يستمد هذا الكتاب أهميته من أن مؤلفته مادلين أولبرايت تتصدى لمهمة تأليفه انطلاقا من خبرة طويلة في مواقع قيادية في العمل التنفيذي في الخارجية الأميركية وكمندوبة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة فضلا عن عملها بالتدريس الأكاديمي سنوات طويلة.
وكذلك من طبيعة المهمة التي تتصدى للقيام بها على امتداد صفحات الكتاب، وهي وضع ملامح خطة موجهة في قالب مذكرة مكتوبة للرئيس الأميركي المقبل لاسترداد مصداقية أميركا في إطار العلاقات الدولية وتحسين صورتها التي شوهت بعمق في غمار مسلسل الأخطاء التي تردت فيها إدارة بوش على امتداد سبع سنوات. وجوهر المهمة التي تقوم بها المؤلفة هنا يدور حول استعادة أميركا الحقيقية وإخراجها من ركام الرماد الذي تراكم حولها وجعل العالم كله يتطلع على شخصية جديدة في البيت الأبيض يتاح لها الخروج بأميركا إلى عهد جديد مختلف تماما عن أميركا في ظل إدارة بوش.
هكذا فإن ما تقدمه المؤلفة ليس وصفة جاهزة للخروج من ورطة حقيقية،وإنما مزيج مدهش وجدير بالاهتمام من دروس الماضي والاقتراحات المميزة للتعامل مع تحديات المستقبل. يتجاوز هذا الكتاب الفكرة التي قد ترد إلى ذهن القارئ جراء ما قد يوحي به العنوان الذي اختارته المؤلفة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة خلال فترة حكم الرئيس بيل كلينتون.
وهو «مذكرة إلى الرئيس المنتخب» فهو ليس مجرد نصائح وتوجيهات إلى الرئيس المقبل أيا كان، وإنما هو خلاصة رؤى أولبرايت التي اكتسبتها على مدى سنوات عمرها السبعين، في فترة حيوية من فترات التعاطي الأميركي مع العالم الخارجي من أجل هدف أساسي، هو استعادة سمعة الولايات المتحدة وقيادتها من أجل تحسين صورتها بعد أن أساء إليها الرئيس بوش خلال فترة ولايته التي استمرت ثماني سنوات. وعلى ذلك فإنه مع دخول حملة الانتخابات الرئاسية 2008 مرحلتها الحاسمة، فإن الكتاب سيكون مرجعاً في السياسات الخارجية لا غنى عنه للرئيس الأميركي الجديد، إذ إن إمكانيات مادلين أولبرايت لتقديم النصح إلى الرئيس المستقبلي، أيا كان إنما تستحق العناية والدرس بدقة.
وهو الأمر الذي تشير إليه المؤلفة نفسها حيث تدعو القارئ ـ وليس الرئيس المقبل فقط ـ إلى اعتبار كتابها امتدادا للمهمة التي قامت عليها خلال حقبة حكم كلينتون كوزيرة للخارجية حيث كتبت العديد من المذكرات للرئيس، في إشارة إلى أن مهمتها في الكتاب طبيعية وليست جديدة عليها واكتساب ثقة القارئ فيما ستقدمه من خلال الكتاب.
وقد قسمت أولبرايت كتابها إلى قسمين، الأول منهما يتناول بالتحليل أدوات الأمن القومي المختلفة التي ستكون في حوزة الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، أو ما تصفه بأنه مرشد أو دليل للبيت الأبيض. أما الثاني فقد ناقشت من خلاله كيف أن هذه الأدوات يمكن استخدامها على نحو يتوافق مع مشاكل القرن الحادي والعشرين، وإن كانت تشير إلى أنها على مدار الجزأين ترتاد قضايا السياسات الدولية وليست الداخلية وهى القضايا التي كانت تمثل جوهر عملها.
