من المفارقات أن يدرك جيل الأربعينات مبكراً ضرورة قيام كيان مغاربي عنوانه الرئيس في تلك الحقبة تحرير الشمال الإفريقي من الاستعمار الفرنسي الجاثم على صدور أبنائه منذ نهايات القرن التاسع عشر، وترجم قادة الكفاح في قاهرة الأربعينات هذا المشروع على أرض الواقع حينها بتأسيس مكتب المغرب العربي الذي كان من مؤسسيه الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة والمغربي علال الفاسي وغيرهما من الزعماء.

كان العمل وبحسابات تلك المرحلة يستند إلى وهج الشرق الذي تمثله مصر ويتطلع إلى تقدم الغرب الذي تمثله فرنسا، وليس المجال هنا لاستعراض المراحل التاريخية ولا الاستراتيجيات التي انتهجتها قيادات تلك المرحلة لتحرير الأوطان، إلا أن الحراك الفكري والسياسي الذي كانت القاهرة وباريس مسرحاً له بعد الحرب العالمية الثانية مهد الأرضية لقادة التحرير المغاربة للقاء طنجة التاريخي بداية الخمسينات والذي أسس سياسياً ووطنياً لقيام هذا البناء.

لكن فرنسا وقفت بكل ثقلها العسكري والسياسي حينذاك، وهي الدولة المستعمرة للشمال الإفريقي، لإجهاض هذا الحلم بدافع حسابات سياسية تضع مصلحة باريس في المقام الأول، المعطيات تغيرت مع تحقق الاستقلال وقيام الدول الوطنية في هذه الأقطار.

تغيرت أيضاً الأجندة السياسية لهذه البلدان، وبرزت مشكلات ثقة بدت واضحة للعيان بين كل قطر وآخر، لكن الحلم ظل معلقاً لم يغب ولو يوما واحداً عن الملايين ممن تجمعهم رغبة امتلاك المستقبل وهو العيش في فضاء واحد يمتد من السلوم شرقاً إلى نهر السنغال غرباً.

ومرة أخرى تبرز المفارقة في ثوب جديد ففرنسا خصم الأمس العنيد للدول المغاربية والتي وقفت مراراً لإجهاض الحلم المغاربي تتحرك اليوم بثقلها السياسي لتنفخ في الجسد المتهالك روحاً جديدة تخرج المنطقة المغاربية من سباتها الذي استمر طويلاً، وقد نجح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في تحريك العواصم المتوسطية نحو مشروع الاتحاد المتوسطي إلى طرحه إبان وصوله للرئاسة في فرنسا، وبدا واضحاً على الأقل لعواصم الجنوب المعنية بالمشروع أن المسعى الفرنسي جاد هذه المرة لتفصيل كيان هجين على مقاسات المرحلة التي تتقاطع فيها مصالح جنوب المتوسط وشماله.

وأياً تكن نوايا أوروبا وساركوزي فإن الرئيس الفرنسي الذي كان الأمن من أولياته وصوت له الفرنسيون لحمايتهم من الأخطار القادمة من دول الجنوب يجد نفسه اليوم مجبراً على تحريك الهمم وتجميع المتناقضات في اتحاد يمزج في تركيبته عناصر كيمياء الشرق والغرب.

وهي تركيبة لن يكون من السهل هضمها من قبل القيادات والشعوب في المغرب العربي قبل تشكيل موقف مغاربي موحد من هذا الاتحاد الذي لن يكتب له النجاح وإن كانت فرنسا وراءه دون قيام الاتحاد المغاربي، لتبقى الكرة من جديد وككل مرة في ملعب كل من الجزائر والمغرب.

محمد الهادي الحناشي