كان لافتاً الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة«حماس» خالد مشعل إلى طهران بعد أيام قليلة من تأكيد سوريا وإسرائيل إجراء أول جولة من المحادثات غير المباشرة بينهما في تركيا في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، والتي تم على إثرها عقد جولة ثانية في السادس عشر من الشهر الجاري، والاتفاق كذلك على عقد جولتين جديدتين في يوليو المقبل.
زيارة مشعل والتي وجد فيها حفاوة بالغة، واستقبله خلالها كبار القادة الإيرانيين، عكست بشكل واضح، وجود قلق كبير لدى حركة «حماس» وأيضاً في إيران من تغير في المزاج السوري تجاه العلاقات مع «الأصدقاء القدامى»، خاصة وان متطلبات السلام ـ إن تحقق ـ مع إسرائيل ستفرض على دمشق معادلات جديدة لن تصب في جميع الأحوال لصالح استمرار هذا الدفء المتواصل منذ سنوات طويلة.
منبع هذا القلق أن إسرائيل حددت منذ البداية أطراً عامة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا، عنوانها الرئيسي «تفكيك محور دمشق ـ طهران»، وتفاصيلها الواسعة حددتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في ثلاث نقاط هي إقدام سوريا على فك ارتباطاتها مع إيران وكذلك حزب الله اللبناني إضافة إلى حركة «حماس» وغيرها من المنظمات الفلسطينية التي تستضيفها دمشق.
وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك كان أكثر تحديداً وقال لصحيفة «لوموند» الفرنسية في التاسع عشر من الشهر الجاري تعليقاً على المفاوضات مع سوريا: «أرى هلالاً شيعياً ممتداً من إيران حتى جنوب العراق وصولاً إلى دمشق وجنوب لبنان، وحتى إلى حماس التي ليست شيعية».
وأشار إلى إمكانية إضعاف هذا الهلال الشيعي بشكل كبير أو تعديل طبيعته «إذا تم تحويل سوريا عن الخط الذي انتهجته.. إذا اتخذت سوريا هذا القرار، فذلك سيغير كثيراً من الأمور.. إيران ستضعف كثيراً بمواجهة العالم العربي إذا وجدت نفسها محرومة من دعم هذه الدولة العربية الوحيدة وستصبح قوة غير عربية متسلطة تحاول تهديد الدول العربية الأخرى.. عندها سيضعف حزب الله، وتقل مساحة المناورة أمام حركة حماس».
هذا الوضوح الإسرائيلي في تحديد «الفواتير» الواجب على سوريا تسديدها من أجل التوصل إلى اتفاق سلام، قابله في البداية تحفظ سوري تجاه التخلي عن «الأصدقاء القدامى»، إلى أن جاءت تصريحات غاية في الصراحة لنائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أدلى بها لصحيفة «شيكاغو تريبيون» الأميركية في الثامن عشر من الشهر الجاري.
وقال فيها إن «التوصل إلى سلام مع إسرائيل سيخلق (حقائق جديدة) في العلاقة مع حزب الله وحماس». وأضاف «وفي هذا الخصوص، لطالما احترمت سوريا التزاماتها.. نعتقد أنه إذا تحقق السلام فإن الوضع لن يكون كما هو عليه اليوم».
عبارة «الحقائق الجديدة» تعني بشكل أساسي، أن سوريا تستعد إلى «وقفة مهمة» مع الأصدقاء الذين طالما شكلوا معها على مدى السنوات الماضية، محوراً قوياً ضد الدولة العبرية، وتزعموا «خندق المقاومة» في وجه الاحتلال سواء في جنوب لبنان أو في فلسطين، وحققوا في هذا الإطار نتائج تمثلت في تحرير جنوب لبنان وقطاع غزة.
السؤال الآن.. إذا كانت إسرائيل وضعت أطراً أو لنقل صراحة شروطاً للوصول إلى اتفاق مع سوريا.. فما الذي تريده دمشق في المقابل من وراء الـ «وقفة مع الأصدقاء» أو الحقائق الجديدة التي ستترسخ على الأرض بانجاز اتفاق سلام مع إسرائيل؟
بالتأكيد ترى إسرائيل أن هناك أكثر من هدف تصبو دمشق إلى تحقيقه من الـ «وقفة» المنتظرة مع الأصدقاء، ليس أهمها استعادة الجولان.. فهذه مسألة شبه منتهية وتم الوصول الى تفاهمات بشأنها في المفاوضات التي علقت عام 2000، بل ان هناك قرارات دولية تحكمها، ومن ثم فان زوال الاحتلال عنها أمر لا مفر منه على الإطلاق.
إذن المسألة تتعدى استعادة الجولان إلى محاولة إبرام صفقة كبرى، تتضمن أولاً وقف التحرشات العسكرية الإسرائيلية التي تهدد الاستقرار في سوريا، والتي كانت أبرزها الغارة التي نفذتها طائرات إسرائيلية على موقع نووي سوري مزعوم في سبتمبر2007.
