خرجوا إلى السوق بأعمال صحافية لا تشذ كثيراً عن قاعدة السوق، أو عن الموجود فيها. اختاروا أن يبدأوا مشوارهم بكثير من الإصرار، وبالغرق في مشاريع تخرجهم حتى اللحظة الأخيرة، قبل انطلاق وقت التقييم. 11 مجلة أنتجها 43 طالباً وطالبة من جامعة بيروت العربية.

بعد 4 سنوات جامعية، تواجهوا مع عملهم التطبيقي الشامل الأول. أشهر من التحضير، أتعبتهم، ولم تفسح لهم المجال لنفس قصير، على الأرجح أنهم يأخذونه الآن، ليراقبوا أعمالهم، وهم يكررون رغبتهم في مزيد من الوقت، لمزيد من الاتقان.

نزلوا إلى الشارع مهنياً، للمرة الأولى. تعاملوا مع الناس، سألوهم، وقابلوا الشخصيات. ثم عادوا إلى بيوتهم وكتبوا، ثم صححوا، ونشروا في عمل احتاج إلى كثير من المهارات، من ضمنها، للأسف، الحنكة التسويقية، والقدرة على جذب اعلانات تزيح هم التكلفة الباهظة لعملهم، والتي تتخطى 3 آلاف دولار.

في المجلات، انضباط واضح ورقابة ذاتية في تقديم المادة. وفي المجلات، تبني واقتباس وتأثر «فائض» بما تقدمه وسائل إعلام ترضخ لقوانين كثيرة، ولشروط أكثر. نسي الطلاب أن يستغلوا هوامش الحرية التي يتمتعون بحد كبير منها، حتى لو كانوا ممنوعين من مقاربة السياسة.

نسوا أن يخلعوا انغماسهم بمواد قرأوها على صفحات مجلات تجارية، ونسوا أن يقولوا أكثر عن إعلام اليوم، عن بعده عن توقعاتهم به، وعن شذوذه عن أخلاقيات المهنة، عن بعض أفكاره المكررة، عن الثقافة والعروض المسرحية والرقص والتمثيل، عن التعليم، الجنس، الدين، العمل، الأجور، التخرج، آثار عدم الاستقرار على اندفاعهم واقبالهم على الحياة، مشاكلهم الجامعية، المهن الغريبة، خيالاتهم، عبثهم، مثاليتهم.

نسوا أن ينتقدوا تجارب إعلامية، فنية، سياسية، تربوية، ثقافية، وفضلوا تمجيد الشخصيات، فرأينا عشرات المقابلات مع الوزراء، والفنانات وعارضات الأزياء، ومصممي الأزياء. لم يبحثوا كثيراً، لا في داخلهم، ولا في الضخ الهائل عبر الإنترنت للمعلومات والتجارب الصحافية العربية والعالمية والمدونات والمنشورات المختلفة.

ما قدم في مشاريع التخرج هذه يقول أن بعض الطلاب اعتمدوا بدرجة كبيرة على مشاريع سابقة، وعلى مجلات السوق الفنية والاجتماعية التي تهتم بالدرجة الأولى بنسبة المبيع، والملفت أيضاً التأثر الكبير بالبرامج التلفزيونية لجهة نوعية المواضيع وخفتها وقالب كتابتها.

السؤال هو: كيف يتحول طالب لم يتخرج بعد، ولم يطوّعه سوق العمل بعد، إلى رئيس تحرير، ومدير تحرير، ومصحح لغوي، و«بائع» محنك ولجوج للاعلانات، وصحافي في آن. كيف يستطيع أن ينتج عملاً يحتاج إلى مؤسسة متكاملة، وهو يقضي نصف الوقت الممنوح له يستجدي الشركات لتغطي تكلفة عمله، والنصف الآخر ساهراً على طباعة مجلته؟ لنفترض أن هؤلاء الطلاب في كلية الهندسة، أيطلب منهم بناء مجمّع في نهاية العام، أم يطلب تصور ومخطط مفصل له؟

بيروت ـ جهينة خالدية