في مؤتمر صحافي حاشد، أبلغ الرئيس الأميركي جورج بوش الحاضرين بأنه قرر إعدام 20 ألف عراقي، وطبيب أسنان واحد... تُرى لماذا يريد بوش إعدام هذا الطبيب؟؟..انتهت النكتة! ولعل بوش هو أكثر مَن تدور حوله النكات، في العصر الراهن.
لقد تحوّل بوش، إلى مادة دسمة نهلت منها النكات والتعليقات الساخرة، وذلك عائد، حسب المحللين إلى استياء الرأي العام الأميركي (والعالمي) من سياساته في العراق وأفغانستان، ومن سياسته الخارجية عموماً.
ومن بين أبرز تلك العروض، تلك التي يقدّمها المعلّق الساخر ديفيد ليترمان، الذي يقول في إحدى نكاته: «بوش من أكثر المتحمسين لنقل السلطة للعراقيين.. لماذا؟.. لأنه يفكر في غزوهم مجدداً». ويضيف «الرئيس يقول أنه ينوي إجراء انتخابات حرة في العراق ليحقق الديمقراطية ويقضي على البطالة.. لماذا ؟.. لأنه لو نجح، سيطبق سياسته هنا في أميركا».
ولعل أبرز نكتة تلقاها بوش، كانت من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، (في قمة مجموعة الثماني في 2006)، حين عرض بوش على بوتين «انتهاج الديمقراطية التي روّجنا لها في العراق. بات هناك حرية في التعبير»، فأجابه بوتين «بالتأكيد لن نرغب بديمقراطية على طراز العراق».
وقد حوّرت هذه النكتة للتحوّل إلى الآتي: قال بوش لبوتين «الولايات المتحدة بلد ديمقراطي، بوسع أي أميركي أن يدخل إلى البيت الأبيض ويشتمني»، فرد بوتين «إذن، روسيا ديمقراطية أيضا، بإمكان أي روسي أن يدخل إلى الكرملين، ويشتمك».
فهل تعتبر النكتة السياسية وسيلة يلجأ إليها الناس لانتقاد ما يعجزون عن تغييره؟. أم أنها جزء من «حملة مقاومة» تهدف إلى تغيير الأنظمة أو أصلاحها؟. أم أنها مجرد تعبير عن «استياء شعبي» من قرار ما؟. أم أنها عين ناقدة تكشف العيوب، فترصد مثلاً الهوة الواسعة بين الطبقات الاجتماعية أو التناقض الصارخ وبين وعود الحكومات وخيبات الشعوب؟
النكتة السياسية بالنسبة للأستاذ الجامعي المتخصص في علوم الإنسان اليوت اورينغ هي، بلا شك، وسيلة مقاومة فاعلة، وإلا لماذا عرف التاريخ «قمعاً» بلغ حد الإعدام بحق فنانين اشتهروا بسخرياتهم اللاذعة؟.. في مقدمتهم رسام الكاريكاتير ناجي العلي الذي اغتيل في لندن في العام 1987.
النكتة.. قد تقتل صاحبها إذن، فهل نجح مطلقو النكات فعلاً في تغيير أنظمتهم؟.. ويشرح اورينغ أن «التهكم ليس مجرد وسيلة للترفيه.. وإلا لمَ تُفرض عليه الرقابة، فالمجتمعات المحافظة تحظر النكات الجنسية، وبعض المجتمعات تحظر النكات العرقية»، مضيفاً أن «النكتة قد تكون مكلفة»، ذاكراً كيف تم إعدام ثيوكريتوس دوشيوس عندما قيل له أن الملك انتيغونوس (82-301 قبل الميلاد) سيعفو عنه إن «هو وقف أمام ناظريه». ولعلمه بأن الملك نصف ضرير، أجاب: «إذن، العفو مستحيل».
وروى اورينغ، كيف «حكمت محكمة نازية على القس جوزف ميللر بالإعدام لأنه ألف نكتة عن جندي ألماني طلب أن يُدفن بين هتلر و(الزعيم النازي) هيرمان، سارداً أيضا كيف «قطع نظام صدام حسين لسان المسؤول العسكري العراقي عمر الهزاع لأنه تندّر على نسب صدام (لصدام أربعة أشقاء، لكل منهم والد).
