يمثل هذا الكتاب الذي صدر أوائل الشهر الجاري صدمة كبيرة للإدارة الأميركية والرئيس بوش على وجه الخصوص. وتنبع أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة من داخل البيت الأبيض تكشف تفاصيل ما جرى في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ الولايات المتحدة والنظام الدولي بأسره ومثلت تحولات كبيرة اعتبر البعض أن من أهم ملامحها الانفراد الأميركي بإدارة دفة الأمور الدولية الأمر الذي انعكس في تطويع إرادة الأمم المتحدة لقبول مشروع غزو العراق.
هنا يكشف لنا سكوت ماكليلان المتحدث السابق باسم البيت الأبيض ومن منطلق معايشته لتطورات تلك الفترة الكثير من الجوانب التي قد تبدو خفية على القارئ ويعرض لنا الكثير من تفاصيل العمليات التي دارت في كواليس البيت الأبيض وقادها بشكل أساسي صقور البيت الأبيض. وعلى رأسهم تشيني الذي يصفه المؤلف بالساحر، على نحو جرت معه الأمور بما يصفه المؤلف بنشر «ثقافة الخداع» سواء على مستوى الداخل أو الخارج. والخلاصة التي يؤكد عليها المؤلف هي أنه إذا كانت الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية فإن الحرب على العراق لم تكن كذلك، وهو ما يعني بالنسبة له أن تلك الحرب إنما كانت بأي الأحوال خطأ استراتيجيا.
يختتم المؤلف كتابه بما أثاره من جدل بوضع روشتة يضمنها ما يراه ضروريا من أجل تجاوز ثقافة الخداع في واشنطن. ومنتقلا في هذا السياق من السياسة الخارجية إلى قلب الأوضاع الداخلية يستعرض سكوت ماكليلان موقف إدارة بوش من الإعصار كاترينا الذي كان بمثابة أسوأ كارثة طبيعية في تاريخ الولايات المتحدة والذي لقيت الإدارة بسببه انتقادات بالغة على خلفية تعاطيها معه. وهنا يكرس المؤلف الرؤية التي سادت وتتهم البيت الأبيض بسوء التعامل مع الكارثة. وكان الإعصار قد حدث في وقت وصلت فيه شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوياتها ووقتها تعالت أصوات ضحايا الفيضانات منتقدة الطريقة التي عالجت بها السلطات الموقف، متهمين الإدارة الأميركية بالبطء في اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وهو الأمر الذي أعاد إلى الأذهان إعصار إندريو الذي أطاح بشعبية الرئيس بوش الأب عام 1992 بسبب تهم مشابهة تناولت الطريقة التي عالجت بها إدارته الكارثة. وفي معرض تناوله لهذه القضية وجه ماكليلان انتقادات قوية لموظفي البيت الأبيض وأكد أنهم أمضوا الجزء الأكبر من الأسبوع الأول وهم في حالة إنكار لما حدث مشيرا إلى أن إحدى الكوارث في تاريخ أمتنا تحولت إلى إحدى أكبر الكوارث في رئاسة بوش. وأضاف: إن النظرة إلى هذه الكارثة باتت أسوأ بسبب قرارات سابقة اتخذها الرئيس بوش وخاصة فشله في التعامل بصراحة ومباشرة في قضية العراق، والتسرع إلى خوض الحرب دون تخطيط وتحضير مناسبين لفترة ما بعد الاجتياح.
علاج ثقافة الخداع
ثم يقدم لنا المؤلف بعد هذه الجولة الكبيرة رؤاه بشأن ما يمكن اعتباره سبل تغيير ما يصفه بثقافة الخداع مشيرا إلى أنه عندما وصل بوش إلى البيت الأبيض كان يرى أن ذلك يمكن أن يمثل فرصة حقيقية له لتجاوز السياسات القديمة القائمة على التناحر الحزبي وتقديم أخرى مختلفة تمثل جوهر ما جاء بوش من أجل تحقيقه، غير أن الأمور، جاءت على العكس من ذلك، وهنا يقول المؤلف إلى أن أداء الرئيس ونمط إدارته للحكم انتهى ليس على النحو الذي إلى أدى إلى إلحاق الأذى بالخصوم والإعلام وإنما إلى الإضرار بالذات كذلك.
