من القضية العراقية والصراع العربي الإسرائيلي تنتقل مادلين أولبرايت إلى الحديث عن الهوس الذي يشغل الولايات المتحدة بأكملها على نحو قد يكون مبالغا فيه وهو الخاص بالإرهاب والذي تحصره الولايات المتحدة في تنظيم القاعدة.
وهنا تقدم أولبرايت طيفاً واسعاً من النصائح للرئيس القادم. تستهل المؤلفة الحديث في هذا الخصوص بسرد يبدو كنوع من «الفانتازيا» حيث تقول: في الصباح المبكر من كل يوم خلال الأعوام الأربعة المقبلة، فإن مدير الاستخبارات الوطنية سيدخل مكتبك وفي يده وثائق وسيعرض عليك خيارا، إما أن تقرأها أو أن تستمع إليها. ومهما كان فإن ما تحتويه هذه التقارير لن يكون سارا.. فهذا عميل استخبارات سري غير معروف مدى مصداقيته قدم معلومات يزعم من خلالها معرفته بتفاصيل مؤامرة تتعلق بتفجير رحلة طيران فوق المحيط الهادي. وهذا مصدر آخر موثوق به يشير إلى أن خلية من القاعدة ربما في جنوب آسيا تخطط لعمليات إرهابية متوقعة في أوروبا أو الولايات المتحدة. وهذا موقع الكتروني تم إنشاؤه على الإنترنت يعلن اعتزامه اغتيالك، وقد اختفي الموقع في اليوم التالي، دون ان تكون هناك أية إشارات حول من يقف وراءه.
تدعو أولبرايت الرئيس إلى الحذر قائلة إنهم سيقدمون لك الكثير من المعلومات التي تثير القلق ولكن القليل منها دقيق. وفي انتقاد من طرف خفي لأداء الأجهزة الاستخباراتية تشير إلى أنه رغم جهودهم البطولية إلا أنهم لم يستطيعوا حتى الآن تحديد مواقع قادة القاعدة، كما لم يستطيعوا، على نحو مؤكد، معرفة كيف يتواصل كبار الإرهابيين.
وتضيف المؤلفة في معرض نصح الرئيس القادم التأكيد على أن (مسؤولية حماية شعبنا ضد الهجمات الإرهابية سوف تصبح منذ اللحظة التي تؤدي فيها اليمين الدستورية على عاتقك ) معربة عن تخوفها من أن يحاول الأعداء خلال رئاسته أن يبينوا أنهم ما زالوا على قوتهم وأن المعركة ما زالت مستمرة.
وتقول خلال المناقشات التي تدور في الحملات الانتخابية الأولى سيكون من بين الأسئلة التي ستوجه لك خطتك لهزيمة القاعدة؟ وستجد بغيتك في القول: الدفاع عن الوطن، نقل المعركة إلى أرض العدو، وكسب المعركة على الأفكار. وتضيف: والآن فإن الوقت هو وقت تحويل هذه الكلمات إلى أفعال.
من هذه الرؤية التمهيدية لوضع الرئيس المجهول في جوهر ما سيواجهه على صعيد القضايا الأمنية خلال فترة رئاسته المقبول تقول المؤلفة إن الدفاع التام عن الوطن غير ممكن، وهو ما يعني صعوبة الوصول إلى تحقيق الأمن بنسبة مئة في المئة، غير أنها توضح أنه على الرغم من كل ذلك يبقي أن ما تصفه بالأمن غير الجيد أفضل من لا شيء. وحسبها فإن كل هجمة يتم منعها قبل أن تستطيع أن تحقق هدفها بإيذاء أفراد أو قتلهم لا تقدر بثمن.
وفي إطلالة على التعامل الراهن مع قضايا الأمن والصراع على مخصصاته رغم احتلاله المرتبة الأولى في أجندة الإدارة الأميركية الحالية تقول أولبرايت في مذكرتها في محاولة للإشارة إلى ما هو قائم: لقد أعددت بالفعل إجراءات لزيادة التفتيش على محتويات السفن، والمفاعلات الكيمائية،.
