يكشف لنا ماكليلان تفاصيل تتعلق برؤية بوش حول عملية الغزو والتي راح يعتبرها عملية من أجل عراق حر، كما يوضح لنا جوانب من مساعي الإدارة الأميركية اكتساب التأييد الدولي الذي بدا هشا لعملياتها في العراق. وهنا يشير المؤلف إلى أن تطورات الموقف في العراق أصبحت على مدار النصف الثاني من عام 2003 ومع دخول عام 2004 أكثر إثارة للجدل.
وظهر عنصر جديدة في معادلة الموقف من الحرب حيث واجه الرئيس معارضة من الكونجرس خاصة من قبل الديمقراطيين. فإزاء ما بدا من أن الرياح تأتي بما لا تشتهي إدارة بوش رأى الديمقراطيون أن هناك مجالا للهجوم على الرئيس والنيل من مصداقيته وجدارته بالحكم. وتركز محور الهجوم حول مبالغات الإدارة على النحو الذي انتهى بها إلى الحرب. وكان من بين ما طرحه الديمقراطيون من تساؤلات: هل بالغ الرئيس وفريقه بشأن المعلومات الاستخبارية حول أسلحة الدمار الشامل، وتم تشويهها لكي يضللوا عمدا الأمة ويقودوها إلى الحرب؟ كيف يمكن أن تكون الحرب على العراق جزءا من الحرب على الإرهاب، فيما أنه ليس هناك رابطة بينه وبين 11 سبتمبر أو صلة مع القاعدة؟.
ولماذا اندفع بوش إلى الحرب بدون أن يكون لديه خطة لكسب السلام؟ كيف أساءت الإدارة تقدير ما يمكن أن تلقاه من أعمال مقاومة على هذا النحو السيئ؟ مع إثارة التساؤلات بشأن مصداقية الرئيس وتزايد تكلفة الحرب، وعدم تعافي الاقتصاد على نحو يوفر فرص عمل، بدأت شعبية الرئيس في التراجع بشكل كبير، وزاد عدد الأميركيين الذين اتجهوا إلى التخلي عن تأييدهم لبوش. وقد أثر هذا بدوره على فحوى التغطية الإعلامية. فعندما تكون أسهم الرئيس لدى الرأي العام مرتفعة فإنه يجرى الاحتفاء به إعلاميا وعندما تتراجع شعبيته لدى الجمهور، يبدأ الهجوم عليه.
وفي حالة جورج بوش فإن وسائل الإعلام لديها أكثر من سبب أكثر من أجل العمل على توفيق نبرتها مع اتجاهات الرأي العام. ومع ذلك فقد ظل بوش وبقية فريقه في حالة ثقة بالنفس، حيث شغلوا الآلة الإعلامية الهائلة بوسائل مختلفة من أجل الدفاع عن الرئيس. ينقلنا المؤلف نقلة أخرى نلمح من خلالها محاولته إيلاء بوش مكانة خاصة لديه، رغم عمليات الهجوم التي يشنها على الإدارة ككل. وإذا كان المؤلف قد حاول من قبل تبرئة بوش بشكل أو بآخر من تهمة تسريب اسم عميلة الاستخبارات رغم تأكيده أن ذلك قد يكون تم بشكل غير مقصود.
وأشار إلى أن بوش زعيما جيدا في كل الأحوال، فإنه هنا يواصل العزف على النغمة ذاتها دون أن يخلو الأمر من بعض الانتقاد. يعرض لنا في هذا الإطار جانبا من مهام عمله كسكرتير صحافي للرئيس الأمر الذي جعله يتابع عن قرب تفاصيل لقاءاته مع قادة العالم وهى اللقاءات التي يحاول ماكليلان من خلال ما جرى فيها من محادثات أن يقدم لنا تقييما لشخصية بوش. ويشير المؤلف إلى أنه كسكرتير صحافي للرئيس كان يشارك بانتظام في معظم لقاءات الرئيس الأساسية مثل المشاورات السياسية واللقاءات مع الأعضاء في الكونجرس واجتماعاته مع الوزراء، وزيارات قادة العالم. وباعتباره واحدا من فريق تكساس المخلصين للرئيس فقد كان يحظى بالثقة من قبل معظم فريق الرئيس من المستشارين.
