تشهد العلاقات بين السودان وتشاد حالياً توتراً حرجا على الحدود، بخاصة بعد الهجوم الذي شنته في العاشر من مايو الماضي إحدى حركات التمرد الدارفورية على العاصمة السودانية الخرطوم، وتوجيه حكومة الخرطوم الاتهام المباشر إلى حكومة أنجمينا بالتورط في تدبير وتمويل الهجوم فضلا عن مساعدتها المستمرة لحركات التمرد في دارفور.

ويعتبر العام 2005 عام النكسة والتوتر في مسار العلاقات السودانية التشادية حيث تمثلت النكسة في اتهام تشاد للسودان بتسليح ثلاثة آلاف متمرد عبر الحدود لزعزعة الأمن لكن حكومة الخرطوم اتبعت سياسة التهدئة وفي سياقها بعثت بوفد رسمي إلى تشاد في أكتوبر من نفس العام، لاحتواء الأنفاس الساخنة الصادرة من تشاد غير أنها أخفقت. وعادت من جديد الاتهامات، حيث اتهمت تشاد السودان بتهديد أمنها، واتهم السودان تشاد بتأجيج الصراع في دارفور، ودعم الحركات المسلحة هناك. وعلى هذا النحو استمر التوتر بين الخرطوم وأنجمينا قائماً حتى أطلق الزعيم الليبي معمر القذافي مبادرة لحل الأزمة وإنهاء التوتر القائم بين الدولتين، وكان هذا في مطلع العام 2006.

ووجدت مبادرة العقيد معمر القذافي قبولاً من حكومة الخرطوم وأيضا حكومة أنجمينا، حيث عقدت قمة برعاية القذافي في طرابلس جمعت بين الرئيسين البشير وديبي انتهت بـ «إعلان طرابلس»، لكن قبل أن يمضي وقت على هذا الإعلان عادت الاتهامات مرة أخرى بين الدولتين. وللتخفيف من حدة التوتر بين الخرطوم وأنجمينا تدخلت فرنسا للتخفيف من هذا التوتر، ونجحت المساعي الفرنسية الليبية في حسم الأمر وتعانق البشير وديبي في قمة بانغول الإفريقية، وعادت العلاقات مرة أخرى بين الخرطوم وأنجمينا.

الأسوأ قادم

وفي ظل الاتهامات المتبادلة التي لا تتوقف، يرى المحللون والمراقبون أن الأسوأ قادم على الحدود بين السودان وتشاد، مؤكدين على أن المنطقة على صفيح ساخن وفوق بارود قابل للاشتعال وللانفجار في أي وقت، وأشاروا إلى أن على دول الجوار والقوى الكبرى المعنية التحرك لمنع هذا الانفجار واحتواء التوتر ومنع تدهور الموقف بين الدولتين الجارتين.

وربما يمكن فهم مدى جدية هذه التحذيرات في سياق تصريحات أطلقها وزير الدفاع السوداني الفريق أول عبدالرحيم محمد حسين خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث تحدث عن الأحداث الدرامية التي مر بها السودان في الفترة الأخيرة، والتي كانت ذروتها الهجوم على أم درمان.

وقال: «إننا نعتقد في هذا الصدد أن تشاد تعاونت فقط مع هذه الحملة أو بتعبير أدق كانت واجهة للأحداث تلعب لصالح قوى دولية أكبر هي الممول الحقيقي لهذا التحرك، فتشاد كانت واجهة لأن تمويل الحملة وتسليحها أكبر كثيرًا من قدرات تشاد المالية والعسكرية، ولابد أن تكون هناك قوى أكبر لأن هذه الحملة كانت تتحرك وتوجه في أرض المعركة عبر الأقمار الصناعية».

التغيير عبر بوابة السودان

لكن إلى متى يظل النزاع السوداني التشادي قائماً؟ وما مصير الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين؟ وهل الصراع القائم بين الدولتين له انعكاسات على الساحة الإفريقية والأمن القومي في المنطقة؟.. هذه الأسئلة طرحتها «البيان» على المتخصصين والخبراء المعنيين بالشأن الأفريقي.