إضافة إلى عدم «التضخيم» من قدرات الجيش السوري، مثلما حاولت مصادر عسكرية إسرائيلية الإيحاء بهذا الأمر والترويج إلى أن «الجيش السوري يشهد مرحلة تطور بالغة الخطورة.
ويتم تحويله إلى جيش صغير وذكي ليصبح الجيش النظامي الوحيد في العالم الذي يتبنى نهج حرب العصابات ويتسلح بالأسلحة المناسبة لهذا الأمر من روسيا مثل الصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ الحديثة ضد الطائرات وكذلك الصواريخ الموجهة للعمق الإسرائيلي، الأمر الذي جعله يصل إلى توازن استراتيجي مع الدولة العبرية».
ثاني عناصر هذه الصفقة وضع حد للمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، إذ تخشى دمشق أن يتم «تسييس»هذه المحكمة لتطال عناصر مؤثرة في سوريا من أجل الضغط عليها ومحاصرتها.
النقطة الثالثة هي رغبة سوريا في الحصول على دور خاص في لبنان، يراعي العلاقات التاريخية والاقتصادية والتجارية التي تربط البلدين، ولكن بـ «موافقة ومباركة دولية» بعدما حرمت دمشق من هذا الدور عقب سحب قواتها من لبنان في ابريل عام 2005.
آخر عناصر هذه الصفقة، هو رغبة دمشق بحدوث انفتاح كبير مع الولايات المتحدة الأميركية، بعدما شهدت السنوات الأخيرة فتوراً شديداً وصل في أحيان كثيرة إلى حد استخدام واشنطن لغة التهديد بعمل عسكري ضد سوريا.
هذا الانفتاح تنظر إليه دمشق على أنه تأشيرة مرور إلى المجتمع الدولي وكسر طوق العزلة المفروض عليها، وتراه كذلك نافذة واسعة للحصول على مساعدات مالية واقتصادية أميركية، بعدما «ظلت دمشق سنوات طويلة تراقب المساعدات بعشرات المليارات من الدولارات التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر»، وفق تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك.
إذن هي صفقة كبيرة بكل المقاييس، وستتطلب «تنازلات» من ناحية إسرائيل.. وخلق «حقائق جديدة» من جانب سوريا تجاه «الأصدقاء القدامى»، الأمر الذي يجعل هؤلاء الأصدقاء أمام معضلة الإجابة على سؤال.. ما العمل إذا قررت دمشق التجاوب مع مقتضيات ومتطلبات السلام وخلق تلك «الحقائق الجديدة»؟
أغلب الظن أن أكبر الخاسرين من الأصدقاء القدامي من أي تحول سوري محتمل، هو قادة حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية المقيمة في دمشق، والذين سيجدون أنفسهم بين خيارين كلاهما أكثر مرارة من الآخر.. الأول محاولة البحث عن مكان آمن جديد يتابعون منه نشاطهم المعتاد، أو البقاء في دمشق ولكن وفق مقتضيات مرحلة السلام.. أي ضيوف لا يتسببون بإزعاج أو إحراج لـ «أصحاب الدار».. بمعنى أكثر صراحة زعماء بيانات.. لا قادة توجيه وتنظيم عمليات.
من هنا فان خالد مشعل كان أول من استشعر الخطر المقبل، وهرول إلى طهران بحثاً عن حلول لما يمكن أن تأتي به مرحلة السلام السوري الإسرائيلي على حركته، ورغم انه لا يزال يبني آمالاً على أن «سوريا لن تقطع علاقاتها مع حماس من أجل السلام مع إسرائيل».
إلا أن مصادر في حركته تحررت من «اللغة الدبلوماسية»، وقالت لصحيفة «جيروساليم بوست»الإسرائيلية في 25 مايو الماضي ان «قادة حماس على يقين من أنها وغيرها من قادة الفصائل التي تتخذ من دمشق مقراً لها ستكون أول من يدفع ثمن عقد معاهدة سلام بين إسرائيل وسوريا.
وأن أول شيء سيطلب من السوريين هو طرد مختلف التنظيمات »، مشيرة إلى أن «مشعل أبلغ المسؤولين الإيرانيين قلقه البالغ إزاء مستقبل حركته في سوريا، وانه أثناء اجتماعه بوزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي أثار معه إمكانية انتقال قيادة حماس من دمشق للعاصمة الإيرانية».
هذا عن «حماس» أما بالنسبة لبقية «الأصدقاء»، فبلاشك ان الحقائق السورية الجديدة، لن تكون بنفس درجة التأثير المتوقع على حركة المقاومة الإسلامية.. فإيران دولة كبيرة تستطيع حتى لو خسرت حليفاً استراتيجياً مهماً في المنطقة أن تجهز أدوات أخرى لتعويضه، خاصة وان لديها قوة عسكرية متطورة تضم صواريخ بعيدة المدى، تستطيع الوصول إلى أبعد نقطة في المنطقة، ترى فيها تهديد لأمنها.
