الغالبية الساذجة.. أم الاقلية المتمكنة؟ هذا سؤال الانتخابات الأميركية، الذي يتردد في كل العواصم التي تترقب باهتمام مخاض المدن الأميركية الانتخابي. هل حقا آن أوان التغيير؟ ومن سيهزم الآخر: مرشح ذو شعبية هيستيرية طاغية.. أم ببساطة ممثل آخر ل«المؤسسة» التي تهيمن على قرار الدولة الأقوى في العالم؟
أميركا بلد العجائب حقا. من وصفة غامضة تجمع أقطاب قارة كاملة متناقضة، إلى نظام انتخابي لا شبيه له من حيث التعقيد والضرورة، وصولا إلى مفاجآت دائما ما تخرج من قبعة الساحر.بعد خمسة شهور من الحملات الانتخابية الطاحنة، حسم السيناتور جون ماكين الانتخابات لمصلحته، وبقي مرشحا وحيدا للحزب، بينما المعسكر الديمقراطي كاد أن يتمزق في ظل تنافس ال«كتف بكتف» بين كلينتون واوباما، قبل أن ينتزع المرشح الأسمر الترشيح للرئاسة من منافسته العنيدة.
لهذه الانتخابات ميزة غير مسبوقة كما يقول الياس كرم من وزارة الخارجية الأميركية «هل لكم أن تتخيلوا أن الحملات الانتخابية بدأت قبل عامين. انها الأطول في تاريخ الولايات المتحدة». وقبل أن نتساءل عن السبب، يسارع إلى القول «إنها الانتخابات الأكثر أهمية وحساسية للأميركي، فالوضع الاقتصادي صعب، واخبار الجنود القتلى في العراق ترهقه، وصورة بلاده لدى العالم ليست في أفضل حالاتها، وبدا يصغي إلى الأصوات المتنادية من أجل التغيير».
غير أن السر ليس في بطن الحوت، بل في حوصلة مشتركة لكل من الفيل(رمز الجمهوريين) والحمار(رمز الديمقراطيين): انه المال، ولا شئ غيره محرك اللعبة السياسية في بلاد العم سام.
بلاد الرأسمالية الأولى في العالم، لا يمكن لعاداتها وتقاليدها السياسية أن تنحو بعيدا عن جوهر فلسفتها الخاصة بالاقتصاد الحر، وبناء نظام يقوم على الفردانية شبه المطلقة. أعراق وطوائف لا حصر لها، برؤى سياسية وثقافية أيضا لا حصر لها. إذن ما السبيل لجعلها تصغي إلى مرشح للكونغرس أو الرئاسة، والالتفات إلى برنامجه السياسي. ببساطة لا سبيل إلى ذلك سوى امتلاك هذا المرشح ماكينة دعاية ضخمة، وهذه لا تتأتى من دون مخزون لا بأس به من المال.
هذا بالضبط ما يفسر انعدام فرص المرشح الديمقراطي جون ادواردز، فهو رفض بشكل مبدئي أن يتلقى تبرعات من الشركات الكبرى و«اللوبيات»، وهو الوحيد من المرشحين الذين طلب دعما ماليا حكوميا لتمويل حملاته الانتخابية، لكن خزائنه لم تكن كافية للذهاب إلى كل بقعة انتخابية لأسماع صوته، فآثر الانسحاب.
القانون الأميركي لم يغفل خطورة دور المال في الانتخابات، لكنه أيضاً لا يمتلك القدرة الكافية للوقوف في وجهه، ولم يكن أمامه سوى وضع ضوابط وسقوف علها تروض قليلا من توحش رأس المال.
سقف التبرعات المحدد في القانون ببساطة يعطي للفرد فقط مبلغ الفي دولار، والمؤسسة أو الشركة خمسة آلاف. وكل مرشح ملزم بان تكون حساباته لجمع التبرعات شفافة وفي متناول الجميع على شبكة الانترنيت.
الياس كرم، الذي كان أول وابرع من شرح لنا مفاصل الحياة السياسية الأميركية، نبهنا إلى معضلة قانونية تتعلق بقانون تمويل الحملات الانتخابية. هي بالأحرى ثغرة في القانون، قال كرم إن جهابذة محامي الحزب الديمقراطي عثروا عليها في القانون الاتحادي الذي يعود للعام 1974، هذه الثغرة تدعى الفقرة 527.
الفقرة تنص على حق المرشح في استثمار أي ماكينة إعلانية ودعائية يراها شريطة عدم تضمينها قذف وشتم بحق آخرين. هنا وجدها الديمقراطيون فرصة سانحة لكسر سقوف التبرعات، إذ ليس هناك ما يمنع احد الأثرياء المناصرين لمرشح ديمقراطي من صرف ملايين الدولارات على إنتاج أفلام أو أي مواد دعائية وإعلانية لمصلحة المرشح.