ولا تخفي أولبرايت تحيزها لأهمية ذلك المجال باعتبار أنه المحك الحقيقي لقدرات القائم على إدارة شؤون البلاد ونقله من مستوى زعيم قومي إلى زعيم عالمي، ومن سياسي إلى رجل دولة. وتعزز رأيها ذاك بالإشارة إلى أن المسؤوليات الدولية للرئيس هي التي تجعل الناس عبر المعمورة تتابع الانتخابات الأميركية بقدر كبير من الاهتمام، معربة عن أسفها بأن ذلك الاهتمام يتجاوز في بعض الأحيان، ذلك الذي يبديه بعض المواطنين الأميركيين أنفسهم.
وتبدو هذه الرؤية من خلال استعراض عام للكتاب حيث تتطرق المؤلفة إلى كافة جوانب السياسة الخارجية الأميركية في الألفية الجديدة ابتداء من اختيار فريق الصف الأول من المستشارين لمواجهة مشاكل الشرق الأوسط إلى كيفية إدارة علاقات الولايات المتحدة مع قادة معينين وطريقة استمالتهم من الزعماء ذوي المزاج الصعب مثل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ورئيس فنزويلا هوغو شافيز ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ.
وتعرض مادلين أولبرايت مجموعة من التوصيات المقنعة والاستراتيجيات البديلة للرئيس المرتقب. وتشرح الوزيرة أولبرايت كيفية اختيار المستشارين المقربين وفريق الخبراء في السياسة الخارجية، وكيف يتم تجنب المآزق التي وقعت بها الإدارة الأميركية الحالية. كما تشرح كيفية صنع القرارات المصيرية والحاسمة وطريقة صياغتها بعناية وتطبيقها بنجاح وبأقل عدد ممكن من المشاكل والخسائر.
وتمضي الوزيرة الأميركية السابقة أولبرايت في كتابها بشرح أنجع الوسائل الدبلوماسية للتحاور مع دول العالم، بدلاً من تحديها وإغضابها. وترى أنه يمكن للرئيس الأميركي المنتخب القادم أن يوظف بذكاء كافة الأدوات الدبلوماسية المتاحة أمامه لإقناع الدول الأخرى بدعم أهداف الولايات المتحدة والوقوف إلى صفها.
وتنتقل الوزيرة الأميركية في الفصل الأخير من كتابها إلى شرح المحاور الرئيسية والتحديات الهامة التي ستكون برأيها على جدول أولويات الرئيس الأميركي المنتخب وأهمها: الحرب على الإرهاب، حرب العراق، تحديات الشرق الأوسط، ضبط الأسلحة النووية والسباق إلى التسلح النووي، ونهضة آسيا والتحديات الاقتصادية المقبلة، والتهديدات المنبثقة أمام الديمقراطية.
وعلى المستوى الشكلي، لا تنسى أولبرايت في ظل حقيقة أن سيدة تخوض الانتخابات هي هيلاري كلينتون أن تشير إلى حيرتها بشأن الصفة التي ستوجه بها حديثها إلى الرئيس المقبل هل: هو أم هي، وقد اختارت حلا يبدو تلفيقيا، تعرب هي نفسها عن شكه في أن يلقى القبول، حيث وجهت الحديث للرئيس بصفته رجل، فيما وجهت الحديث إلى القائم على وزارة الخارجية باعتبارها سيدة!
من هذا الإطار العام والتمهيدي تعرض أولبرايت لفكرة تأليف الكتاب وهى لحظة ذات دلالة حيث تذكر أنها جاءتها من وحي جنازة الرئيس الأميركي الراحل جيرالد فورد في الثاني من يناير العام الماضي، وهى الجنازة التي حضرها حشد ممن تصفهم بأعضاء نادي الرئاسة كارتر وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن،.
