح وضجيج المهرجانات والكرنفالات المنصوبة في أسواق الغزل السياسي من أجل تعداد المآثر والتغني بما تراه في حكم الانجازات.
ثمة أزمة في النظام الرأسمالي وهي أزمة يواجهها العالم، وتعيشها أميركا بحكم موقعها القيادي من أحوال هذا العالم وقضاياه.
وعندنا أن هذه المراجعات هي ظواهر صحية في التحليل الأخير، بقدر ما أنها لابد أن تشكل أمام العرب.. عبر مستوياتهم المختلفة، ما بين صانع القرار أو راسم السياسات أو النخب المثقفة المهمومة بقضايا شعوبها ومشاكل أمتها ـ دروسا مستفادة وعبرة مستقاة تدفع إلى متابعة ما يعمد إليه هذا «الآخر» في غرب عالمنا من دراسة مسيرته منطلقا من فضيلة النقد الذاتي.. لهذه المسيرة ـ فضلا عن انسكاب أو اتساق تأثير هذه المسيرة لتمس في الصميم مصالحنا وقضايانا ومن ثم مستقبل أجيالنا في الوطن العربي الكبير.
من بين هذه المراجعات صدور الدراسة التي نشرتها مؤخرا الكاتبة «نعومي كلاين» عن الرأسمالية المتوحشة وما أفضت إليه من مشاكل، بعضها في حكم الكوارث على حياة الناس في أميركا بل وفي العالم بشكل عام.
ثم يأتي في مقدمة تلك المراجعات هذا الكتاب الذي نحرص على تحليل أطروحاته في هذه السلسلة من الأحاديث، وقد شاء مؤلفه أن لا يصدم القارئ بإيحاءات عن التوحش أو فداحة النتائج..
لكنه اختار مصطلحا أكثر تحفظا هو: السوبر ـ رأسمالية.ثم ألمح المؤلف لقارئ الكتاب أن سطوره سوف تبحث في أمر تلك التحولات التي طرأت على دنيا التجارة والإنتاج وكان لها من ثم آثارها على ممارسة الديمقراطية بل وعلى حياة الناس اليومية بشكل عام.
الكتاب إذن يمس قضايا الحياة اليومية ومن ثم يدخل في حيز اهتمامات الإنسان، المواطن العادي.. ومع ذلك فهو صادر عن واحد من أبرز أساتذة الفكر الاقتصادي في أميركا.. هو البروفيسور «روبرت ريتش».
ولعل العامل الإيجابي الذي يصون، أو فلنقل ينقذ، هذه النوعية من الكتب العميقة والمتخصصة هو أن كاتبها لم يكن ليطل على قضايا الاقتصاد من برج الأكاديميات العاجي الذي قد يتحلى برصانة البحث.. ولكن قد يعاب عليه عدم التعاطي المباشر مع قضايا الناس..
إن البروفيسور ريتش أستاذ في جامعة كاليفورنيا ولكنه عمل وزيرا للعمل في حكومة الرئيس كلينتون فكان أن جمع بين خبرة الميدان العملي ورصانة البحث العلمي..
ومن ثم فهو مؤهل في رأينا، وفي رأي جمهرة من النقاد والمحللين بأن يتناول الأحوال التي آل إليها تطبيق النهج الرأسمالي على امتداد السنوات الست أو السبع عشرة الماضية ما بين حقبة كلينتون وحقبة بوش ومن منظور برغماتي كما قد نسميه بمعنى أنه يحرص على أن يُفاعل دوما بين الظاهرة الكائنة والمجسّدة في أرض الواقع العملي وإن ظل يخضعها بطبيعة الحال للدرس النظري المتعمق في جذورها وتجلياتها والنتائج التي أسفرت عنها.
لا عجب أن يلاحظ ناشر هذا الكتاب أهمية الدعوة التي يؤكد عليها المؤلف من ضرورة الفصل بين «البيزنس والسياسة».. بين مدير الشركة أو المؤسسة وبين وزير الحكومة أو عضو الكونغرس.. ذلك لأن الخلط بين رجل الأعمال أو رجل المشروع التجاري وبين رجل السلطة السياسية خطر يؤدي إلى تهلكة الفساد.
ولا عجب أيضا أن تتصدر أطروحات كتابنا سطور كتبها البروفيسور جوزيف ستغلتز الحاصل على جائزة نوبل وهو أيضا أستاذ مرموق لعلم الاقتصاد في جامعة كولومبيا يقول فيها: هذا كتاب تدعو إليه الحاجة الماسة بقدر ما تستدعي الأمور المبادرة إلى إعادة تقييم مسيرة الرأسمالية.. والى الخروج بتوصيات تفضي إلى إصلاح الفوضى التي نعيش فيها حاليا.
