يبدو ان سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة منذ عام، تتخطى حدود الصراع الدامي على السلطة مع حركة «فتح»، اذ ان المسألة اعقد من ذلك بكثير، حيث انها تتعلق بشكل أساسي بتضارب مشروعين يتنافسان على قيادة وتوجيه المشهد الفلسطيني.
المشروع الأول وتتزعمه «فتح» ينطلق من قاعدة نبذ الاحتكام إلى السلاح، والدخول في مفاوضات مع إسرائيل من اجل تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عقود، يدعمه في ذلك موقف عربي قوي، تبلور بمبادرة سلام واضحة المعاني أقرتها قمة بيروت عام 2002.
اما المشروع الثاني وتقوده «حماس» وأخواتها من حركات المقاومة التي توصف غربياً ب«الراديكاليين»، فيرى ان المفاوضات مع العدو الصهيوني لن تؤدي إلى نتيجة وان الحل هو بالمقاومة ومواجهة الاحتلال عسكريا، حتى تحرير الأرض، اعتمادا على قاعدة أو مبدأ «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها». هذا المشروع لايزال مأخذواً بصورة نجاح تجربة حزب الله في جنوب لبنان، وكذلك بما حدث في قطاع غزة عام 2005، عندما انسحب جيش الاحتلال من كلاهما تحت «ضربات المقاومة».
هذا التضارب بين المشروعين، هو أصل ما حدث يوم 15يونيو عام 2007، عندما احكمت حركة «حماس» سيطرتها على قطاع غزة وهزمت قوات الرئيس محمود عباس وطردتها من مواقعها الأمنية، اما غير ذلك من أسباب فهي تفاصيل في السياق، ليس أكثر أو اقل.
«الإسرائيليون آراء متعددة وبندقية واحدة.. اما الفلسطينيون.. فهم آراء متعددة وكذلك بنادق متعددة»®. هذه الكلمات التي قالها الرئيس الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز، تعكس إلى حد كبير المأزق التاريخي للفلسطينيين منذ بدء تفجر الصراع، وهو الأمر الذي استفاد منه الاحتلال جيدا، ولعب عليه كثيرا، كما لعبت أيضاً أطراف اقليمية كانت تحاول ان تصفى حساباتها مع إسرائيل ب«بندقية فلسطينية»، الأمر الذي اثر سلبا على القضية الأساسية وهى احتلال الأرض منذ 60 عاما.
الآن ومع استمرار هذا المأزق والتضارب في المشاريع والرؤى واتساع المسافات بين الإخوة خاصة منذ «يوم الحسم» وفق تعبير «حماس»، و«الانقلاب الأسود» وفق توصيف حركة «فتح»، ينبغي على الفلسطينيين ان يتفقوا ويحسموا أمرهم، وان يختاروا أي الطرق التي سيسيرون فيها.. طريق المفاوضات وما ثم خفض السلاح حتى يثبت العكس، أو رفع السلاح لتحرير الأرض بالمقاومة.
هذا هو الحل الوحيد لمشكلة الفلسطينيين، أما بقاء كل طرف على موقفه و«تخوينه» الآخر الذي يشاركه الوطن والتاريخ والحاضر والمستقبل، فان ذلك لن يؤدي إلى محو صفحة التاريخ السوداء التي سطرت بلون الدم في 15 يونيو عام 2007، ولن يداوي جراح الجسد الفلسطيني الذي مزقته خلافات الإخوة ورفاق النضال.
ربما تكون الدعوة التي أطلقها الرئيس محمود عباس قبل أيام إلى حوار وطني شامل لتنفيذ المبادرة اليمنية لإنهاء الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية فاتحة خير في هذا الاتجاه، لكن الأهم من كل ذلك هو التوافق على طريق ورؤية وسلاح وهدف مشترك.
وإلا فان واقعة 15 يونيو التي أدت إلى تراجع القضية الفلسطينية من قضية وطنية وسياسية إلى مستويات متدنية لتصبح قضية شعب كل همه الحصول على الطعام والوقود والكهرباء، لن تكون سوى مقدمة لما هو أسوأ على صعيد ضرب القضية الفلسطينية من جذورها ووضعها في سلة مهملات التاريخ.
خالد سيد احمد