أستاذ علوم الإنسان في جامعة «أوكلاند» الأميركية براين كونيري يفرّق، بين الأنظمة عندما يتحدث عن أثر النكتة، ومدى فاعليتها، بالقول «في مجتمعنا (الأميركي) تبدي الإدارة تسامحاً إزاء التهكم. وهي بهذا التكتيك تحمي نفسها ممن قد يرى في استيائها المحتمل اعترافاً بالخطأ الذي تنتقده النكتة، ولهذا لا تؤتي النكتة أكلها.. سوى شعبياً، بأن تنتشر من دون أن تغيّر شيئاً في السياسة».
ويروي المعلّق جاي لينو طرفة سياسية أخرى: أرادت لجنة التحقيق في هجمات سبتمبر الاطلاع على ثلاثة تقارير استخباراتية. حمل التقرير الأول عنوان: «اسامة بن لادن يخطط لهجوم وشيك على أميركا»، فيما كان عنوان التقرير الثاني، الذي أُرسل بعد أسبوع، «اسامة بن لادن يخطط حقا لهجوم على الولايات المتحدة».. أما التقرير الثالث فكان بعنوان «سيدي الرئيس أرجوك دع اللعبة التي بين يديك.. اسامة بن لادن يخطط حقا لهجوم على الولايات المتحدة».
ثمة شخصيات، تعتبر هي بنفسها مثيرة للسخرية. فبوش مثلاً عرف بجمله غير المترابطة، وأخطائه اللغوية. واشتُهر وزير الخارجية الفرنسي السابق فيليب دوست بلازي «بقلة خبرته السياسية»، ففي حديث لقناة في هونغ كونغ، قال دوست بلازي أن «الصين لم تخض يوماً، حرباً خارج حدودها». وكتب أحد المعلقين ساخراً أن «الحرب الكورية في 1950، وعلى الهند في 1962، وعلى الفيتنام في 1979، واجتياح التيبت في 1949، هي غزوات كثيرة لبلد لم يخض حروباً خارج حدوده!».
ويقول محللون أن السياسيين يلجأون إلى التندر على أنفسهم «لتكذيب ما يشاع عنهم»، معتبراً أن «الرد على النكتة بغضب، يثبت صحتها.. ولجوء الساسة إلى الانتقام من أصحاب النكت يظهر ضعفهم». في هذه الحالة، تصبح السخرية مهددة للنظام.. فالنكتة وسيلة سلمية للتعبير، والرد عليها بعنف يثبت ظلم النظام.
والكثير من الأنظمة شكلت وحدات خاصة لرصد النكات الشعبية، لقمعها أو لقياس الرأي العام. وهو أمر اعتمدته أيضا القوات الأميركية في العراق سنة2004 حيث تم تشكيل وحدة لرصد النكات أطلق عليها اسم «بعوضة بغداد».
أبرز طرائف بوش
تصريحات متناقضة وأخرى مضحكة
* تندر الرئيس الأميركي على نفسه. ورداً على تسريبات تحدثت عن قلة سعته ثقافياً، قال بوش، في انتخابات العام 2000، «يسعدني أن أزفّ إليكم الخبر: لقد انتهيت أمس من قراءة كتاب سندريللا».
* كما أن «خضوع» رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لبوش، كان محط سخرية معلقين ساخرين ورسامي كاريكاتور، في مختلف أنحاء العالم، إلى أن اضطر بوش، في حديث لصحيفة «صن» في 2007، أن ينفي قائلاً: «كلا بلير ليس كلبي.. هو أكبر من ذلك».
* أنا القائد.. ولا أحتاج لأن أشرح ما أقول وسبب ما أقول.. ذلك هو الأمر الممتع في كوني رئيسا.
* الأهم هو أن نجد أسامة بن لادن. هو على رأس أولوياتنا ولن نهدأ قبل أن نجده. هذا ما قاله بوش في 13 سبتمبر 2001 في واشنطن. وفي 13 مارس 2002 قال «لا أعرف أين أسامة بن لادن، وصراحةً أنا لا أكترث، الأمر ليس مهماً وليس من ضمن أولوياتنا».
* مقابل كل حادثة إطلاق نار قاتل، كان هناك نحو ثلاثة حوادث غير قاتلة، وهذا أمر غير مقبول في أميركا.
* أعداؤنا مبتكرِون وواسعو الحيلة. ونحن أيضا كذلك. هم لا ينفكون بالتفكير بطرق جديدة لإيذاء بلادنا وشعبنا، وكذلك نحن.
* أكثر ما هو مثير للاهتمام في ما يتعلق بجورج واشنطن، أول رئيس أميركي طبعاً، هو أني قرأت له ثلاثة من أصل كتبه الأربعة.. أليس ذلك مثيراً
واشنطن ـ جنان جمعاوي