لقد كانت تلك اللحظة حسب وصفها فرصة للتأمل .. فقد كانت الفكرة التي جالت في خاطرها هل يفكر هؤلاء ـ الرؤساء ـ في تلك اللحظة التي سيكونون فيها في موضع مشابه للموقف الذي يعيشونه، حينما ستخرج الأمة في وداعهم، باعتبار أن كل إنسان، وليس الرؤساء فقط، ترد على بالهم تلك الفكرة في لحظات الوداع أو الجنازة، فكرة حلول أوانهم وأن يكونوا محل التوديع إلى القبر من قبل آخرين، وعلى ذلك لمعت في ذهنها أنها، فيما تقول وداعا لرئيس قديم، فإنها يجب أن تكتب مذكرة إلى ذلك الوافد الجديد.
هنا وفي معرض الإشارة إلى صعوبة الدور الذي يلعبه الرئيس على نحو يتطلب في كثير من الأحيان السرعة والحزم في اتخاذ المواقف والقرارات، وبلغة تود معها الإشارة إلى أن الوضع خلال الحملات الانتخابية شيء وتولي المسؤولية الفعلية شيء آخر، تذكر أولبرايت أن المرشح يستطيع أن يحشد الناس حول شعار، ولكن مهام ومسؤوليات الرئيس تكون بالغة الاختلاف عندما يكون في موقع الحكم بالفعل، ما يؤكد اتساع الفارق بين التعامل مع قضايا الأمة عندما يكون الفرد في موقع الساعي إلى الرئاسة عنه عندما يكون في هذا الموقع بالفعل.
وتشير أولبرايت إلى أنه فيما تكتب هذا الكتاب، فإن شخصية الرئيس المقبل إلى البيت الأبيض موضع التخمينات ومن هنا أهمية ما تكتبه، ذلك انه يجب الأخذ في الاعتبار قبل التصويت لهذا الرئيس مشاكل الأمن القومي التي يجب عليه حلها، مضيفة أنها تكتب ما تكتبه بسبب عدم قدرتها على كتمان حالة القلق التي تنتابها بشأن الاتجاه الذي يقود الزعماء الحاليين في الولايات المتحدة بلادهم إليه.
من هذا الجانب يلحظ القارئ ارتفاع نبرة أولبرايت في انتقاد إدارة بوش على نحو يتصور معه أن الكتاب ليس مذكرة واحدة إلى الرئيس المنتخب وإنما مذكرتان أولاهما مذكرة نصح للمقبل والأخرى مذكرة توبيخ للحالي. وهنا تقول المؤلفة في معرض الإشارة إلى زيادة حدة سخطها على مواقف إدارة بوش إنه إذا كان يقال أن الروائي الأميركي مارك توين (1835 ـ 1910) كتب خلال السنوات الأخيرة بقلم تشعر معه حرارة الجحيم، فإنني أشعر بالبخار ينبعث من لوحة مفاتيح الكمبيوتر الشخصي الخاص بي، مؤكدة أنها نظرا لتدربها على العمل الدبلوماسي فإن كلماتها دائما محددة.
وسبب طبيعتها التي تتسم بالجرأة تسمح لنفسها بالقول أن غضبها على سوء قراءة إدارة بوش لأميركا والعالم، مضيفة أنه فيما يتجاوز الغضب، تشعر بالحزن، كما هو حال الكثيرين من الأميركيين بغض النظر عن انتماءهم. بل إنها تؤكد على أن ذلك لا يقتصر على الأميركيين مستشهدة بما ذكره لها أحد أصدقائها الأوروبيين: نحن نريد أميركا ـ أميركا الحقيقية ـ أن تعود. وبناء على ذلك تقرر إن الرئيس المقبل سيقرر إذا ما كان ذلك سيحدث بالفعل، وما يمكن أن يعنيه حال حدوثه.
إزاء ما قد تتيحه كلماتها من خطأ في الرؤية بالنسبة إلى البعض تذكر المؤلفة في معرض التوضيح أنها لا تستهدف من خلال مذكرتها النظر إلى الماضي، وإنما استعراض التحديات الكبيرة التي تواجه أميركا وما يمكن فعله معها؟ فمن ناحية فإن الرئيس المنتخب سيجد الأوضاع أمامه مواتية نظرا لوجود رغبة عالمية كبيرة في رؤية شخص جديد في البيت الأبيض في إشارة إلى حجم الغضب العالمي من سياسات بوش وانتظار الكثيرين يوم مغادرته كرئيس للولايات المتحدة. وأما على الجانب الآخر، فإن الرئيس المقبل سيكتشف أن عليه القيام بمهمة بطولية «هرقلية» في محاولة علاج الضرر الذي لحق بأميركا وسمعتها الجيدة.
