هناك عيب جوهري في التفكير الاستراتيجي الغربي، ففي كل تحليلاته للتحديات الكونية يفترض أنه مصدر كل الحلول للمشكلات العالمية الرئيسة. وفي الواقع، فإن الغرب هو أيضا المصدر الرئيس لهذه المشكلات. وبدون أن يتعلم كبار صناع السياسة الغربيين أن يفهموا هذا الواقع ويتعاملوا معه، فإن العالم سوف يتجه نحو مرحلة أكثر خطورة.
فمن المفهوم أن الغرب لن يقبل طواعية بنهاية حقبة هيمنته، وقدوم القرن الآسيوي. وهذا شيء طبيعي، فلن تقبل أية حضارة في العالم أن تتخلى عن قوتها بسهولة. علاوة على ذلك، فإن الغرب قد ارتبط بتصور استثنائي عن الذات من خلال اعتقاده بأنه قابل للتغيير. وفي الواقع، فإن الغرب قد أصبح القوة الأكثر تأثيراً التي تمنع ظهور موجات تاريخية جديدة، والأكثر استفادة بموقعها المتميز في المنتديات الكونية الرئيسة، مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومجموعة الثماني (التي تشمل الدول الصناعية الكبرى)، كما أن هذه القوة ترفض أن تفكر ملياً في الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الغرب مع القرن الآسيوي.
لقد أضعف تجاهل الدول النووية للبرنامج الإسرائيلي لإنتاج أسلحة نووية بشكل خاص سلطة هذه الدول، فلم تعترف أية دولة نووية بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية. وأنتج هذا الصمت خرقا لاتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية وأفقدها الشرعية في أعين الدول الإسلامية، كما أدى إلى تأثيرات عميقة. فعندما يلح الغرب على أن العالم سوف يصبح أكثر خطورة حينما تمتلك إيران أسلحة نووية فإن العالم المسلم سوف يستخف بالأمر. فقد استخفت بالأمر كل من الهند وباكستان عام 1998 عندما أجرتا أول اختبار لأسلحة نووية. وعندما استجاب المجتمع الدولي بإدانة هذه الاختبارات وفرض عقوبات على الهند، رأى كل الهنود تقريبا هذه الإدانة من باب النفاق والمعايير المزدوجة لمنتقديهم. فمن خلال عدم احترام الدول النووية الخمس لواجباتها نحو معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فإنها قد أفرغت إداناتها من أية شرعية أخلاقية، كما أن النقد الموجه أيضاً من قبل كل من أستراليا وكندا اللتين قد لزمتا الصمت حيال القنبلة الإسرائيلية، قد افتقد أيضاً أية سلطة أخلاقية.
فالإجماع شبه الكامل من جانب المؤسسة الهندية لرفض معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والمدرك بدرجة كبيرة من جانب آخر للرؤية الدولية، يكشف عن مدى الضعف الذي وصلت إليه هذه المعاهدة. فالعالم فقد ثقته في الدول النووية الخمس في مجلس الأمن ويراها الآن بوصفها المنتهكة الرئيسية للمعاهدة، وليس بوصفها الراعية الرئيسية لها. إن انعدام الثقة من جانب الدول المختلفة بمدى احترام الدول النووية الخمس لالتزاماتها تجاه معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية قد أصبح معروفا للجميع.
كيشور ماحبوباني تجاهل البرنامج النووي الإسرائيلي أضعف سلطة المعاهدة الدولية
بعد أن قاد الغرب العالم نحو حقبة من النمو الاقتصادي المدهش في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال تشجيع التبادل التجاري الحر، فإنه أصبح حديثا أكثر اضطرابا في قيادته للاقتصاد الكوني. فالغرب أصبح أكثر إيمانا بأن الحواجز التجارية الأقل وزيادة الاعتماد التجاري الدولي سوف تنتج امتيازات أكبر للعيش للجميع.
فالاقتصاديون الأوروبيون والأميركيون وصناع السياسة قد ضغطوا في سبيل التحرير الاقتصادي الكوني، ونتيجة لذلك نمت التجارة الكونية من 7% من جملة الناتج الإجمالي المحلي العالمي في العام 1940 إلى 30% في العام 2005.
ولكن التحول الهائل قد حدث في الغرب منذ نهاية الحرب الباردة. ففجأة لم يعد للولايات المتحدة ولا أوروبا أي اهتمام بنجاح اقتصاديات شرق آسيا. لقد تعاملت أميركا وأوروبا مع دول شرق آسيا بدرجة أقل بوصفها حليفة وبدرجة أكبر بوصفها منافسة. وهذا التغير في الاهتمامات الغربية ظهر في الواقع من خلال المساعدات الغربية المحدودة لشرق آسيا خلال الأزمة المالية الآسيوية عامي 1997- 98.