يقول الخبير في الشؤون الإفريقية في مركز الأهرام الاستراتيجي هاني رسلان إن «التوتر في العلاقات بين السودان وتشاد مرتبط بالنزاع القائم في دارفور حيث توجد حدود طويلة بين الدولتين؛ كما أن هناك قبائل مشتركة عابرة للحدود جزء منها في تشاد والجزء الآخر في دارفور، ومن أهم هذه القبائل قبيلة الزغاوة والتي ينتمي إليها الرئيس إدريس ديبي، وقبيلة الزغاوة على الحدود حيث يوجد فرع منها في دارفور وفرع في تشاد، والرئيس ديبي ينتمي إلى الفرع التشادي ويعتمد على أبناء قبيلته في إدارة البلاد، رغم أن زغاوة تشاد يمثلون نسبة قليلة من السكان لا تتجاوز 5 في المئة.

لافتًا إلى أن قبيلة الزغاوة هي التي تحملت عبء القتال في أزمة دارفور حيث تنتمي لهذه القبيلة حركة تحرير السودان فصيل مني اركو مناوي وحركة العدل والمساواة.

وأوضح سلان أن حركة العدل والمساواة شكلت محور التفاعلات السياسية في مرحلة ما بعد اتفاق أبوجا، وتعتمد تلك الحركة بشكل شبه كامل على الإمدادات والدعم القادم إليها من تشاد سواء بالعتاد أو التسلح أو المقاتلين، ولذلك فإن مواطني هذه القبيلة شكلهم وملامحهم واحدة لا تفرقة بين التشادي والسوداني».

معادلة صفرية

وأرجع رسلان فشل الاتفاقيات والمساعي لاحتواء التوتر بين حكومة الخرطوم وأنجمينا إلى كون هذه الاتفاقيات اتجهت إلى معالجة نتائج أو مظاهر التوتر في العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا، في حين أنها لم تقترب من المصدر الأساسي لأزمة دارفور، حيث كان من الواضح لأي مراقب أن إدريس ديبي عاجز عن الالتزام بأي اتفاق مع السودان، لأن الدعم لمتمردي دارفور يتم رغماً عن إرادته، حيث أصبح غير قادر في السيطرة على أبناء قبيلته الذين حاولوا تدبير انقلاب ضده العام 2005 للإطاحة به لأنه لم يكن موافقًا على تقديم الدعم للحركات المسلحة في دارفور.

أجندات إقليمية ودولية

وحول انعكاسات الصراع السوداني التشادي وأزمة دارفور على الأمن في المنطقة الإفريقية يرى رسلان أن الأزمة تشكل تهديدًا للأمن القومي المصري لأن دارفور لها تماس مباشر مع الحدود المصرية من الجنوب، ومصر كان لها علاقات تاريخية طويلة مع هذه المنطقة عبر درب الأربعين الناقل للتجارة وعبر علاقات ثقافية عميقة تمثلت في الرواق الدارفوري بالأزهر الشريف.

وفي الوقت الحالي فإن الخطورة تنبع من أن دارفور أصبحت منطقة صراع لأجندات إقليمية دولية عديدة سواء على المستوى الدولي مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية أم الإقليمي ليبيا واريتريا وتشاد وإسرائيل، وكل من هذه القوى تحاول تحقيق أهداف خاصة لها وهذه الأهداف غير متناسقة مع بعضها البعض.

ومن ثم فإن التعقيد لأزمة دارفور إلى حد بعيد وإصدار قرارات دولية بشأنها، ومنها القرار 6917 الذي يقضي بنشر 26 ألف جندي وشرطي في الإقليم؛ الأمر الذي قد يقضي في نهاية المطاف إلى خلق موقف يشكل تهديدًا خطيرًا لوحدة واستقرار السودان وتجزئته أو تفكيكه من الداخل أو تحويله إلى فوضى وهذا أسوأ سيناريو للأمن القومي المصري.

مشاكل قبلية

من جهته، يرى رئيس الجمعية الإفريقية السفير أحمد حجاج أن القبائل الدارفورية والتشادية قبائل مشتركة وحركات التمرد كل منها يساعد الآخر، مشيراً إلى أنه إذا لم تتوقف مثل هذه النزاعات ستستمر العلاقات بين البلدين في توتر، معتبرًا أن حركات التمرد دائما ما تجد ملاذا أو مساعدة على الأرض التشادية.

ويضيف حجاج أن هناك عدة اتفاقيات جرت ووقعت بين الدولتين مثل اتفاق طرابلس ومكة ودكار، لكن لم يتم الالتزام بأي اتفاق؛ لافتاً أن المشاكل بين الدولتين السودان وتشاد مشاكل قبلية معقدة ترجع إلى فترة طويلة؛ فالحكومة السودانية تنفي وبشدة أنها تتدخل في الشؤون الداخلية لتشاد، وأيضا تشاد تنفي أي تدخل لها في الشؤون الداخلية للسودان، ولذلك فانعدام الثقة بين حكومة أنجمينا وحكومة الخرطوم على خلفية ما يحدث من تمرد في دارفور وشرق تشاد يعد العامل الأساسي في فشل كل الاتفاقيات التي وقعت بين البلدين.