وما بين كتابة الكتاب مع نهاية 2007 وتحديد الرئيس المقبل في نهاية 2008، ترى المؤلفة من قراءتها للواقع الأميركي والعالمي أنه لن يحدث طارئ ذو مغزى يمكن أن يغير من مجرى ما تحويه مذكرتها باستثناء كارثة لم تكن في الحسبان على شاكلة أحداث سبتمبر أو ما شابه.
وفي سياق تناولها لهذا الجانب المتعلق بتطورات العام الجاري تشير أولبرايت إلى توقعها استمرار احتلال السياسة الأميركية تجاه العراق مرتبة متقدمة في الجدل السياسي وأن يعلن الرئيس خفضا للقوات هناك وتعديلا للمهمة، غير أنها لا تشير إلى نقطة نهاية تبدو في الأفق بشأن استقرار مستقبل الأوضاع هناك أو في أفغانستان. أما على صعيد الأوضاع في الشرق الأوسط فتعرب عن اعتقادها أنه سيبقى مضطربا وأن تنظيم «القاعدة» سيوسع نطاق أعماله إلى أفريقيا وآسيا.
كما أن الطاقة والأمن البيئي من المحتمل، أن تستحوذ على جانب كبير من المناقشات بشأن التحديات العالمية فيما أن البرنامج النووي الإيراني على الرغم من أنه سيبقى مثيرا للقلق، إلا أنه لن يؤدي إلى الحرب. وتضيف: هنا في الداخل، فإنه فيما السياسات الأميركية تسير على غير هدي، فإن الكونغرس والبيت الأبيض سيلوم كل منهما الأخر، وكذلك سيفعل المسؤولين المدنيين والعسكريين، وسيتواصل هذا الجدل إلى أن يصل الجميع في النهاية إلى إلقاء التبعة على السي أي أيه.
ولوضع القارئ في أجواء إعداد الكتاب تشير أولبرايت إلى أنها خلال شهور العمل فيه ، منذ وفاة فورد، سعت إلى استطلاع آراء الجميع من أصدقاء وزملاء وطلبة بل وحتى وزراء خارجية سابقين، بشأن النصيحة التي يمكن أن يقدموها إلى الرئيس المقبل. وفي وقفة بالغة الدلالة تشير أولبرايت إلى ملحوظة هامة كانت تلمسها بنفسها خلال عملها كوزيرة للخارجية الأميركية حيث أن معظم النصائح تركزت على ماذا وليس كيف؟ بمعنى أن الرئيس المقبل مثلا عليه أن يصلح الاقتصاد، أما كيف فإن النصائح لا تتضمن ذلك.
الكاتبة في سطور
ـ شغلت مادلين أولبرايت منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال الفترة من 1997 إلى 2001، وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب.
ـ تتضمن سيرتها المهنية المميزة في الحكومة شغل عدة مناصب في مجلس الأمن الوطني، الكونغرس، والعمل سفيرة لبلادها لدى الأمم المتحدة.
ـ هي لاجئة من تشيكوسلوفاكيا هربت أسرتها من هتلر أولا ثم من الشيوعيين فوصلت إلى الولايات المتحدة وهى في الحادية عشرة من عمرها.
ـ أصدرت كتابين من قبل أحدهما حول سيرتها الذاتية والثاني بعنوان« الجبروت والجبار» ويتناول الدور الذي يلعبه الدين والأخلاق في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، والعلاقات المضطربة بين المجتمعات الإسلامية والغرب.
الصفحات: 328 (متوسط)
الكتاب: مذكرة إلى الرئيس المنتخب
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق
الناشر: هاربر كولينز، نيويورك، 2008