هنا يعرض لمجموعة من السياسات على صعيد الداخل قائلا إن المشكلة تتمثل في الأساس الذي كان ينطلق منه بوش وإدارته في التعاطي مع قضايا الحكم، على نحو افتقد في أغلب الأحيان الأصول الواجبة مشيرا إلى قرار الإدارة بالحرب على العراق والذي يعبر، حسبما يرى، عن أزمة في فهم ماهية الحكم على صعيد الإدارة.
ومن بين المؤاخذات التي يقدمها المؤلف إشارته إلى تسويق الحرب عبر ما يمكن اعتباره حملة ترويجية إعلامية بدلا من أن تتم عبر مناقشات مفتوحة وتقوم على أسس بشأن ضرورة الحرب، الأمر الذي يعتبره أمرا بالغ الخطورة.
قائلا: ونحن نرى اليوم نتائجها المدمرة حيث تعيش واشنطن حالة استقطاب، وسط عدم قدرة الكونجرس والبيت الأبيض على الالتقاء من أجل تحقيق ما هو خير للأمة وقواتها والوصول إلى إجماع بشأن الحرب على العراق والتوصل إلى موقف يحقق المصلحة العامة، على نحو جعل المجال، حسب المؤلف، مفتوحا لتساؤل بشأن وجود نوع من الخداع المتعمد على مستوى الخطاب العام.
أحب بوش.. ولكن
وفي عبارة محددة يشير المؤلف إلى أنه مازال من المحبين للرئيس بوش والمعجبين به واعتباره شخصا جدير بالتقدير. ولكن المشكلة من وجهة نظره هو الأسلوب الذي تم به خوض الحرب على العراق على نحو افتقد الصراحة والأمانة اللازمتين من أجل إيجاد نوع من المساندة الشعبية خلالها.
مشيرا إلى أنه لو كان هناك نوع من الشفافية في التعاطي مع قرار الحرب لكان الأمر مختلفا اليوم ولكانت هناك مساندة شعبية أقوى اليوم، وهو ما يعني أنه لم يتم التعامل مع هذه القضية على نحو جيد من قبل كبار مستشاري الرئيس خاصة اولئك القائمين على الإشراف على الأمن القومي مباشرة.
وفي مناقشة لتفاصيل وجهة نظره بشأن هذا الجانب يقول المؤلف إن كل ما يأمله الرئيس اليوم هو أن تتحقق رؤيته بشأن العراق في النهاية ، وأن يضع الشرق الأوسط على طريق جديد على النحو الذي يبرر قراره بالذهاب إلى الحرب.
مضيفا: إنني يمكنني أن أرحب بمثل هذا التطور كشيء إيجابي لأميركا وللعراق، وللعالم. إن بوش يعرف أن الأجيال المقبلة لديها طريقة في مكافأة النجاح فيما يتعلق بالصراحة والإخلاص أو الأمانة.. ولكن إذا كان التاريخ سيقدم حكمه على ما تم في الأعوام والعقود المقبلة.
فإننا لا يمكن لنا أن نتستر على الحقيقة التي يريد هذا الكتاب أن يضعها أمام قارئه والدروس التي يمكن لنا أن نتعلمها من فهمها على نحو جيد. إن السماح للأمور أن تسير على النحو الذي جرت عليه خلال حكم بوش قد لا ينتهي بالضرورة إلى حرب أخرى غير ضرورية .
ولكن مثل هذه السياسة والأساس الذي تقوم عليه المفتقد إلى الصراحة والمباشرة والوضوح يمكن أن يفعل فعله على صعيد تقويض فرص التشاور المطلوب والتنافس الحزبي والوصول إلى حلول ذات معنى للمشاكل الرئيسية التي يتمنى الأميركيون التوصل إلى حل لها.