وغير ذلك لضمان عدم تسرب أية متفجرات، أو نجاح أية محاولة إرهابية، والآن فإنك يجب أن تذهب إلى الكونغرس للحصول على الأموال التي يجب تخصيصها من أجل مثل هذه المبادرات، غير أنه من المحزن، أنه منذ 11 سبتمبر أننا تعاملنا مع الأمن الوطني باعتباره منحة سياسية.
وتضيف أن أموال الدفاع الوطني سواء تم توزيعها على نحو صحيح أم لا، من الصعب أن تهزم القاعدة وجميع حلفائها، في تأكيد على ما تراه لاحقا صعوبة هزيمة الأعمال التي تراها واشنطن إرهابا حتى ولو بالوسائل العسكرية.
وهو ما يشير إلى ان المؤلفة تدعو الرئيس القادم إلى تعزيز ما أصبح دارجا في الأوساط الأميركية بتوصيفه «حرب الأفكار»، في ضوء حقيقة أن تخصيص مزيد من الأموال والأداة العسكرية يمكن لهما الحد من الإرهاب، من خلال ما تسببه هذه الأداة الأخيرة بالذات من ألم للإرهابيين من خلال تدمير خلاياهم والقضاء على إمكانياتهم إنشاء ملاجئ آمنة حيث يمكنهم العمل والإعداد لعملياتهم.
على صعيد الواقع تشير المؤلفة إلى ما تراه من أنه على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقاعدة فيما بعد أحداث سبتمبر فإن التنظيم أعاد تشكيل نفسه على طول حدود أفغانستان وباكستان، كما أنه نجح في تسخير الغضب الناجم عن حرب العراق في زيادة قاعدته فضلاً عن استخدامه الانترنت على نطاق واسع لنشر رسائله.
ثم تتطرق إلى الأبعاد الفكرية لنجاح القاعدة فتذكر أن التنظيم استطاع الحفاظ على بقائه بسبب قدرته على تصوير نفسه على أنه المدافع عن الإسلام ضد الصليبيين الاستعماريين والحكومات العربية التي لا تمثل شعوبها.
وقد تعاظمت قدرته الهجومية المحدودة جراء رغبة المجندين فيه في الموت ومن خلال الوجود الواسع المدى للأهداف التي يمكن العمل ضدها. أما على المستوى التكتيكي فإن التنظيم لا يواجه عبء الحاجة إلى الغزو أو احتلال أراض، فهو يستمد قدرته من أسطورته الخاصة - القدرة على البقاء رغم سنوات القمع من قبل أكثر عتاة العالم لجهة القدرة العسكرية، ومن خلال الدعاية الإعلامية التي يعرف التنظيم كيف يصل بها إلى المستهدفين.
وتشير إلى أن الإرهابيين استفادوا من حرب العراق والانطباع الذي خلفته بشأن بطش القوة الأميركية، مؤكدة أنه على الرغم من أن خصومنا المحتملين لا يشكون في قدرتنا على توجيه ضربة قاصمة لهم، فإنهم تعلموا كيف يحولون قدرتنا إلى سلاح ضدنا من خلال تصوير التدمير ونقل صور ما حدث إلى العالم خاصة عندما تحول المدنيين ليصبحوا ضحايا لعملياتنا.
وهو ما يجعلها تنتقد التعاطي الأميركي في مناطق مثل العراق، معتبرة أن هذا التكتيك السياسي عندما يتزاوج مع الهجمات الانتحارية والتخريب واحتجاز الرهائن ربما لا يستطيع كسب معارك تقليدية، ولكنه يعقد قدرة الولايات المتحدة على زعم الانتصار فيما يطلق عليه القائمون على إعداد خطط الدفاع الأميركية أنه حرب طويلة الأمد.
