غيب الموت فجر أمس المفكر المصري البارز والمنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) عبد الوهاب المسيري عن 70 عاماً، وذلك بعد صراع دام سبع سنوات مع مرض سرطان الدم.

وشيع الراحل المئات من المثقفين والسياسيين المصريين والعرب إلى مثواه الأخير في مقبرة عائلته، وانهى المسيري، الذي يوصف بالمفكر المجدد، حياته بموقف سياسي عندما قبل تولي منصب منسق حركة «كفاية» الداعية إلى الديمقراطية في مصر. ونقلت وكالة أنباء الشرق الاوسط المصرية الحكومية عن مدير مستشفى فلسطين في القاهرة حسام طوقان قوله إن «حالة المسيري الصحية تدهورت بشدة مساء الاربعاء ليسلم الروح فجراً». وكان المسيري ادخل إلى المستشفى الجمعة الماضية بعد آلام شديدة في العظام.

وولد المسيري في دمنهور في أكتوبر العام 1938 وتخرج من كلية الآداب العام 1959، وحصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية العام 1964، وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز بولاية نيوجيرسي الاميركية العام 1969. والمسيري متزوج من الدكتورة هدى حجازي الأستاذ في كلية البنات بجامعة عين شمس في القاهرة وله ابن يدعى ياسر يعمل في مجال الأعمال الحرة وابنة تدعى نور وتعمل صحافية في «الاهرام».

وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1938 إلى 1988)، كما عمل أستاذاً زائراً في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 إلى 1975)، ومستشاراً ثقافياً للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 إلى 1979).

وحصل المسيري على عدة جوائز من بينها جائزة سوزان مبارك لأحسن كاتب لأدب الطفل لعام 2000، وجائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عن كتابه «رحلتي الفكرية» العام 2001، وشهادة تقدير من حركة «فتح» الفلسطينية العام 2001، وجائزة سلطان العويس في الإمارات العربية المتحدة عن مجمل انتاجه الفكري العام 2002.

وبدأت رحلة المسيري مع المرض منذ العام 2001 وخضع لجراحة في الظهر. وصدر للمسيري عدة مؤلفات من أبرزها «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد» التي صدرت في ثمانية مجلدات العام 1999 واستغرق في كتابتها نحو 25 عاما.

وكان مقررا أن ينتهي قريبا من موسوعة جديدة عنوانها «الصهيونية واسرائيل» تتناول اسرائيل من الداخل بعد أن عالجت موسوعته الاولى الافكار النظرية التي خرجت منها «الظاهرة الصهيونية» على حد وصفه.

كما صدر للمسيري أيضاً «مختارات من الشعر الرومانطيقي الإنجليزي: النصوص الأساسية وبعض الدراسات التاريخية والنقدية» في العام 1979، و«الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأميركية» في العام 1979، و«الجمعيات السرية في العالم» 1993، و «إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد»، و«الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة» في العام 1998، و«العلمانية تحت المجهر» في العام 2000.

بالاضافة الى مذكراته التي صدرت في العام 2001 تحت عنوان «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية». ويصنف المسيري عادة في خانة المفكرين الاسلاميين الجدد الذين حاولوا تقديم منظور نقدي للعلمانية وتأسيس منهج معرفي قائم على المراجع الاسلامية.

وتميزت كتاباته بسلاسة اللغة وسهولة تناولها من قبل الباحثين والمثقف العادي على حد سواء. وانتخب المسيري في يناير العام 2007 منسقاً عاما لحركة كفاية خلفا لمنسقها الاول جورج اسحاق لكونه يحظى باحترام طيف واسع من السياسيين والنشطاء المصريين.

وكان هذا أول نشاط سياسي بارز للمسيري في حركة ترفض «توريث الحكم» في مصر والتي ادى انخراطه فيها إلى اقتياده إلى التحقيق عدة مرات لدى أجهزة الأمن لمشاركته في تظاهرات للحركة. احتجاجاً على «غياب الديمقراطية في مصر وخشية قيام الرئيس المصري حسني مبارك بتوريث السلطة لنجله الأصغر جمال مبارك».

نهاية التاريخ

يعتبر الدكتور عبد الوهاب المسيري من أهم المفكرين العرب وصاحب أشهر موسوعة غربية في القرن العشرين والتي ارخت لليهود والصهيونية في ثمانية مجلدات، واختمرت فكرتها في عقله العام 1972 عندما الف كتاب نهاية التاريخ من منظور عربي واسلامي وذلك قبل فرانسيس فوكوياما بـ 22 سنة والذي سقطت نبوآته سريعا عن حسم الليبرالية الرأسمالية للتاريخ.

ولذا يعتبر المسيري من القلائل الذين كرسوا وقتهم وجهدهم لبحث ودراسة المسألة اليهودية والايديولوجية الصهيونية وقضية الحداثة الغربية والعلمانية. ويعتبر الراحل من خلال مسيرته الفكرية والعلمية التي قاربت ثلاثة عقود من الزمن مؤسس مدرسة فكرية جديدة في دراسة الصهيونية والاستيطان اليهودي.

كما اتسمت رؤيته للغرب بكونها نظرة لا تدعو إلى رفض التحديث والعودة إلى الماضي، وانما تدعو إلى خطاب تجديدي انساني فوق ارضية الاصول في الحضارة العربية الاسلامية، يحاور الآخر ويتفاعل معه.