ويقول المؤلف إنه حاول تجنب التورط في السؤال بشأن من هو الأكثر مسؤولية بشأن الثقافة السائدة الحالية القائمة على الخداع في واشنطن؟ الأمر الذي قد يتطلب في حد ذاته كتابا مستقلا، ولكنه يضيف أن اعتقاده أن نظرة موضوعية محايدة على الحقائق سوف تجعل المرء يخلص إلى أنه يوجد قدر كبير من اللوم والمسؤولية المشتركة.
بدءا من رئيسي الحزبين مرورا بقادة الجمهوريين والديمقراطيين في الكونجرس ، وصولا إلى قادة جماعات الضغط، وانتهاءً بالقائمين على الإعلام سواء في واشنطن أم على مستوى الدولة، الذين مثلوا عاملا ميسرا للوصول إلى ما هو عليه الحال الآن.
لا أحد بلا خطيئة
ومن وحي مقولة المسيح يقول المؤلف دعونا نأمل أن يقوم من كان بلا خطيئة ليرمي الحجر الأول على طريق تجاوز هذه الثقافة.. ثقافة الخداع؟ ويجيب أنه قد يكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نجد واحدا في هذا العالم المدمر في واشنطن - العالم الذي انفصل عن مشاكل وأولويات الشعب الأميركي - يمكن أن يكون حقيقية بلا خطيئة. إن هذا هو السبب في أن العديد من الأميركيين خاصة من بين الغالبية الواسعة يشعرون بخيبة الأمل أو بالإحباط أو بالقرف من السياسة.
وهذا هو السبب في ضرورة تجاوز مرحلة إلقاء التبعة واللوم وتبادل الاتهامات والتركيز بدلا من ذلك على تحسين أوضاع النظام، وما يزيد الآمال في ذلك الصدد هو تنامي الرغبة في أن يجد هذا الأمر طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع وتنامي تلك الرغبة على مستوى الدولة، وهنا يدعو القادة السياسيين في بلاده إلى التزام الحذر بشأن موقف الرأي العام وأن يعملوا بجد على كسب تأييد المواطنين ومساندتهم والتماس رغباتهم، على النحو الذي يمكن معه لعجلة الحكم أن تسير على النحو المرجو.
ويقرر المؤلف أن الاحتيال والخداع المتعمد مسألة يجب تجاوزها، وكذلك إساءة استخدام الحكومة والجوانب المتعلقة بالتمويل من أجل أغراض حزبية خالصة، منتهيا إلى أن الفشل في التلاقي مع اهتمامات الجماهير يكلف كثيرا، وقد دفع الرئيس بوش ثمنا باهظا على هذا الصعيد فقد تراجعت شعبيته نتيجة لهذا الأمر. ولكنه يستدرك قائلا إن تبسيط الأمر بالإشارة إلى شخص واحد إنما يحجب الكثير من المشاكل التي يجب مواجهتها وعلاجها.
مبادئ أساسية للحكم
ويضيف من خلال تجربتي مع الرئيس بوش فإنه من غير الكافي أن تنشد الوحدة وأن تدعو إلى التغيير. إن معظم الأميركيين مستعدين للاثنين اليوم. ولكن الدعوة غير ذات معنى بدون خطوات ثابتة على أرض الواقع. وهنا يضع ما يمكن اعتباره وصفة للإصلاح مشيرا إلى أن الرئيس - أي رئيس - بمجرد توليه مهام وزمام الأمور في البيت الأبيض يجب عليه العمل على تحقيق ثلاثة مبادئ أساسية هي:
ـ التعبير وممارسة أكبر قدر من الانفتاح والوضوح والأمانة خلال مخاطبة والتواصل مع الشعب الأميركي.
ـ التأكيد على معاني روح الوحدة على نحو يتجاوز الانقسامات الحزبية والاختلافات الأيديولوجية من أجل تشجيع التعاون فيما بين كل المجموعات والأفراد.
ـ البحث عن أرضية مشتركة يمكن من خلالها تحقيق هدف حل المشاكل بدلا من محاولة التعامل مع القضايا الحيوية انطلاقا من أساس محدود يقوم على الرأي الضيق.