عراق حر وديمقراطي!
ومن خلال استعراض شامل لمجموعة من اللقاءات للرئيس مع زعماء خارجيين نلمس كيف أن رؤية بوش الإستراتيجية الخاصة بتغيير الشرق الأوسط من خلال إقامة عراق حر وديمقراطي كانت من بين القضايا التي يتطرق إليها ويؤكد عليها خلال لقاءاته مع مختلف قادة العالم الذين يلتقيهم. ويقول إن هذه اللقاءات في بداية عمله كسكرتير صحافي للرئيس أكدت له أن التحول الديمقراطي يعد أحد الأسباب التي دفعت بوش إلى العمل على تنفيذ مشروعه بغزو العراق.
لقد كان هذا الجانب يمثل مهمة إستراتيجية في عقل بوش تتجاوز ما جرى الإعلان عنه علنا بشأن القضاء على الخطر الذي يمثله النظام العراقي. ومع تراجع فرص الكشف عن أسلحة دمار شامل، تزايدت إشارات بوش إلى هذا الجانب وأصبح حلم تحويل المنطقة، حسبما يشير المؤلف، أكثر بروزا في أحاديث الرئيس.
وهنا فإن المؤلف يحاول أن يضفي لمحة من المثالية على هذا الطرح، وهو أمر يبدو غير صحيحا في ضوء صعوبة أن تقبل أركان الإدارة الأميركية كل ما حملته خطوة الغزو من مخاطر لا لشيء سوى نشر الديمقراطية، وإذا كانت السياسة لا تحركها المثاليات أو العواطف، فإن ذلك يجعلنا نتصور أو نؤكد بمعنى أصح، أن المصالح كانت العامل الأول والأخير الذي وقف وراء عملية غزو العراق.
يعرض لنا ماكليلان تفاصيل بعض اللقاءات التي تقدم إضاءات على تفكير بوش ومن ذلك اللقاء الذي حضره بين الرئيس والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. بدأ اللقاء بمناقشة رحلة الرئيس الأخيرة إلى أفريقيا وما أبداه بوش من تأييد غير مسبوق للولايات المتحدة لقضايا القارة السمراء ومحاربة أوضاعها البائسة خاصة قضية الايدز وقضية توسيع التجارة ومكافحة الجوع ومساندة جهود حفظ السلام في أفريقيا في المناطق التي يسودها قدر من التوتر.
ثم تحولت المناقشة إلى العراق، الموضوع الذي يشغل بال الجميع آنذاك. من بين الجوانب المهمة التي يذكرها المؤلف هنا أن عنان حث بوش فيما قبل الغزو على ألا يتصرف بدون مساندة الأمم المتحدة وهى النصيحة التي رفضها بوش. وقد كان هذا الأخير يرى في عنان مسؤولا ضعيفا يعكس وضع المنظمة التي يمثلها.
كسب ود المنظمة الدولية
يتأكد لنا هنا من خلال استعراض تفاصيل هذا اللقاء ما أشرنا إليه سابقا وأشار إليه كثيرون وإن كانت رواية المؤلف تكتسب خصوصياتها من كونه حسبما وصفناه يعتبر «شاهدا من أهلها» التوظيف السياسي من قبل الإدارة الأميركية للأمم المتحدة سواء من أجل كسب تأييدها لإضفاء الشرعية على المواقف الأميركية أو لتخفيف العبء إذا تطلب الأمر ذلك، رغم أن الظروف لم تتح لهذا السيناريو بأن يتواصل على الدوام.
ويظهر ذلك من خلال التقدير الذي لقيته خطوة الأمم المتحدة بإرسال مبعوث لها إلى العراق هو سيجو فييرا دي ميلو ضمن جهود المنظمة الدولية لدعم استقرار الأوضاع في العراق، بعد أن بدا أنها تفلت من أيدي القوات الأميركية.