ولقد أدى دخول الصين للسوق الكونية، وبشكل خاص بعد قبولها في منظمة التجارة العالمية، إلى أحداث فروق ضخمة في الأحوال الاقتصادية والنفسية. فالعديد من الأوروبيين قد فقدوا الثقة في إمكانية المنافسة مع الآسيويين، كما أن العديد من الأميركيين فقدوا الثقة في فضائل المنافسة.
وفي الوقت نفسه الذي تخلت فيه الحكومات الغربية عن مسؤولياتها عن الاقتصاد الكوني، فإنها قد فشلت أيضاً في أخذ السبق في محاربة الانبعاث الحراري الكوني. وهذا ما ترك بقية العالم في حالة من الاضطراب والحيرة.
فأغلب البشر يؤمنون بأن تأثيرات الاحتباس الحراري قد حدثت غالبا بسبب تدفق الانبعاث الحالي الذي يتسبب في استفحال المشكلة، لكن السبب الرئيس يكمن في تراكم الانبعاث الحراري منذ الثورة الصناعية وحتى الآن. وحينما يتعلق الأمر بالحديث عن أي مشكلة ترتبط بالمشتركات الكونية العامة مثل البيئة، فإنه يبدو من العدل أن تتحمل الدول الغنية في الأسرة الدولية مسؤولية أكبر.
وهذا يمثل مبدأ طبيعيا للعدالة. ومن العدل أيضاً في مثل هذه الحالة الخاصة أن تتحمل الدول النامية دورا رئيسا في إطلاق الغازات الخطيرة في الغلاف الجوي.
هناك العديد من التحديات التي فشل الغرب في التعامل معها مثل الشرق الأوسط، والانتشار النووي، وتجميد التحرر التجاري، والدفء الكوني. ويكشف هذا الفشل عن وجود مشكلة شاملة ظهرت في الإدارة الغربية للنظام الدولي، تتعلق بمقاومة العقول الغربية للتحليل والمواجهة المنفتحة.
فعلى الغرب، بعد تمتعه بقرون طويلة من الهيمنة الكونية، أن يتعلم المشاركة في القوة والمسؤولية في إدارة الموضوعات الكونية مع باقي العالم. كما أن عليه أن يتخلى عن المنظمات القديمة مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتعاملات القديمة مثل مجموعة الدول الثماني، حيث يجب أن يتعامل مع المنظمات والمؤسسات بمدى أوسع وبتمثيل أعرض.
فأولا وفي المقام الأول يحتاج الغرب للاعتراف بأن المشاركة في القوة التي راكمها في المنتديات الكونية سوف تخدم مصالحه. كما أن إعادة بَنينة المؤسسات الدولية لكي تعكس النظام العالمي الحالي سوف تصبح صعبة في ظل غياب القادة المتوقعين للقيام بهذا العمل. فالغرب أصبح جزءا من المشكلة، كما أن الدول الآسيوية ليست جاهزة للتدخل بعد.
وتتأسس الديمقراطية، باعتبارها أساس الحكومة في الغرب، على فرضية أن كل كائن بشري في المجتمع مشارك مساو في النظام الوطني. ولهذا، فإنه يتم اختيار الحكومة على قاعدة «شخص واحد، صوت واحد»، وهذا ما أدى إلى استقرار النظام طويل المدى في المجتمعات الغربية.
وبالمثل، لكي نحقق ذلك الاستقرار والنظام طويل المدى على المستوى الدولي، فإنه يجب أن تكون الديمقراطية حجر الزاوية في المجتمع الكوني، كما يجب أن يصبح سكان الكوكب البالغ عددهم 6 .6 مليارات نسمة مشاركين متساوين. ولكي يتم حقن روح الديمقراطية في السيطرة الكونية وفي صناعة القرار الكوني، فإن على المرء أن يتجه صوب المؤسسات ذات التمثيل الكوني، وبشكل خاص الأمم المتحدة.
وتتمتع مؤسسات الأمم المتحدة، مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأرصاد العالمية، بشرعية واسعة بسبب عضويتها العالمية، والتي تعني أن قراراتها مقبولة بشكل عام من قبل كافة الدول في العالم.
والمشكلة اليوم أنه على الرغم من أن لدى العديد من الفأعلين الغربيين الرغبة في العمل في منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، فإنهم لا يرغبون في تدعيم مؤسسة الأمم المتحدة الرئيسة، ونعني بها الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنبع منها كل هذه المنظمات المتخصصة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة هي أكثر الهيئات تمثيلا في كوكبنا.