ويوضح رئيس الجمعية الإفريقية أنه قد تكون هناك بعض الأيادي الإقليمية لها دور في التوتر بين الخرطوم وأنجمينا؛ إلا أنه بيّن أن الصراع قبلي ومستمر منذ زمن طويل.

لكن يبقى السؤال ملحاً.. إلى متى يبقى التوتر قائماً على الحدود بين الدولتين الجارتين العضوتين في منطقة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الإفريقي؟ ومتى تستيقظ حكومة البلدين على الخطر القادم، خاصة أن هناك أيادي إقليمية وأخرى غير إقليمية تعمل على استمرار التوتر والنزاع بين الدولتين لغرض ما.. هذه الأسئلة ستجيب عليها الأيام القليلة القادمة.

اتفاقات لم تنفذ

عناق في مكة وداكار.. ولكن

في العام المنصرم 2007 نجحت مساع سعودية في جمع البشير وديبي؛ وعقد اتفاق عرف ب«اتفاق مكة» برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وتعانق البشير وديبي وزارا معاً الأماكن المقدسة وقرآ الفاتحة في ساحة الكعبة المشرفة؛ لكن «اتفاق مكة» ذهب في مهب الريح مثله مثل اتفاق طرابلس؛ حتى جاءت القمة الإسلامية التي استضافتها العاصمة السنغالية داكار مطلع العام الحالي 2008.ونجحت مساعي الرئيس السنغالي عبدالله واد في جمع الطرفين على مائدة واحدة ووقع الرئيسان البشير وديبي اتفاق عدم اعتداء وتعهد السودان وتشاد في الاتفاق بمنع كافة أنشطة المجموعات المسلحة في الدولتين ومنع استخدام أراضي أي من الدولتين لزعزعة استقرار الدولة الأخرى. ولم يقدم «اتفاق داكار» الذي وصف مبدئيا بأنه اتفاق جديد لسلام نهائي، أي جديد للاتفاقات السابقة باستثناء إنشاء مجموعة اتصال مكلفة متابعة وتنفيذ الاتفاق بنية حسنة ومراقبة أي انتهاكات محتملة.وقالت الوثيقة إن هذه المجموعة التي ترأسها ليبيا والكونجو، ستضم وزراء خارجية هذين البلدين والسنغال والغابون وإريتريا وتجمع الساحل والصحراء والمجموعة الاقتصادية لأفريقيا الوسطى والاتحاد الأفريقي. ويقضي الاتفاق بأن تجتمع مجموعة الاتصال مرة كل شهر في إحدى عواصم دول أعضاء المجموعة ويمكنها إذا تقدم أي من البلدين السودان وتشاد بشكوى، أن تدعوإلى اجتماع استثنائي. وفي البنود الأخرى للاتفاق، كرر البشير وديبي تأكيد احترام تعهداتهما السابقة بهدف وضع حد نهائي للخلافات بين بلديهما.

من أرشيف البيان

البشير: ديبي سوداني

في مؤتمر صحافي عقده الرئيس السوداني في دبي في 11 مارس الماضي تحدث مطولا عن التوتر مع تشاد، وأكد أولاً على أن تشاد «جارة تربطنا بها أواصر حميمة لا تتوفر في علاقاتنا مع أي دولة أخرى إلى درجة أن السكان في الجانبين لا يعترفون بالحدود» نسبة لتداخل القبائل.

وقال إن أول من أسس دولة تشاد قبل أن تستعمرها فرنسا مواطن سوداني اسمه رابح الذي أسس العاصمة واختار لها اسم «أنجمينا»، وبعد الاستعمار سميت العاصمة فورت لامي، لكنها استعادت اسمها الحالي بعد الاستقلال. وأضاف البشير أن «ديبي نفسه سوداني الجنسية إذ ولد ونشأ وتعلم في السودان». وبعد أن أشار إلى أن العلاقات بين البلدين كانت «متميزة» إلى حين اندلاع التمرد (في دارفور) واستعرض مراحل تدهور العلاقات، شكك البشير صراحة في جدوى اللقاء المرتقب (آنذاك) بينه وبين ديبي في داكار.