نائب مدير التسويق في شركة اريستوتل الدولية براين دي ويليامز المتخصصة لأكثر من عشرين عاما في صناعة التكنولوجيا السياسية، يرى أن الانتخابات الأميركية الحالية غير مسبوقة من حيث التكلفة، ولاسيما انها لم تدخل بعد طور الرئاسية. يقدر ويليامز أن تكبد كل مرشح لهذه الانتخابات ما معدله 250 مليون دولار. ويذكرنا بأن تكلفة احد مرشحي انتخابات الكونغرس في ولاية فلوريدا وصلت إلى 115 مليون دولار.
إذن لنا أن نجزم بان التقديرات التي ذهبت إلى نحو مليار دولار تكلفة الحملات الانتخابية الأميركية، حادت عن الدقة، فالرقم مرشح للارتفاع أكثر بكثير.
مدير مكتب قناة «العربية» في واشنطن هشام ملحم، المتابع جيدا لمجريات الانتخابات، يعتبر دور المال فيها «حيويا». ويشير إلى أن تكلفة الحملة الانتخابية الواحدة في الولايات الكبرى مثل نيويورك وكاليفورنيا وفلوريدا، تصل أسبوعيا إلى 35 مليون دولار.
وبعدما كانت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، جمعت أكثر من 150 مليون دولار، واقل من هذا الرقم بقليل باراك اوباما، يرى ملحم أن الأخير كانت الاوفر حظا والأكثر نجاحا في هذا الشأن:»قاعدة جمع التبرعات لاوباما أوسع كثيرا من هيلاري، غالبية التبرعات التي جمعها هي من أفراد لا مؤسسات وشركات، وهو لم يستنفد الكثير منها، لذلك بإمكانه التفوق في هذا المجال».
هذا، برأي ملحم وغيره من المراقبين، أوضح دليل على الجماهيرية الساحقة التي يتمتع بها اوباما، في مقابل النخبوية الجماهيرية التي تقف وراء هيلاري، ومنافسه الجمهوري على الرئاسة جون ماكين.
وكيف لنا أن نفهم علاقة القدرة على جمع التبرعات بحظوظ الفوز لدى المرشحين؟
يجمع كل من الياس كرم من الخارجية الأميركية، والإعلامي هشام ملحم، ومدير المعهد الأميركي العربي جيمس زغبي، في لقاءات منفصلة، على أن حجم التبرعات التي يتلقاها المرشح تحدد مدى وقوف الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني والتجاري وراءه، أي انها حصيلة جماهيريته.
المثال الأكثر وضوحا على دور المال الانتخابي، يتبدى أكثر في المعسكر الجمهوري. بداية جون ماكين الانتخابية كانت عاثرة جدا، ففرصه كانت شبه معدومة مقابل منافسيه، الملياردير مايك هاكابي، ومرشح الطائفة المورمونية ميت رومني. لكن وبعد ضيق ذات اليد انفتحت التبرعات على ماكين من حيث يعلم الخبراء بما خفي من الأمور، وتمكن في زمن قياسي من سحق منافسيه بعدما اشتغلت ماكيناته الدعائية بأقصى طاقاتها.
من أين له هذا؟.. الجواب لدى صناع القرار في شركات النفط والسلاح العملاقة.
إذن «هو المال يا ذكي»، الذي يحدد اتجاهات ونتاج المخاض الانتخابي الأميركي. لكن يبقى عامل آخر يساهم في هذا التحديد،انها «قبعة الساحر»، الحبلى بالمفاجآت، بينما ينتظر ماكين، النجم الصاعد اوباما في حلبة المنافسة.
والحق انه طيلة تجوالنا في ثلاث ولايات أميركية (واشنطن، نيفادا، لويزيانا)، كنا نلمس «هيستريا اوباما» تتفشى بشكل لا يصدق في الشارع الأميركي، مواطنون بيض وسود ولاتينيون، عجائز وشباب ومراهقون، ذكور وإناث، كلهم على حد سواء كانوا كما المسحورين بشخصيته، ما يعيد إلى الأذهان اسطورتي جون كينيدي ورونالد ريغان.
لكن هل هذا كاف لضمان حصوله على بطاقة التربع في المكتب البيضاوي؟
هذا السؤال، كما القنبلة العنقودية، يفرخ العديد من الأسئلة الصعبة: هل المجتمع الأميركي جاهز لانتخاب اسود رئيسا؟
من خلال عشرات اللقاءات مع مسؤولين ومحللين ومتخصصين في الولايات المتحدة، لمسنا إجماعا على رغبة المواطن الأميركي بالتغيير والخروج من دائرة توارث عائلتي كلينتون وبوش للبيت الأبيض، وهو الوتر الذي اتقن اوباما العزف عليه، حين رفع شعاره الانتخابي «من اجل التغيير».
لكن التغيير المشتهى هذا ليس بالضرورة يشير إلى اتجاه اوباما، فجون ماكين يخطو بثقة على درجات البيض الأبيض.