ويقرر المؤلف في معرض تعليقه على هذه المبادئ التي يقدمها أن معظم الناس سوف يقرونها، ولكن المشكلة تبقى كيف يمكن تطبيقها بطريقة سليمة وبالغة الجدة. هنا يوصي بإجراء تغيير في بنية طاقم البيت الأبيض، الأمر الذي يشير إلى أنه يقدمه بناء على خبرته في هذا الصدد، هذا إذا كان من الممكن فعلا تجاوز ثقافة الخداع في واشنطن.
اين الحقيقة؟
وفي ضوء الحرب المشتعلة على خلفية ما تضمنه الكتاب، والاتهامات التي يوجهها فريق إدارة بوش إلى المؤلف ومصداقيته يبقى السؤال قائما: في صف أي فريق يستقر الخداع ويستوطن ويتنامى، وهل المسألة لا تعدو أن تكون خداعا على كل المستويات، سواء من المؤلف أم من الفريق الذي ينتقده والضحية في النهاية هو القارئ والحقيقة أم ماذا؟
فماكليلان، الذي يبدو أمام قارئه وكأنه أتى من كوكب آخر هبط على شيء اسمه البيت الأبيض فهاله ما يجري فيه، هو نفسه الذي كان محامي الشيطان، اذا صح التعبير، وفي مراجعة لما نطق به فاه خلال مهام عمله كان يصول ويجول دفاعا عن البيت الأبيض وانتقد في ذلك الصدد وبشدة موقف وزير الخزانة الأسبق بول أونيل الذي وصف الرئيس الأميركي بوش بالأعمى في غرفة مليئة بالصم، حيث كان تأكيد ماكليلان على أن الرئيس هو الذي يقود ويتصرف بشكل حاسم في المسائل التي تشكل أبرز أولويات البلاد.
كما أن ماكليلان نفسه هو الذي خرج علينا وحاول إيهامنا بأنه يوجد انسجام على مستوى فريق الأمن القومي ووحدة في الموقف من العراق قائلا: «إننا جميعا نغني من نفس كتاب الأغاني». وهو ما يجعل التساؤل الذي قدمه أول متحدث باسم بوش أري فليتشر في موضعه: لماذا لم يتخل ماكليلان عن منصبه في الوقت الذي أدرك فيه تعارض ما تقوم به الإدارة الأميركية مع معتقداته السياسية وفق السياق التي أورده في كتابه.
اضاءة
من بين ردود الفعل العديدة التي أثارها الكتاب ما أشار إليه البعض بشأن اشتعال غضب الرئيس بوش وأن الأمر سبب له أعمق الجروح، باعتبار أن «فعلة» ماكليلان تمثل سابقة لأول انقلاب متحدث رسمي على رئيسه في البيت الأبيض.
كما استدعت اتهامات المؤلف نفيا من وزيرة الخارجية رايس التي حاولت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تنفرد بالاعتقاد أن صدام حسين كان يملك أسلحة دمار شامل وأن الحرب كانت لتحرير شعب العراق من صدام. فيما راح تشيني يصف ماكليلان بأنه مخلوق بائس، مؤكدا أنه لم يقرأ ولن يقرأ الكتاب، وإن كنا نؤكد أنه قرأه من «الجلدة إلى الجلدة» حسب القول العامي.
والجانب الأهم ما أشارت إليه جوي لوكهارت المتحدثة باسم كلينتون من احتمال تسبب الكتاب في قلة ثقة الرؤساء السابقين في المتحدثين باسمهم، وإن أكدت أن ماكليلان كان على حق في الموازنة بين ولائه للرئيس بوش وولائه في حق المجتمع معرفة حقيقة ما حدث خلال فترة رئاسة بوس وبخاصة قبل انتخاب رئيس جديد. وكان التعليق الأشمل ما أشار اليه البعض من أن الكتاب أظهر أنه سيكون هناك المزيد من القنابل التي تنفجر ليس فقط في العراق ولكن في واشنطن كذلك.
الصفحات: 341
الكتاب: ماذا حدث داخل البيت الأبيض
تحرير ا سكوت ماكليلان عرض ومناقشة مصطفى عبد الرازق
الناشر: بابليك آفيرز