أما بالنسبة لحزب الله اللبناني فالوضع كذلك مختلف بالنسبة له، إذ انه ورغم اعتماده لفترة طويلة على الدعم الذي وفرته له سوريا، إلا انه يتمتع برصيد ذاتي للبقاء، حيث إنه يشكل جزءاً أساسياً في التركيبة اللبنانية.. أي لديه دولة يستطيع التحرك فيها بسهولة، وبالتالي فليس لديه الكثير ليخسره حال أصبحت الحقائق السورية الجديدة واقعاً ملموساً.
ثقة
إيران لا تقلق «للجفاء»
إذا حاولنا رصد المواقف الإيرانية الرسمية منذ أن أعلن عن انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا، وجدنا أن طهران لا تبدي قلقا من إمكانية أن تعلن دمشق الجفاء معها وتتخلى عن تاريخ من العلاقات القوية المشتركة بينهما.
فرئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران آية الله أكبر علي هاشمي رفسنجاني قال إن «طهران ليست قلقة من كيفية سوريا مع إسرائيل»، وتابع ان «إخوتنا السوريين يتصرفون بحكمة أمام إسرائيل ونحن لسنا قلقين من هذا الجانب».
وأشاد بمواقف «المقاومة اللبنانية وسوريا والشعب الفلسطيني بعدم التنازل عن حقوقهم ومواقفهم المشروعة أمام الكيان الصهيوني»، مؤكداً أن «المقاومة هي الطريق المبدئي الوحيد لحصول هذا الشعب على حقوقه». ورأى أن إسرائيل وحماتها «ليسوا مستعدين لإعادة حقوق الشعب الفلسطيني المهدورة إليه ولهذا السبب فإنهم يخططون كل يوم لمؤامرة جديدة».
واعتبر رفسنجاني أن «المقاومة البطولية التي يخوضها الشعب الفلسطيني أمام ممارسات الكيان الصهيوني الوحشية توفيق وعناية إلهية للأمة الإسلامية». أما وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار فقال إن «سوريا تبقى حليفة طهران الاستراتيجية».
وتابع ان «العلاقات بين إيران وسوريا علاقات استراتيجية تقوم على المصالح الوطنية للبلدين والعالم الإسلامي». وأضاف ان «الأمن الجماعي السبيل الوحيد لمنع الأزمات الإقليمية». يذكر انه في 2006 عزز التحالف بين إيران وسوريا الذي يعود إلى 30 عاما بتوقيع اتفاق تعاون عسكري، نظرت إليه إسرائيل وكثير من القوى الدولية المهمة مثل الولايات المتحدة الأميركية بكثير من القلق والريبة.
مخاوف
حزب الله.. صداع لإسرائيل
تبدي إسرائيل قلقاً كبيراً من حزب الله اللبناني، خاصة خلال السنتين الأخيرتين، وبالتحديد من الأداء الذي قدمه في حرب يوليو عام 2006، وتماسكه أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية الجبارة، وكذلك سيطرة عناصره بسهولة وبواسطة السلاح في ساعات معدودة على بيروت في شهر مايو الماضي.
هذه التطورات نظرت إليها تل أبيب بكثير من الاهتمام والقلق البالغين، ورأت فيها أن ما حدث هو نهاية لمن تصفهم ب«المعتدلين» أو قوى 14 آذار، التي ينبذ مشروعها السياسي فكرة المقاومة والمواجهة، ويجنح نحو السير وراء خطاب التسوية العربي.
وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني ترى أن «القوى المعتدلة في لبنان أخذت تضعف فيما تحاول إيران السيطرة على هذه الدولة»، مشيرة إلى أن حزب الله هو «جماعة مسلحة تابعة لإيران وتحاول زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن ثم فإن إسرائيل تتوقع من جميع دول العالم التي تشاركها القيم ذاتها أن تبدي حزما في الحرب ضد المتطرفين» على حد زعمها.
أما قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجديد اللواء عيدو نحوشتان فقال إن «إسرائيل تعيش في محيط مثخن بالمخاطر والتهديدات». وقال ملمحاً لحزب الله إنه يشكل «بناء قوة مقلق ويقود إلى انعدام استقرار». ويعتقد الكثير من المحللين أن إدراك إسرائيل لهذه المخاطر من جانب حزب الله، هو الذي دفعها إلى السير في طريق المفاوضات مع سوريا، حتى تدفعها إلى «فرملة» تحركات الحزب أو على الأقل ضبطها في الفترة المقبلة على الحدود مع إسرائيل.
خالد سيد أحمد