يعترف الجميع في الولايات المتحدة من المهتمين بالشأن العام، بالدور الذي لا يقهر ل»اللوبي»، سواء كانت هويته النفط أم صناعة السلاح أم التكنولوجيا الفائقة، أو حتى الزراعات الاستراتيجية كالقمح. كل ذلك بالإضافة إلى جماعة الضغط الإسرائيلية المسماة «ايباك»، يشكل مجتمعا ما يطلق عليه مصطلح «المؤسسة» أو ال«استابلشمنت» بالانجليزية. هذه هي التي تحكم بلاد العم سام بواجهات مختلفة ديمقراطية كانت أم جمهورية.
فهل تقبل هذه «المؤسسة» التي تحتل العالم بمصالحها، وتسير الدولة الأقوى في العالم لخدمة هذه المصالح، أن يحتل البيت الأبيض شخص ما من خارج احابيلها؟ على الأغلب لا، ولذلك كان العارفون ببواطن الأمور في أميركا يذهبون إلى أن التنافس على الرئاسة بات محصورا في هيلاري كلينتون وجون ماكين.
لكن الساحر أخرج من قبعته مفاجأة من العيار الثقيل، تحمل علامة باراك اوباما. وهذا ربما لايكون مفاجأة أن تكشف لاحقا عن أن المرشح الأسمر هو ابن بالتبني ل«المؤسسة» لم يظهر سابقا إلى العلن، ما يدفع الذاكرة قسرا إلى استحضار حضوره الجذاب الأول في عالم السياسة، حين قدمه للجمهور أول مرة المرشح الرئاسي الديمقراطي الخائب جون كيري، وبهر المستمعين ببلاغته الخطابية، فهل كان كيري نفسه عرابا ل«المؤسسة»؟ أم أن «المؤسسة» نفسها ستدفع بهيلاري نائبا ل«الرئيس» أوباما فتظل ممسكة بناصية القرار البيضاوي؟
رئيس سكير يخاف من زوجته وراء إطلاق ال«لوبي»
في أدبياتنا ونقاشاتنا السياسية، نكثر من ترديد كلمة «لوبي» في وصف المباعث السلبية للسياسة الأميركية، وهذا يحمل مغالطة كبيرة، فمجموعات الضغط الأميركية تنشط وتركز نشاطها في القضايا الداخلية، اللهم ان حدث شيء في ما وراء البحار كمقتل جنود أميركيين في العراق، أو مصلحة خارجية كالنفط وأسواق السلاح.
معظم تحليلاتنا تذهب إلى «اللوبي» الإسرائيلي المسمى «ايباك» في تفسير السياسات الأميركية المنحازة، وهذا صحيح نظرا إلى ان«ايباك» تقدم يوميا وفي الثامنة صباحا إلى الكونغرس تقريرا عن الأحداث الداخلية والخارجية، من وجهة نظرها طبعا، علاوة على رحلات «تثقيفية» لا تنقطع تنظمها للقيادات الأميركية الشابة واساتذة الجامعات ورجالات الدين، إلى إسرائيل.
لكن كيف تشكلت «اللوبيات» التي ارهقت تحليلاتنا؟
هي قصة طريفة اشبه بالملهاة التي انقلبت على رؤوسنا بعد حين: تقول الحكاية انه في العام 1896، كان رئيس أميركا يدعى يوليسيس غرانت، وهو جنرال عسكري ابرز انجازاته انه ربح الحرب الاهلية، لكن الرئيس الجنرال هذا لم يكن أكثر من دجاجة امام زوجته.
هو كان مدخنا شرها وسكيرا من العيار الثقيل، وهي كانت تمنعه من ممارسة هاتين العادتين في البيت الأبيض، فاضطر إلى ان يعبر الشارع إلى فندق قريب من مكتبه يدعى ويلارد (أصبح اليوم جزءا من انتركونتينتال).
هناك في بهو الفندق كان يدخن ويسكر بحرية. اكتشف علية القوم وحتى الناس العاديين ذلك، فصاروا يأتون إلى البهو أو ال«لوبي» بالانجليزية لانتزاع ما يريدون منه من مطالب. وهكذا مع التكرار التصقت تسمية «اللوبي» بالباحثين عن مصالحهم قبل ان يتجمعوا في مجموعات ضغط باتت هي القوة المسيرة لعجلة الدولة الأقوى في العالم.
الحياة السياسية الأميركية
نظام الانتخابات:
* عامة: انتخابات رئاسية كل اربع سنوات
* نصفية: انتخاب كل مجلس النواب + ثلث مجلس الشيوخ
* انتخاب النواب لعامين فقط
* كل ولاية تنتخب ممثلين اثنين في مجلس الشيوخ
* كل 800 ألف أميركي ينتخبون ممثلا لهم في مجلس النواب
الانتخابات الرئاسية:
* الرئيس ينتخب من قبل مجمع انتخابي
*المجمع الانتخابي يتألف من ممثلين عن الولايات. كل ولاية ممثلة بعدد مساو لحصتها في مجلسي النواب والشيوخ
* في حال تساوي الأصوات يتم اللجوء إلى المحكمة العليا.
* 50 ولاية تشكل الولايات المتحدة الأميركية
* 435 عدد مقاعد مجلس ممثلي الشعب(النواب)
*100 عدد مقاعد مجلس الشيوخ.