الأمر الذي يعبر عنه الشكر الكبير من قبل بوش لعنان على هذه الخطوة، في ضوء ما يشير إليه المؤلف من أن بوش وفريقه للسياسة الخارجية كانوا يشعرون بضرورة أن يكون هناك وجود للأمم المتحدة في بغداد. فكلما تزايد هذه الوجود وانغماس الأقطار الأخرى بما فيها تلك التي عارضت الحرب، فإن ذلك سيخفف العبء عن الولايات المتحدة.
وهو موقف يراه المؤلف يحمل قدرا من التناقض في ضوء مسارعة الإدارة الأميركية بشن الحرب بدون تأييد واضح من الأمم المتحدة ـ رغم ا يراه بوش من أن قرار مجلس الأمن رقم 1441 يزوده بهذه السلطة. غير أن التطورات جاءت على نحو لم تتوقعه الولايات المتحدة حيث قتل فييرا دي ميلو في 19 أغسطس 2003 في هجوم استهدف الفندق الذي تقيم فيه بعثة الأمم المتحدة منذ 1991 ما استتبعه تخفيض الأمم المتحدة لانغماسها ووجودها في العراق في المستقبل القريب.
ولدى حديثه مع عنان راح بوش يؤكد على رؤيته بشأن عراق حر وديمقراطي وأنه يعتبر ذلك أمرا أساسيا للسلام في الشرق الأوسط. واعترف أن الموقف هناك يتجه إلى التدهور مضيفا أنه بالكاد يجر الإمساك بزمام الأمور هناك.
وهنا راح عنان يؤكد له على ضرورة أن يكون هناك ضوء في نهاية النفق بالنسبة للشرق الأوسط. وضمن سرده لخبرات عمله كسكرتير صحافي للرئيس يعرض لنا جانبا من تفاصيل لقاء بوش مع رئيس وزراء تشيكيا فلاديمير سبديلا وقد بدأ بوش بشكره على مساندته القوية في مواجهة الانتقادات الكبيرة بشأن العراق، مؤكدا أن الإدارة لن تنسى له قيادته القوية.
من بين الاستنتاجات اللافتة للنظر يقول المؤلف إن الرئيس كان يحكم على ضيوفه قادة الدول الأخرى بالقوة أو الضعف بمدى تأييدهم ومساندتهم لعملية غزو العراق. ويضيف المؤلف في أسلوب يشير إلى عدم الاقتناع بهذا التصنيف قوله: إن الضيف التشيكي مثل غيره من القادة الذين كانوا يعيشون في ظل الحكم الشيوعي، شارك بوش مشاعره بشأن الحرية ووقف بثبات إلى جانبه بشأن العراق.
وقد انعكس ذلك مثلا في تصريح فلاديمير سبديلا حين راح يعرب عن اعتقاده بأن ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق، إنما يساعد على السلام والاستقرار للشرق الأوسط وأضاف: إنك تقوم بدور هام. وقد رد بوش بقوله: إن العمل الكبير الذي قمنا به في العراق سوف يحقق السلام والاستقرار. إنني حقيقة اعتقد أن عراقا حرا ويتمتع بالسلام سوف يكون له تأثير بعيد الأمد على الشرق الأوسط.
وفي أواخر أكتوبر عام 2003، زار الرئيس بوش كانبيرا في استراليا في أعقاب قمة اقتصادية عقدت هناك والتقى مع رئيس الوزراء جون هوارد وهو الحليف الوثيق والصديق. لقد وقف هوارد بقوة إلى جانب قرار بوش بالإطاحة بصدام رغم الانقسامات بين الأستراليين وأقنع البرلمان الأسترالي بإرسال قوات لمساندة الغزو الذي تقوده القوات الأميركية.
