قال المفكر القبطي المصري المعروف د. ميلاد حنا إن الأقباط يرفضون الحوار مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، لانه يشق المصريين، مشيرا إلى انه لا يوجد حوار بين الكنيسة والمؤسسات الدينية الإسلامية.

وأكد في حوار مع«البيان» انه يرفض توريث الحكم في مصر، كما يرفض أيضا ان يحكم البابا شنودة البلاد، مشيرا إلى ان هناك حفنة من رجال الأعمال تسيطر على الاقتصاد والحزب والنظام والدولة. تاليا نص الحوار:شهدت الفترة الأخيرة حالة من التوتر والتحفز ما بين الأقباط والمسلمين في مصر .. فكيف تقيمون أوضاع الأقباط في مصر خلال المرحلة الحالية؟ الأقباط موجودون في مصر وجود الهرم الأكبر ونهر النيل فهم ليسوا أمراً مستجداً على مصر، وأعتقد أن الأقباط جزء ومكون أساسي من نسيج الشعب المصري فلا تستطيع أن تري مصر بدون الأقباط فالصورة من دونهم لا تصح وتكون غير مقبولة وغير لائقة.

الأمر الثاني أن الأقباط والمسلمين موجودون بمصر عبر التاريخ وأغلب المسلمين كانوا من الأقباط وبالتالي فالأقباط جزء من النسيج المصري لهم بعض المشاكل ولهم بعض التحفظات ولهم بعض الاعتراضات.

كيف ترى الحوار بين المؤسسات الدينية الإسلامية والكنيسة وهل ترى أن الحوار أصبح مفقودا بين الطرفين؟

لا أرى أن هناك حوارا، صحيح أن شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي رجل هايل ومحبوب من المصريين عموما ومحبوب من الأقباط، تركيبته الإنسانية عاقلة ومتزن وأتذكر إنه من دعاة التسامح.. فالإسلام في مصر له أشكال وتوجهات كثيرة في الأغلب الأعم لها تدعو إلى التفاهم والتسامح وقبول الأخر، لكن هذا لا يمنع أنه بين الحين والأخر تحدث احتكاكات وتحدث حادثة. بخلاف صراع على بناء كنيسة إلى غير ذلك فيوجد التوتر وفي الأغلب الأعم تزول هذه الاحتقانات بسرعة وتعود المياه إلى مجاريها وتسير الحياة.

هل ترى أن مثل هذه الاحتكاكات ناتجة عن تدخلات خارجية تستهدف تهديد الأمن القومي المصري أم أنها مسائل داخلية بحتة؟

لا يوجد من يفتعل أزمة أو فتنه، نحن مجتمع قديم عجوز.. المسيحية في مصر قديمة قدم المسيحية.. وكذلك الإسلام قديم قدم الإسلام.. والمعايشة لها 14 قرنا ومتواصلة ومليئة بالأحداث بعضها سلبي وبعضها إيجابي وأغلبها هادئ وفيه ود ومحبة وبعيد عن الانقسام هذا هو تاريخ مصر ولذلك لا أعتقد أن موضوع الأقباط والمسلمين مطروح.. وقد تحدث اعتراضات واشتباكات وخلافات وكل هذه أمور طبيعية واردة يحدث حولها استقطاب وفي الأغلب تمر بيسر.

في إطار ما يعرف بالإسلام السياسي كيف ترى تنامي دور الإخوان المسلمين وتأثيرهم على الساحة السياسية؟

الإخوان المسلمين قوى سياسية فاعلة فهي مجموعة قوية فاهمة لطبيعة الأمور لها توجه سياسي وديني واضح وأنا لم أطلع على أوراقهم ولكن من الواضح أن توجه الإخوان المسلمين هو الوصول إلى الحكم وتطبيق الشريعة الإسلامية إذا ما أمكن ذلك.

الإخوان المسلمين أعلنوا مؤخرا أنهم ليسوا ضد أن يتولى مسيحي مقاليد الحكم أو رئاسة الجمهورية، فهل تعتقد أن هذا يأتي ضمن تطور حقيقي في مبادئ الإخوان أم أنها مجرد لعبة سياسية ؟

أنا أعترض على قولهم لهذه الجملة، ولكني لا أستطيع منعهم من أن يقولوا رأيهم واعتراضي على أن تحكم مصر دينيا، ولو قلت أن الذي سيحكم مصر البابا شنودة أقول لا، أنا أرفض، فأنا رجل مصري مثقف علماني التفكير.. مع الديمقراطية.. مع التقدم العلمي.