وقال: «سبق أن وقعنا مع تشاد خمس اتفاقات في طرابلس وسرت وأكدناها في الرياض»، وقال: «في السعودية أدينا العمرة معاً وصلينا معاً داخل الكعبة ووضعنا يدنا بيد بعض وأكدنا الاتفاق وقلت له بعد ذلك: الخائن الله يخونه».

وماذا عن ليبيا.. وعلام العتاب؟

هل تورطت ليبيا في هجوم متمردي «حركة العدل والمساواة» الدارفورية على أم درمان (احد أضلاع العاصمة المثلثة) الخرطوم في العاشر من مايو الماضي؟ هذا السؤال مطروح بقوة ليس على مستوى الساحة السياسية السودانية فحسب، بل حتى في مجالس «الونسة» التلقائية لغمار الناس.

وتزيد من حدة السؤال، المدبب أصلا، الإشارات ألغامضة التي تشي بوجود أزمة صامتة بين الخرطوم وطرابلس، ليس أقلها تلميح أكثر من مسؤول سوداني إلى تورط الأخيرة في الهجوم على أم درمان بالإشارة حينا إلى «طرف إقليمي» وأحيانا إلى «دولة جارة» من دون تسميتها. وإذا كانت إشارات المسؤولين مغلفة بالتلميح الدبلوماسي، فإن الصحافة السودانية ذهبت إلى مدى ابعد بالإفصاح صراحة عن اتهام ليبيا مباشرة في تقارير تنسب دائما إلى «مصادر مطلعة».. ولا يحتاج الأمر إلى كثير عناء حتى يدرك المتابع أن هذه المصادر ليست سوى أجهزة رسمية في الدولة، وهي لا تزود الصحافة بهذه المعلومات فحسب، بل هي التي «تأمرها» بنشرها!

خصوصا وانه في علم القاصي والداني أن الصحافة السودانية تخضع لرقابة قبلية صارمة يستحيل معها تمرير معلومة دون رضى السلطات المعنية. إلى ذلك، فان عين المراقب لا تكاد تخطئ ملاحظة تزايد المواقف السياسية من قبل الجانب السوداني التي تؤشر إلى فتور، إن لم يكن توترا، مع ليبيا..

وليس أدل على ذلك أكثر من غياب الرئيس السوداني المشير عمر البشير عن القمة العاشرة لتجمع دول الساحل والصحراء (س.ص) الذي انعقد بكوتونو عاصمة بنين مؤخرا، خصوصا وأن البشير يكاد يكون المشارك الثابت في كل قمم (س.ص) السابقة تقريبا.

وكان لافتا أن المسؤول السوداني الذي شارك في قمة كوتونو كان هو مستشار الرئيس د. مصطفى عثمان إسماعيل، وليس احد نائبي البشير. وعلى ذكر إسماعيل يجدر الوقوف مليا على تصريحات «ملتبسة» أدلى بها مؤخرا في الخرطوم بعد لقاء بين البشير ومسؤول ليبي غير رفيع الدرجة، إذ أشار إلى أن اللقاء «لم يخل من عتاب».وبالطبع فان هذه العبارة تفرخ أكثر من سؤال يظل معلقا في الهواء ،أقله:عتاب حول ماذا؟! ومن الذي عاتب الآخر؟!

وإشارات أخرى يمكن رصدها للدلالة على الفتور، ان لم يكن التوتر، في العلاقات بين البلدين تتمثل في أن الخرطوم أصبحت تتجاوز الدور الليبي سواء فيما يختص بمبادرات طرابلس بشأن تطبيع العلاقات مع تشاد، أو تلك المتعلقة بوساطتها مع الفصائل المتمردة في دارفور.

فبعد الدخول السعودي على الخط قبل أشهر من الهجوم على أم درمان واحتضان المملكة قمة مصالحة بين الرئيس السوداني ونظيره التشادي ادريس دبيي، ما أثار حينذاك امتعاضا ليبيا عبر عنه القذافي علنا، درجت الخرطوم على العزف تارة على وتر وساطة فرنسية مع تشاد ومع متمردي دارفور، ووساطة بريطانية تارة أخرى، ما يعني أو يؤشر إلى أن الحكومة السودانية لم تعد مهتمة بالدور الذي طالما احتكرته ليبيا منذ اندلاع أزمة دارفور وتعقيداتها المنسحبة على العلاقات السودانية التشادية.

محمد خليل كاره

kurkur91@hotmail.com