عمت أعمال الشغب مختلف مدن وبلدات الجزائر في المدة الأخيرة، وسجلت في شهر مايو الماضي أرقاما مثيرة من حيث الانتشار والإصابات والخسائر المادية، وتعكف فرق من الأمن والأخصائيين في علم النفس والاجتماع على بحث ظاهرة انتشار الشغب في المجتمع الجزائري.

لكن الجواب سهل جدا بحيث إن المواطنين في الجزائر صاروا يعتقدون أن هذه المؤسسات لا تستجيب للمطالب إلا حين تكون تحت الضغط. ولهم تجربة سابقة سنة 2001 حينما قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحت نار أحداث العنف التي اجتاحت منطقة القبائل، إحداث تعديل في الدستور يرقي اللغة الأمازيغية إلى لغة وطنية، وهو نفسه من رفض هذا المطلب واعتبره من سابع المستحيلات.

ويكفي إطلاق شائعة في الجزائر من أي وزن لجر الناس إلى الاحتجاج وإغلاق الطرق وإشعال العجلات المطاطية ونزول رجال الأمن لمواجهة العصيان. فقد دخل مئات من أفراد شرطة مكافحة الشغب الأسبوع قبل الماضي ـ مرغمين ـ في مواجهات بالعاصمة مع أنصار فريق اتحاد الحراش من دوري الدرجة الثانية وسقط قتيل وأكثر من 100 جريح بينهم 65 من قوى الأمن واعتقل عشرات آخرون.

وأصيبت مئات المحلات التجارية والسيارات بأضرار على خلفية شائعة أطلقها مجهولون تفيد بأن سلطات بلدية القبة المجاورة قررت حرمانهم من تذاكر الدخول إلى الملعب.وبعد تلك الأحداث بيوم واحد انفجر الوضع في وهران ثاني أكبر مدن البلاد بسبب إخفاق عميد أندية المدينة «مولودية وهران» في ضمان البقاء ضمن دوري النخبة ونزل إلى الدرجة الثانية وتحولت وهران أجمل مدن الجزائر إلى مدينة أشباح بحرق المشاغبين جل المحلات للتعبير عن غضبهم.

أما في بريان المدينة التي تعايش فيها المذهبان المالكي والاباضي منذ قرون فضربها زلزال العنف مرتين خلال شهر واحد وخلف بها قتلى وجرحى ودمارا لم يسبق له مثيل. خرج شبان ملثمون مسلحون بالأسلحة البيضاء،وتمكن العقلاء من حقن الدماء والاتفاق على السلم.

وأكدت السلطات أن الذي جرى ليس صراعا مذهبيا كما فسرته بعض وسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية وإنما انجر بعض أتباع المذهبين للمواجهة بفعل «مؤامرة» قال وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين يزيد زرهوني إنها حبكت بالتنسيق مع جهات أجنبية دون إعطاء تفاصيل.

وفي مدينة تيارت الواقعة غرب البلاد نشبت مواجهات شهر أبريل الماضي بين متظاهرين وقوى الأمن خلال تشييع جنازة مجموعة من الشباب غرقوا في قارب ضمن دفعات الهجرة غير الشرعية. وتوجه السكان باللوم للسلطات التي لم توفر الشغل للشباب فاضطروا إلى المغامرة وركوب ما يسمى « قوارب الموت».

اضعف مؤسسات الدولة

وإن مجرد إعلان رفع أجور الوزراء ونواب البرلمان والمستشارين والولاة وغيرهم من الموظفين السامين يرفع مستوى الحقد على السلطة لدى المحرومين ويجعلهم في وضع يبحث عن مبرر للانتقام. فالجميع يسمع اليوم أن احتياطي النقد الأجنبي للجزائر قارب 150 مليار دولار لكن حياة السواد الأعظم من الجزائريين تزداد صعوبة وأوضاعهم تزداد قسوة وتقتات آلاف من العائلات من مكبات الفضلات ومما يرمى بحواف الأسواق من الخضار الفاسدة.

ويشاهد يوميا آلاف من الشباب في الشوارع يمارسون «التسول المقنع» حين يطلبون من المارة تسديد ثمن حراستهم السيارات المتوقفة دون تكليف من أحد. أما العامل الآخر الذي يغذي العنف برأي قطاع واسع من الأوساط السياسية والإعلامية فهو ضعف هيئات الدولة ومعالجتها الترقيعية للمشاكل المطروحة بما فيها القضايا ذات الأهمية القصوى وترددها في حسم الأمور والتساهل مع الخارجين عن القانون.