ومع ذلك فإن هناك العديد من الدول الغربية التي تشك فيها بشكل عميق. وهم على حق حين يشيرون إلى نقائصها، لكنهم يتجنبون الحقيقة القائلة بأن هذه الجمعية المعيبة تنعم بالشرعية في عيون سكان هذا العالم المعيب. والعالم لا يدار اليوم من خلال الجمعية العامة، لكن من خلال مجلس الأمن الذي يدار فعليا بواسطة الدول الخمس دائمة العضوية.
والمبدأ الرئيس الآخر الذي يجب أن يدعم النظام الكوني يتمثل في حكم القانون. وهذا المبدأ الغربي المقدس يؤكد على أنه لا يوجد أي فرد، بغض النظر عن مكانته، فوق القانون. وتكمن المفارقة هنا في أنه بينما يتم تطبيق هذا المبدأ بشكل جيد بين ربوع الغرب، فإن الولايات المتحدة هي رائدة العالم في انتهاك القانون من خلال عدم تقيدها بالقوانين الدولية.
فالعديد من الأميركيين يستفيدون بالعيش في ظل هذا التناقض، بينما يتوقعون أن تلتزم الشعوب الأخرى بمثل هذه المعاهدات المقبولة بشكل واسع. لقد كان رد فعل الأميركيين مرعبا حينما أدارت إيران ظهرها لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
كما أن الأميركيين اندهشوا أيضاً حينما صُدم العالم بالمثل عندما تخلت واشنطن عن معاهدة حظر إجراء التجارب النووية المقبولة كونيا. كما أن قرار إدارة بوش بإعفاء الولايات المتحدة من شروط القانون الدولي في ما يتعلق بحقوق الإنسان، تسبب في أضرار فادحة. فكيف يمكننا أن نتوقع أن يحترم السياسيون في عالمنا القائمين على القانون الدولي الذين ينتهكون القواعد نفسها؟
وأخيرا، فإن الأمم الغربية ضعفت على مستوى العدل الاجتماعي، الذي يعتبر حجر الزاوية لأي ثبات واستقرار في المجتمعات الغربية الحديثة وفي باقي دول العالم. وفي الواقع، فإن أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يمنحون ما قيمته 104 مليارات دولار للعالم النامي كل سنة وفقا لتقديرات المنظمة ذاتها.
لكن قصة المساعدات الغربية للدول النامية هي قصة خرافية إلى حد بعيد، فالدول الغربية رصدت مبالغ كبيرة لتمويل مشاريعها التنموية عبر البحار، لكن الهدف الرئيس لهذا التمويل كان خدمة المصالح الأمنية والقومية المتوسطة والقصيرة المدى للمانحين، أكثر من المصالح بعيدة المدى للمتلقين.
لقد كشفت الخبرات الآسيوية كيف أن الحكومات المحلية الجيدة قد نجحت في ما عجزت المساعدات الغربية عن تحقيقه، وهو ما يمكن اعتباره الإسهام الآسيوي العظيم في التاريخ المعاصر. إن نجاح النموذج الآسيوي في التنمية سوف يلهم المجتمعات الأخرى في مختلف القارات من أجل تقليده. إضافة إلى ذلك فإن مسيرة آسيا نحو التحديث يمكن أن تساعد في إنتاج عالم أكثر استقرارا. فبعض الدول الآسيوية أصبحت على استعداد الآن لأن تنضم إلى الغرب كرعاة مسؤولين من أجل الحفاظ على النظام الكوني. فالآسيويون، بوصفهم من المستفيدين الكبار من هذا النظام، لديهم الدوافع القوية من أجل القيام بذلك.
ولا يرحب الغرب بالتقدم الآسيوي، فرؤيته قصيرة المدى الراغبة في الحفاظ على الامتيازات التي يحصل عليها من خلال المؤسسات الكونية العديدة، تفوق رؤيته بعيدة المدى في خلق نظام عالمي أكثر عدلا واستقرارا. ولسوء الحظ، فإن الغرب قد تحول من كونه أهم من يقوم بحل المشكلات العالمية، إلى كونه العائق الكبير في طريق حل هذه المشكلات.
Foreign Affairs . May/ Jun 2008
»فورين أفيرز»، عدد مايو/ يونيو 2008
كيشور ماحبوباني ــ عميد «كلية لي كوان يو» للسياسات العامة التابعة لجامعة سنغافورة الوطنية
ترجمة (بتصرف): د. صالح سليمان عبد العظيم