يقال «لا تخبر النكتة ذاتها مرتين». لكن الشاشات اللبنانية، على ما يبدو، تبنّت استراتيجية معاكسة، تتكل على إضحاك جمهور يريد «فشة خلق» بأي ثمن، ولو أعادت النكتة، مراراً وتكراراً. تحضر انتقادات كثيرة، تتصل بالمستوى الفني ومضمون البرامج الساخرة، لكن الإقبال الجماهيري يبقى النقطة الأبرز، التي قد تفسر السعي الحثيث لكي تمتلك كل شاشة برنامجها الساخر، القادر على جذب الإعلانات.
ولا يرى الدكتور نبيل دجاني، أستاذ العلوم الاجتماعية والسلوكية في الجامعة الأميركية في بيروت، أن في متابعة البرامج الساخرة خصوصية لبنانية بحتة، ف«عندما يصاب الإنسان بنكسة، يبحث عن متنفَّس، والبرامج الساخرة تعتبر فشة خلق لشخص ملّ السياسة».. وهي وافرة في لبنان.
ورغم التزام البرامج اللبنانية الساخرة، حتى الآن، مبدأ احترام المحرمات، فإنها تجاوزت أصول المهنة باللعب على أوتار حساسة قد تشعل أزمات لا يمكن إخمادها أحياناً، عبر مهاجمتها أشخاصاً لدرجة التجريح أو حتى العنصرية.
يقول دجاني «إعلامنا بحاجة إلى قانون يضبطه. ثمة كذبة كبيرة تتحدث عن حرية إعلامية في لبنان. هناك تحالف عشائري سياسي مذهبي، فلا يستطيع برنامج أن ينتقد زعيماً يملك القناة التي تبثه، مضيفاً أن تلك البرامج تفتقر لفكر سياسي، فهي تنتقد سياسيين، غالبيتهم يفتقرون للفكر أصلاً!».
وتحت غطاء الضحكة تمرر أكثر الرسائل حدة في البرامج اللبنانية الساخرة، وهنا يستعاد تعريف الكوميدي الشهير غروشو ماركس للنكتة على أنها المنطق الراهن، وذلك هو حال لبنان، فقناة «أل بي سي» اللبنانية تعرض منذ سنوات برنامج «بس مات وطن» الذي يصوّب نكاته حالياً على فريق «14 إذار»، قبل أن تنضم فرقة «ليديزور» في برنامج استوحى اسمه من الأزمة: «8 و14 ونحنا».
أما على «المستقبل»، فتتكفل يوميات «أبو رياض» وفريق «لا يمل» بتزويد متابعي القناة «بقفشات» تنتقد «8 آذار»، بينما يتبنى فريق «قربت تنحل» توجهات سياسية معارضة. ويؤكد الدكتور دجاني أن هذه البرامج، لم تعد مجرد متنفس للمتفرجين بل باتت «منصة للتجييش كما القنوات التي تعرضها».
فهو يرى أنه «لا يوجد برنامج ساخر حيادي في لبنان، ومن هنا مصدر الجماهيرية ربما، لكن في الحقيقة المعادلة ليست لصالح الشاشات، لأنها تربح جمهورها المصطف إلى جانبها أصلاً، ولا تجتذب جمهور الآخر».
ويوافقه في ذلك كثيرون، فطالبة الحقوق سوسن (21 عاماً) تحرص على تسمية برنامج واحد لأنه «بيفشلي خلقي»، فيما يسمّي سامر (27 عاماً) برنامجاً «لا يتابع غيره» لأن الباقين حسبها منحازون لدرجة لا يمكنني تحملها ! أما سالي فيبدو أنها ارتدّت لأنها سئمت هذه البرامج الساخرة.
ويقول محللون الأسلوب الساخر مهم جدا في بعض الأعمال الصحافية وليس أغلبها وخاصة التلفزيون ووسائل الإعلام المرئية وأيضا النقد والتحليل السياسي. وبالفعل النقد الساخر يحرر الصحافي ويجعله أكثر وضوحا، وبخاصة إذا استخدم التعابير الصورية التي تعطي انطباعاً لدى المشاهد يمكن أن يصل من خلاله إلى الحقيقة.
لكن بعض وسائل الإعلام تستخدم الطابع الساخر كوسيلة لإيقاع الشباب المندفع، الذي يرغب بكل ما هو جري ومتحرر فجيل الشباب في أي بلد وفي أي عصر يمثل الفئة المندفعة التي تواكب التيار السياسي والاجتماعي بقوة، وهو لا يحبذ القيود ويندفع دوما خلف التحرر والنقد والتعليق.
لذا تستقطبه البرامج والمقالات الساخرة لأنها ترمز إلى الحرية وتمثل له القوه وعدم المبالاة والتحرر وعدم الخوف من النتائج.. فيقع أحيانا فريسة لسياسة بعض البرامج والمقالات التي تستغل اندفاعه وتسمم أفكاره بأوهام ومعلومات غير حقيقية مصبوغة بطابع ساخر.