حتى أن الناس صاروا يرون أن هذه المؤسسات لا تستجيب للمطالب إلا حين تكون تحت الضغط. ففي العام 2001 قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحت نار أحداث العنف التي اجتاحت منطقة القبائل ذات الأغلبية البربرية إحداث تعديل في الدستور يرقي اللغة الأمازيغية إلى لغة وطنية أسوة باللغة العربية. وهو نفسه من رفض هذا المطلب وأكد قبل أقل من عامين من قراره بأن الأمازيغية لن تصبح لغة وطنية أبدا.

وفي آخر الموسم الكروي الماضي احتل فريق أمل بوسعادة مركزا رشحه للهبوط لكن سكان المدية ثاروا ثلاثة أيام فقرر اتحاد الكرة بأمر من السلطات السياسية إنقاذ الفريق وإبقائه في وضعه. وهذه الحادثة برأي المتتبعين كانت الدافع إلى أعمال الشغب التي حدثت آخر الموسم الرياضي الأخير في وهران والعاصمة. وقرر اتحاد الكرة عقد جمعية عمومية استثنائية في يوليو المقبل لتغيير نظام المنافسة حتى يبقى مولودية وهران في الدرجة الأولى بعد أحداث العنف التي وقعت الأسبوع الماضي.

إجراءات علاجية

أمام تنامي الظاهرة تحركت السلطات ومعها جمعيات المجتمع المدني لمواجهة الموقف واتخذت إجراءات عاجلة على ثلاث مستويات حيث تم إطلاق برنامج واسع لتجفيف منابع الغضب بتوفير نصف مليون منصب شغل سنويا لتذليل آثار البطالة والإسراع في تلبية طلبات السكن وفتح قرض سكن للشباب يمتد على أربعين عاما بفوائد رمزية. وتخصيص شبه راتب للعاطلين من خريجي الجامعات إلى غاية الحصول على منصب شغل وتشجيع مؤسسات الإنتاج والخدمات في القطاعين العام والخاص التي تحدث مناصب جديدة للشباب من خلال تقليص الضرائب وتسهيلات في مجالات القروض.

كما تم الشروع في حملات استطلاع رأي وتوعية وعقد جلسات استماع للتقرب من الشباب وفهم سلوكهم والاستجابة لرغباتهم بما ينتشلهم من الاندفاع نحو العنف. وبهذا الصدد قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حضور الولاة ( حكام الولايات) اجتماعات مجلس الحكومة لنقل الانشغالات التي يطرحها الشباب واتخاذ إجراءات عاجلة في أي جهة من البلاد لحل المشاكل العالقة التي يطرحها المواطنون على الهيئات المحلية.

وأخيرا تم إعلان تأهب أمني دائم في التجمعات السكانية الأكثر حركية والمرشحة للاضطرابات ووضع قائمة دقيقة لجميع المتورطين في الشغب خلال السنوات الأخيرة وتحريات مستمرة بشأن المحرضين بناء على بنك معلومات لدى قوى الأمن. ونشر وحدات جديدة من الشرطة والدرك وتكثيف الدوريات وتعزيز التكوين في مجال محاربة الشغب.

حقائق مؤلمة

تشير الإحصائيات إلى مقتل أربعة أشخاص، وإصابة نحو 200 شرطي بجروح متفاوتة الخطورة، خلال شهر مايو الماضي في كل من وهران والجزائر العاصمة والشلف والرغاية وبريان خلال مواجهات مع غاضبين لأسباب مختلفة. وأفادت تقارير بأن قوى الأمن أوقفت أكثر من 450 شخصا خلال تلك الأحداث. تجاوز عدد الموقوفين منذ بداية العام الألفي موقوف، تورطوا في أعمال شغب سببت خسائر، في نحو 125 حالة عصيان. ويزيد هذا الرقم عن الرقم المسجل السنة الماضية في ذات الفترة بأكثر من عشرين حالة.

امتداد التحريض على الفتنة إلى الهواتف النقالة، وتلقى الجزائريون، رسائل «أس أم أس» تدعو للتغيير والانتفاضة يومي 20 و21 أغسطس المقبل، تبنتها جهة مجهولة تسمي نفسها «الحركة من أجل التغيير»، وجاء في نص الرسالة «لكل من تصله هذه الرسالة أن يقوم بتمريرها لكل شخص يعرفه».

الجزائر ـ مراد طرابلسي