من هذا العرض تخلص إلى أهمية «حرب الأفكار» قائلة: وهذا هو السبب في ضرورة أن يكون العنصر الثالث في برنامجك يجب أن يكون مشروعك. فإذا ما تم كشف القاعدة وعزلها فإن ذلك سوف يوقف نموها، كما يمكن أيضا أن يخفض من الضغوط على قواتنا العسكرية ويعزز من قدرة دفاعنا الوطني.
وتعرج المؤلفة على سياسات الإدارة الحالية في التعامل مع قضايا الإرهاب والأخطاء التي شابتها فتذكر أن رسالة بوش إلى العالم والتي تمثلت في إنه «إما أن تكون معنا أو ضدنا». كانت رسالة ملائمة إذا ما بقي تحديد الرئيس للعدو ثابتا،.
وهو ذلك الذي يقوم بالحرب على الناس الأبرياء، غير أنها تشير إلى أن الرئيس بوش وسياساته أدى إلى ما يمكن اعتباره تشتيت الانتباه العالمي على نحو انتهى بتشويه الموقف الأميركي. ففي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تركز فيه على أن تطلب من الآخرين أن يقفوا إلى جانبها في مواجهة بن لادن، كانت تطلب في الوقت ذاته من هؤلاء أن يتغاضوا عن قضية أبو غريب، وأن يقبلوا الأوضاع التي تجري في غوانتانامو وتأييد غزو العراق والرؤية الأميركية للشرق الأوسط.
يأتي ذلك في الوقت الذي تعرض فيه القاعدة للعالم الأمر على أنه مواجهة بين معاناة المسلمين وعدوانية الولايات المتحدة، وهو ما ترك الكثير من الناس في حالة ارتباك، حيث إنهم لا يريدون تبني تكتيكات القاعدة ولكنهم لا يريدون كذلك الوقوف مع الولايات المتحدة، وهو ما كان يعني في النهاية تحويل الحلفاء إلى مشاهدين.
تقول أولبرايت : إن الحرب الدينية والشهادة والإرهاب أصبحوا جزءاً من تاريخ الإنسانية على مدار التاريخ، فالفلسفات تتشابه، ومع ذلك فإن القاعدة تطورت خلال الفترة الماضية وراحت تقدم نفسها على انها عودة إلى الإسلام الحقيقي، رغم أنها تعد نسخة متشددة منه.
وتضيف : ورغم عدائها للغرب فقد وجهت غضبها الأساسي إلى الزعماء السياسيين في العالم العربي، معتبرة أن هدفها إشعال حرب دينية ترى نفسها من خلالها المدافع الحقيقي عن الإسلام. إنها تضرب في الغرب من أجل استثارتنا على الضرب في الخارج وبقوة أكبر على نحو يجعل من الشهداء الجدد يولدون ويمثل دليلا جديدا على أن الإسلام تحت الحصار. وهي تقامر في فعلتها تلك في ضوء أنه في مقابل كل إرهابي يقتل فإن الكثيرين أو آخرين كثيرين سوف يتطوعون من أجل الانتقام.
وتؤكد أن سياسات الولايات المتحدة يمكن لها أن تختلف مع ذلك من خلال تصعيب مهمة الإرهابيين الوصول إلى مجندين جدد، مؤكدة أن الإرهابيين، ليسوا مثل قرد داروين، يتطورون طبيعيا، وإنما هم يخلقون من طينة طرية من الظروف والأحداث.
ثم تتوجه أولبرايت إلى الرئيس المقبل قائلة: إن واحدة من أكثر مهامك جسامة سوف تكون التراجع عن الإرباك الذي أحدثه الرئيس بوش بشأن من نحاربه؟ وكيف نحاربه؟
مشيرة إلى الخطأ الذي وقعت فيه الإدارة الحالية بمعاملة كل مجموعة غاضبة من المسلمين على أنها جزء من التهديد الإرهابي الذي تمثله القاعدة.. فكلهم متشابهون في الاعتقادات ومتساوون في الخطأ وكلهم خطر علينا.