وراح يخاطب هوارد جون: العراق سيغير الشرق الأوسط، إيران ستتغير، بسبب ما نقوم به في العراق. وعندما سأله فيما بعد أحد مستشاري بوش بشأن ما إذا كانت الثقافة الإسلامية يمكن لها أن تتوافق مع الديمقراطية، راح يجيب اعتقد ذلك بمرور الوقت. إنني اعتقد أن العراق هو المكان وأن ذلك يسهل مهمة تحقيق ذلك الأمر. إنه سوف يتطور إلى دولة ديمقراطية حرة مثل تركيا.
وضمن استعراض فلسفة بوش من خلال لقاءاته التي كان يعقدها مع القادة السياسيين يشير إلى لقاء مع رئيس وزراء سريلانكا وخلاله راح يؤكد على أنه بإزاحة صدام حسين فإن الدول المارقة الأخرى مثل كوريا الشمالية ستعرف كيف أن الولايات المتحدة جادة بشأن التعامل مع التهديدات. مضيفا: على مدى خمسين عاما من الآن سيقول الناس شكرا على ما نفعله في العراق.
يقول المؤلف إن تأكيد الرئيس على هذا الأمر أقنعني بإخلاصه بشأن هذه القناعة القائمة على زراعة الديمقراطية بشكل قسري كطريقة لجلب السلام إلى الشرق الأوسط. وإن كان يستنكر هذا الطرح قائلا: إن المرء يمكن أن يسأل عن حكمة هذه الخطة أو اتصافها بالطبيعة العملية ولكن ليس عن طبيعة الرؤية التي انطلق منها الشخص من أجل تحقيقها، أو بمعنى آخر أن الأمور الكبرى تقاس بمدى حكمتها وفائدتها وليس نبل الهدف المتخيل من ورائها.
الكاتب في سطور
عمل سكرتيرا صحافيا للبيت الأبيض من عام 2003 حتى 2006. كما عمل قبل تلك الفترة كنائب للمتحدث باسم البيت الأبيض. ويرتبط تاريخه المهني بالعمل مع بوش فقد شارك في حملة بوش للرئاسة. وكان بوش قد عرض عليه العمل معه عام 1999 كمتحدث صحافي له بصفته حاكم تكساس، الأمر الذي قبله ماكليلان على الفور، معتبرا ذلك العرض بمثابة فرصة تمثل قفزة كبيرة له في حياته المهنية. أدار ثلاث حملات انتخابية ناجحة. ولد في تكساس وتخرج من جامعتها وهو الآن يعيش في واشنطن دي سي مع زوجته.
يمثل هذا الكتاب الذي صدر أوائل الشهر الجاري صدمة كبيرة للإدارة الأميركية والرئيس بوش على وجه الخصوص. وتنبع أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة من داخل البيت الأبيض تكشف تفاصيل ما جرى في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ الولايات المتحدة والنظام الدولي بأسره ومثلت تحولات كبيرة اعتبر البعض أن من أهم ملامحها الانفراد الأميركي بإدارة دفة الأمور الدولية الأمر الذي انعكس في تطويع إرادة الأمم المتحدة لقبول مشروع غزو العراق.
هنا يكشف لنا سكوت ماكليلان المتحدث السابق باسم البيت الأبيض ومن منطلق معايشته لتطورات تلك الفترة الكثير من الجوانب التي قد تبدو خفية على القارئ ويعرض لنا الكثير من تفاصيل العمليات التي دارت في كواليس البيت الأبيض وقادها بشكل أساسي صقور البيت الأبيض وعلى رأسهم تشيني الذي يصفه المؤلف بالساحر، على نحو جرت معه الأمور بما يصفه المؤلف بنشر «ثقافة الخداع» سواء على مستوى الداخل أو الخارج.
والخلاصة التي يؤكد عليها المؤلف هي أنه إذا كانت الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية فإن الحرب على العراق لم تكن كذلك، وهو ما يعني بالنسبة له أن تلك الحرب إنما كانت بأي الأحوال خطأ استراتيجيا.
الصفحات: 341
الكتاب: ماذا حدث داخل البيت الأبيض
عرض و مناقشة : مصطفى عبد الرازق
الناشر: بابليك آفيرز