ما إمكانية أن يكون هناك حوار بين الكنيسة والإخوان المسلمين؟

لا أعتقد أنه من المصلحة أن يتم ذلك، بل أن أحدا لم يعرض أن يتم هذا من الجانبين ، لأن في حالة الموافقة على أن يكون هناك حوار بين الكنيسة والإخوان المسلمين فإن هذا يعني أننا نقول أن الكنيسة القبطية هي التي تمثل المسيحيين والإخوان المسلمون يمثلون المسلمين وفي هذه الحالة نشق مصر لمسلمين ومسيحيين وهي كارثة وأعتقد أن هذا الأمر غير موجود وغير وارد وغير صحي بالمرة.

شهدت الساحة السياسية الداخلية زخما كبيرا وخاصة فيما يتعلق بالتوريث فكيف تنظر لقضية التوريث في الحكم ؟

أنا كمصري أتابع ما يحدث في مصر وأرى أننا نقترب أكثر وأكثر من طريق الديمقراطية ولكن عندما ننظر إلى الديمقراطية الحقيقة فإنها تعني في أبسط صورها تداول السلطة أي يذهب حزب ويأتي آخر ولكن الحادث أن الحزب الوطني يحكم مصر منذ أكثر من 30 عاما وهو يجعل المواطنين يقولون ـ كفاية بقي ـ صحيح أنه يوجد رئيس جمهورية وأهلا وسهلا به

ولكن هذا لا يعني أن يأتي ابنه بالتوريث ويدخل الانتخابات فلا يصح اننا في أول مرة نجري انتخابات لتداول السلطة بشكل ديمقراطي بين أفراد ينتمون لتيارات سياسية مختلفة وآتي بابن رئيس الجمهورية ليكون رئيس جمهورية فهذا لا يجوز،

وأنا شخصيا أرى أن هذا الموضوع لن يحدث وأعتقد أن الحزب الوطني الحاكم يراجع هذا الأمر وأعتقد أيضا أن الأسرة التي تحكم مصر لا يحبون إثارة هذا الموضوع وأن جمال مبارك لا يحاول إقحام نفسه على الساحة السياسية بل على العكس فهو يتوارى عن الساحة السياسية، وهذا الأمر لن يحدث إلا إذا فرض بقوة جبرية فهذه مسألة أخرى في ظروف أخرى.

ما هو تقييمك لبعض الحركات التي ظهرت مؤخرا مثل الحركة المصرية للتغيير «كفاية» وغيرها وما تأثيرها على الحياة السياسية ومتخذ القرار في مصر؟

هذه الحركات ظهرت نظرا لضعف الحياة الحزبية في مصر في محاولة لسد هذا العجز في الحياة السياسية وأخذت أشكالا متعددة سياسية واقتصادية ومجتمعية وما إلى ذلك ولكن الأزمات الموجودة غير مقرونة بثورة غضب من الجماهير

لهذا السبب تجد الحكومة لا تعاني التوتر وليست خائفة ومستمرة استمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية وهو ما يجعلها مسترخية وليست خائفة.. لا من الأحزاب السياسية.. ولا من انتفاضة شعبية ولكننا كمفكرين نشعر بأن هناك حالة احتقان ورفض لاستمرار الحزب الوطني بالسلطة وليس لديه أي نية لترك السلطة أو تداولها مع الأحزاب السياسية ولا توجد قوى سياسية تستطيع إجبار الحزب الوطني أن يترك السلطة إلا «الإخوان المسلمين».

هل هذا يعني أنك ترى أن الإخوان المسلمين هم الخطر الوحيد الذي يهدد استمرار الحزب الوطني في السلطة ؟

بالعقل.. السياسة لا يوجد بها أسرار وإذا نظرنا إلى الساحة السياسية في مصر فإنك لا تجد سوى حزب الوفد وكان حزباً قوياً وحزب الأغلبية زمان، وحزب الوفد اليوم لا يستطيع الحصول على الأغلبية، وحزب التجمع قوي لكنه مجموعة صغيرة ولا يستطيع الاستحواذ علي الحكم وواضح أن الحزب الوطني هو حزب الحكومة وحزب السلطة الماسك بزمام الأمور، وأحزاب المعارضة غير قادرة على الحصول على السلطة بالإنتخابات وحركة الإخوان المسلمين حركة غير موثقة في الأحزاب السياسية الشرعية ولكنها هي الأكثر فاعلية على الساحة السياسية.