يتألف كتابنا من 6 فصول تسبقها مقدمة مسهبة تحمل عن عمد طبعا عنوانا لابد وأن يلفت انتباه القارئ من الوهلة الأولى: «التناقض»، ومع استهلال المقدمة يروي المؤلف حكاية ثلاثية الأبطال وإن كان مسرحها هو شيلي في أميركا اللاتينية.
أصل الحكاية من مارس عام 1975 حين هاجت أوساط الاقتصاديين والسياسيين في أميركا عندما قبل ملتون فريدمان دعوة بينوشيه لزيارة شيلي وإلقاء عدد من المحاضرات في العاصمة سنتياغو. والسبب؟
إن ملتون فريدمان كان يعد بمثابة «آدم سميث ـ العصر الحديث» بمعنى أن كان المبشر الأكبر والداعية الأول لاعتماد الرأسمالية نهجا اقتصاديا ونظاما يكفل تحقيق الديمقراطية.. ومن هنا كان البروفيسور فريدمان يرفض بل يمقت الإجراءات الاشتراكية التي كان قد اتخذها في شيلي رئيسها الاشتراكي المنتخب حينذاك ـ سلفادور الليندي ـ ومنها مثلا إعلان دولة الرفاه بإشراف الدولة وفرض قيود على الشركات العملاقة اعتبروها قيودا على حرية السوق.
لكن دعوة مارس 1975 جاءت بعد حدوث انقلاب عسكري في شيلي قام به الجنرال أوغسطو بينوشيه وهو الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الليندي بل أدى إلى اغتياله على سلالم القصر الرئاسي في سنتياغو.. وبعد شهرين من هذا الانقلاب جاءت الدعوة إلى فريدمان الذي تعرّض ـ كما ألمحنا مع مؤلف كتابنا ـ لعاصفة من الانتقاد في الصحافة الأميركية.
والحق ـ يؤكد المؤلف ـ أن فريدمان لم يكن يوافق على (وحشية) رجل شيلي القوي لكنه ذهب إلى هناك «لكي يحثه على تبني رأسمالية السوق الحرة».. وفي سلسلة من محاضراته في شيلي عاود فريدمان تأكيد إيمانه الأصيل بأن الأسواق الحرة ـ (بمعنى النظام الرأسمالي) هي الشرط الأساسي المسبق للحرية السياسية والديمقراطية المتواصلة.
فما الذي حدث إذن؟.. يجيب المؤلف قائلا: تبنى بينوشيه نصيحة فريدمان عن السوق الحرة ولكنه واصل مسيرة الديكتاتورية المتوحشة (غير الديمقراطية طبعا) على مدار 15 سنة أخرى.. ثم رحل الرجلان إلى العالم الآخر ولم يفصل بينهما سوى أسابيع قليلة في عام 2006.
ثم يعلق المؤلف قائلا: من بين دول العالم قاطبة، يُفترض في أميركا أن تكون أفضل نموذج يجسد فكرة التوافق والتوازي بين الرأسمالية والديمقراطية. ولكن السنوات الأخيرة شهدت توترا في العلاقة بين الجانبين (جانب الحرية الاقتصادية وجانب الحرية السياسية) والحاصل ـ يضيف المؤلف ـ أن رأسمالية السوق الحرة انتصرت.. لكن الديمقراطية هي التي أصابها الوهن والاستضعاف.
هذا هو التناقض إذن الذي يقف عنده مؤلف الكتاب: السوق الرأسمالية المفتوحة ليست رديفا بالضرورة للممارسة الديمقراطية الحرة. بل المسألة أعمق من هذا بكثير.
صحيح أن المؤلف يعود ليؤكد أن الحرية الاقتصادية هي شرط للديمقراطية.. لأن الديمقراطية تقتضي ـ في رأيه وجود مراكز أو دوائر خاصة للقوة والنفوذ الاقتصادي مستقلة عن السلطة المركزية (للحكومة ـ الدولة) وإلا لكان مقضيا على أي معارض لتلك السلطة المركزية أن يتضور جوعا.. إلا أننا عايشنا مع هذا كله حالات وتجارب عبر العقود الزمنية الأخيرة، وفي جنوب شرقي آسيا بالذات ـ تشهد بأن الديمقراطية قد لا تكون لازمة للرأسمالية.
في هذا الصدد يقول المؤلف أيضا: انظر مثلا إلى الصين: أصبحت ثاني دولة رأسمالية في العالم بعد أميركا وسوف يتفوق اقتصادها على أميركا ذاتها في غضون 20 سنة أو نحوها طبقا لمعدل النمو الحالي.. ومع ذلك فالصين لم تأخذ قط بحكاية الحرية السياسية وإن أخذت بمبدأ حرية السوق.
الصفحات: 272
الكتاب: السوبر رأس مالية
عرض ومناقشة:محمد الخولي
الناشر: نوف ـ نيويورك-2008