وتؤكد: إن ذلك قد يكون متوافقاً وملائماً لإدراك بوش الذي يقوم على تقسيم العالم إلى أبيض وأسود، ولكن السياسات العالمية للدولة الأكثر قوة لا يمكن أن تقوم على الخيال. ولعدة أعوام تصرف بوش كما لو أن الخصوم الضارين.. القاعدة، طالبان، وأنصار صدام حسين، وملالي إيران، حزب الله، وحماس.. متآمرون.
إن الأمر ليس كذلك، ففي كثير من الأحيان توجد حالات عداء مميتة بين هذه المجموعات ذاتها، فضلاً عن أنها لا يحكمها رغم عدائها لنا أسس واحدة، فضلا عن تصادم مصالحها. ومنتقدة ما تسميه اندفاعة بوش إلى تقسيم العالم إلى «نحن» و«هم» تقول المؤلفة إن الرئيس بوش فشل في استغلال الميزة الماثلة في حقيقة أنهم فصائل يمكن أن تتحول ضد بعضها البعض، وأنه بدلا من معاملتهم على قدم وساق، يجب علينا بذل قصارى جهدنا من اجل الحفاظ عليهم متفرقين.
ثم توجه اللوم الكبير إلى فريق عمل بوش مشيرة إلى أن الرئيس ليس وحده المسؤول عن ذلك، أو أنه ليس الوحيد الذي بدا أداؤه مرتبكا، مضيفة أنه بعد سبع سنوات من أحداث سبتمبر فإن الأميركيين بشكل عام لا يتفقون على طبيعة العدو أو طبيعة الصراع الذي خضناه وانخرطنا فيه. هنا تذكر أنه لدى عملها كوزيرة خارجية في إدارة كلينتون جرى نصحها من قبل خبراء مكافحة الإرهاب بألا تستشهد بـ « بن لادن» بالاسم، أو أن تربط القاعدة بالإسلام، أو أن تشير إلى الصدام مع الإرهابيين على أنه حرب - وأن تستعمل بدلاً من ذلك تعبيرات صراع أو قتال أو معركة باعتبارها تعبيرات تبدو مقبولة.
وتقول إن الفكرة كانت أننا يجب أن نتجنب اللعب وفق ما يريده بن لادن. من خلال الارتقاء به إلى مستوى العدو الأكبر وأننا يجب ألا نعطي الإرهابيين الشعور بالرضاء عن أنفسهم وأنهم يمكن أن يقارنوا أنفسهم بجنود يقاتلون في معركة حقيقية.
إضاءة
تتطرق إلى الأبعاد الفكرية لنجاح القاعدة فتذكر أن التنظيم استطاع الحفاظ على بقائه بسبب قدرته على تصوير نفسه على أنه المدافع عن الإسلام ضد الصليبيين الاستعماريين والحكومات العربية التي لا تمثل شعوبها. وقد تعاظمت قدرته الهجومية المحدودة جراء رغبة المجندين فيه في الموت ومن خلال الوجود الواسع المدى للأهداف التي يمكن العمل ضدها. أما على المستوى التكتيكي فإن التنظيم لا يواجه عبء الحاجة إلى الغزو أو احتلال أراض، فهو يستمد قدرته من أسطورته الخاصة - القدرة على البقاء رغم سنوات القمع من قبل أكثر عتاة العالم لجهة القدرة العسكرية.
وتشير إلى أن الإرهابيين استفادوا من حرب العراق والانطباع الذي خلفته بشأن بطش القوة الأميركية، مؤكدة أنه على الرغم من أن خصومنا المحتملين لا يشكون في قدرتنا على توجيه ضربة قاصمة لهم، فإنهم تعلموا كيف يحولون قدرتنا إلى سلاح ضدنا من خلال تصوير التدمير ونقل صور ما حدث إلى العالم خاصة عندما تحول المدنيين ليصبحوا ضحايا لعملياتنا.
وهو ما يجعلها تنتقد التعاطي الأميركي في مناطق مثل العراق، معتبرة أن هذا التكتيك السياسي عندما يتزاوج مع الهجمات الانتحارية والتخريب واحتجاز الرهائن ربما لا يستطيع كسب معارك تقليدية.