الفترة الأخيرة شهدت حالات من زواج السلطة بالمال فكيف يمكن التعامل مع ذلك الوضع؟

مصر يحكمها اقتصاد حر والاقتصاد الحر في مصر مقترن بمجموعة من الرأسماليين لديهم السيطرة على التجارة والصناعة والمقاولات بل وعلي السياسة أيضا، ولذلك فالسوق المصري غير خاضع لآليات السوق بمعنى ارتفاع وهبوط الأسعار حسب آليات السوق.. هذا غير موجود.. فبشكل عام الأسعار تأخذ اتجاها تصاعديا وبصورة مستمرة والمشاهد أن هناك رجال أعمال وهي فئة قليلة من المجتمع تسيطر على الاقتصاد وتسيطر على الحزب الحاكم وتسيطر على الدولة ككل.

خلفية

مفكر قبطي معتدل

الدكتور ميلاد حنا.. يعد واحدا من أبرز اليسار ومن المفكرين الأقباط المصريين المعروفين بالاعتدال والتوازن الفكري والابتعاد عن الشطط والوطنية الصادقة عرف نفسه في أحد اللقاءات بأنه مصري الجنسية.. مسيحي الديانة.. مسلم الثقافة.. عربي الهوية عارك الحياة وكان له الكثير من المواقف على مدار 83 عاما حتى وصل إلى ما وصل إليه من مكانة.

يقول حنا: «هناك ظاهرة غريبة جدا حتى في أوروبا وهو تراجع الفكر اليساري في أوروبا منذ أن حدث ما حدث في أوروبا وتفكك الاتحاد السوفييتي أصبح فكرة اليسار فكرة الاشتراكية ليست الفكرة الجاذبة

وأصبح التنافس والاستقطاب مابين الأحزاب الدينية والأحزاب الليبرالية والأحزاب الحكومية في مصر وغير مصر والصراع دائما في الدول المتخلفة لصالح الأحزاب الحكومية القابضة على السلطة وعلى الدولة وعلي الأجهزة وعلي الداخلية ولديها صناديق الانتخابات سواء تزور أو لا تزور أو تزور تزويرا كليا أو جزئيا فهذه مسألة تختلف من دولة لدولة حسب ظروف كل دولة».

ويتابع: «المنطقة العربية ليست كما يعتقد الكثيرون منطقة متجانسة، هناك دول صغيرة ودول أخرى عدد سكانها بالملايين، فالتركيبة العددية للدول ليست متناسقة كما أن المستوى الثقافي والحضاري مختلف.. والوزن السياسي للتكتلات السياسية في الدول العربية مختلف، ومن هنا فإن البنية الأساسية الثقافية لإمكانية وجود رؤى فكرية موحدة غير موجودة وهناك معاناة فكرية وثقافية في المنطقة وتحولت الثقافة العربية إلى جزر منعزلة».

تقييم

المناخ سلبي وسيئ

يرى حنا ان المناخ العام في مصر سلبي وسيئ ومحبط للغاية فنحن نعيش في ظل قانون الطوارئ منذ 27عاما أي الأحكام العرفية فمناخ الحريات مفتقد وغير موجود، ثانيا المناخ الثقافي الديمقراطي العام لا يسمح بحرية التعبير في إطار تداول السلطة صحيح أن هناك حرية تعبير بحيث تستطيع أن تقول «ريان يا فجل» ذي ما يعجبك بما في ذلك عملية التوريث والأحزاب.

ولكن الناس يستشعرون عدم استقرار الديمقراطية فقواعد الديمقراطية كتدعيم حرية التعبير ممكنة ويمكن الوصول إليها، لكن يجب تقوية التيارات السياسية بحيث لا يكون هناك حزب اسمه الحزب الحاكم يحكم على طول وأحزاب المعارضة تكون أحزاباً ديكورية فهذا أمر لا يدعو للتفاؤل بالمرة، وإنما للتشاؤم نحن لدينا مظاهر للديمقراطية دون وجود فاعل للديمقراطية وطالما أن رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب الحاكم فلا تنتظر تداولاً للسلطة، إذن لا ديمقراطية، أذن يوجد حرية تعبير بلا ديمقراطية وهذا هو الوضع الحقيقي لمصر.

وبالنسبة للأوضاع الاقتصادية، فيقول: «هناك إحساس بالغلاء وعدم وجود إحساس بتحسن الأوضاع الاقتصادية وهذا الإحساس نتيجة عوامل كثيرة منها عدم وجود تداول للسلطة وعدم وجود ديمقراطية وعدم احتمال تداول السلطة.. فالحزب الوطني موجود ليبقى إلى الأبد وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا فأحزاب المعارضة تؤدي الدور المرسوم لها في المعارضة بدون فاعلية وبدون دور ايجابي وبالتالي لابد أن يستمر الإحساس بالغلاء.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم