يبحث قادة أربع دول عربية اليوم الثلاثاء في قمة مصغرة بالعاصمة الليبية طرابلس مشروع الاتحاد المتوسطي الذي يحمل لواءه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منذ خوضه الانتخابات الرئاسية في بلاده وبات حقيقة قد ترى النور قريباً وإن تغيرت الصيغ السياسية للمشروع الذي قطع أشواطا متقدمة على درب التنفيذ.
وسيبحث في قمة طرابلس الزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الرئيسان المصري حسني مبارك والسوري بشار الأسد إلى جانب الموقف العربي من المشروع مناقشة بعض القضايا المتعلقة بالعلاقات العربية العربية.وقال مسؤولون ليبيون إن زعماء من الدول العربية المطلة على البحر المتوسط سيتخذون موقفاً موحداً من مسألة دور إسرائيل في الاتحاد. وقال دبلوماسي عربي إن مبعث القلق الوحيد «فكرة أن إسرائيل قد تنضم بدون الحاجة إلى الإقدام على أي تنازلات ملموسة في محادثات السلام مع الفلسطينيين والسوريين».مشروع الاتحاد المتوسطي الذي يحمل لواءه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي منذ خوضه الانتخابات الرئاسية في بلاده بات حقيقة قد ترى النور قريبا وإن تغيرت الصيغ السياسية للمشروع الذي قطع أشواطا متقدمة على درب التنفيذ.
فالإتحاد المتوسطي الذي يتوقع أن يكون محرك التعاون بين الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط بقيادة فرنسية قد تعيد باريس مجددا للأضواء كقطب سياسي مؤثر إقليميا في فضاء يتجاوز الأفق الأوروبي تشكلت ملامحه النهائية في مؤتمر روما الثلاثي بين زعماء إيطاليا وفرنسا وإسبانيا في 20 ديسمبر 2007.
وأسفر على صدور نداء روما الذي وجه الدعوة إلى زعماء الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط إلى مؤتمر يتوقع أن يلتئم بباريس يومي 13 و14 يوليو المقبل فيما نشطت دبلوماسية الجنوب في مستويات عدة على مدى الأسابيع الماضية بحثا عن الصيغ الممكنة لتحقيق المشروع الذي تنكب مؤسسات متعددة على وضع اللمسات النهائية لإعلانه.
وفقا لما نشرته صحيفة «لونوفال أوبسارفاتور» فإن تونس هي المرشح القوي لاحتضان مقر الاتحاد المتوسطي عند إنشائه.
ويأتي اختيار تونس كمكافأة لجهود الرئيس زين العابدين بن علي على محاربته للإرهاب وعلى وقوف تونس موقف الحياد من قضايا المنطقة وبخاصة الخلافات المغربية الجزائرية بشأن قضية الصحراء الغربية، وهي القضية التي عطلت مسيرة إتحاد المغرب العربي المعلن ببن البلدان الخمسة منذ العام 1989 وكانت ولادته ميتة.
حيث عصفت الخلافات بالمشروع إضافة إلى انهماك ليبيا في قضية صراعها مع الغرب على خلفية قضية لوكيربي وانغماس الجزائر في مواجهة الإرهاب. فإذا كان ترجيح تونس هو الأنسب فهو لكون الرئيس التونسي من أول المرحبين بمشروع ساركوزي .
وذلك لاعتبارات عدة، تتعلق بتوقيع تونس لاتفاقيات شراكة مع الإتحاد الأوروبي دخلت حيز التنفيذ منذ يناير الماضي، كذلك ما يواجهه الاقتصاد التونسي من تحديات فرضتها هذه الاتفاقيات التي أزالت الحواجز الجمركية على عدد من المنتجات الأوروبية وهو ما شكل ضغطا على حكومة بن علي بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمية وبسبب ارتفاع نسب البطالة.
ووفق التقارير التي تتداولها وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية فإن الرئاسة الفرنسية تجاوزت بخطوات المراحل النظرية من هذا المشروع وتقدمت خطوات تنفيذية من ملامحها اختيار دولة المقر التي استبعدت منها كل من المغرب والجزائر وليبيا بسبب الخلافات الثنائية بين الجزائر والرباط من جهة وللظروف الخاصة التي تمر بها ليبيا من جهة ثانية وبالتالي فالحديث يدور بقوة على تونس العاصمة كمقر لهيئة لن تتحدد ملامح تسميتها النهائية حتى الآن تتكون من أجهزة إدارية تنفيذية ومن رئاسة ثنائية.
حيث تتكون من إحدى دول الاتحاد الأوروبي المطلة على المتوسط ومن دولة من غير الاتحاد الأوروبي. وستشكل سكرتاريا دائمة سيحدد المؤتمر التأسيسي تكوينها كما ستجتمع قمة الاتحاد سنوياً.
وسيضم الاتحاد المتوسطي في صيغته الجديدة 19 دولة هي: الدول الست عشرة المطلة على الأبيض المتوسط وهي: اسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص ومالطا وتركيا ولبنان وسوريا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب تضاف إليها ثلاث دول هي: الأردن والبرتغال وموريتانيا، وهي الدول التي سبق لها الدخول في مسارات تعاون مع الاتحاد الأوروبي منها عضويتها في مبادرة الشراكة الأورومتوسطية التي أعلن عنها في برشلونة في العام 1995 برعاية الاتحاد الأوروبي.
وسيسمح ميثاق الاتحاد الذي يتم الإعداد له لدول الاتحاد الأوروبي غير المطلة على المتوسط الدخول في عضوية هذا الكيان إن هي رغبت في ذلك. وسيكون جهاز الجامعة العربية وجهاز الاتحاد الأوروبي ممثلا بلجنته وبرئاسته مكوناً مهماً في الاتحاد المتوسطي.
بلوغ المشروع هذه المرحلة المتقدمة من الإعداد والحديث عن بحث التفاصيل التنفيذية يكشف عن حقيقة كون فكرة الاتحاد قد اختمرت منذ فترة طويلة قبل أن يكشف ساركوزي بنفسه النقاب عن ملامحه. فيما تتحدث أوساط أوروبية أن أسس المشروع قد تم وضعها من قبل نخبة من المخططين والأكاديميين وسياسيين طلب منهم ساركوزي حينما كان مرشحا للرئاسة، وأطلق عليه معدوه اسما رمزياً «تقرير ابن سينا».
وتضمن التقرير نقدا لدول الاتحاد الأوروبي لتركيزها على العلاقات مع الحكومات في دول جنوب المتوسط، وقلة سعيها لربط الجسور مع المنظمات والجمعيات المدنية التي تشكل نسيج المجتمع المدني في هذه البقعة من الأرض.
واستمر التقرير في التحذير من مغبة الحوار أو التواصل مع التيارات الأصولية داعياً الأنظمة الحاكمة في جنوب المتوسط إلى وجوب انتهاج الديمقراطية والحريات وتوسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل التيارات الإسلامية المعتدلة التي تنبذ العنف.
الطرح الساركوزي..استبشار في الجنوب لمكاسب في الشمال
الطرح الساركوزي لصيغة العلاقة بين ضفتي البحر المتوسط يطمح إلى الرقي بالعلاقات الأوروبية المتوسطية إلى مستوى العلاقات الطبيعية بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، فالأمر بات يتعلق بكيان متكامل وليس مجرد اتفاقيات شراكة تقدم علاقات تفاضلية في مجالات ما.
ولعل هذا ما حمل سياسيين وأكاديميين من الضفة الجنوبية، على إبداء تفاؤلهم بالمشروع الفرنسي الجديد، فثقل المشكلات التي تنوء بحملها دول الجنوب وبخاصة دول المغرب العربي التي لم تنجح في تشكيل كيان وحدوي بينها رغم توفر الروابط الجغرافية والحضارية والثقافية بين شعوبها وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن استفحال ظاهرة الهجرة السرية التي تشكل عبئا على الدول الأوروبية نفسها .
حيث تشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين 3 و6 ملايين مهاجر سري يعيشون على الأراضي الأوروبية غالبيتهم من الضفة الجنوبية للمتوسط، من شأن هذه القضايا أن تجعل «الجنوبيين» متحمسين ربما أكثر من ساركوزي نفسه لمثل هذا الاتحاد.
أما الأمر المهم بالنسبة لمكونات المجتمع المدني ومنظماته، هو أن الاتحاد سيوفر لهم في حدوده الدنيا قدرا من المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان التي كانت أوروبا تطالب بها دول المتوسط ولكنها بالمقابل تتغاضى عن الانتهاكات الحاصلة في هذا الأمر بسبب العلاقات الخاصة بين القيادات الأوروبية وبعض القيادات.
ففي هذه البلدان تختلف التطلعات نحو الاتحاد إلا أنها تلتقي في نفس النقطة فبقدر من يتطلع المستثمرون ورجال الأعمال إلى توسيع دائرة علاقاتهم الاقتصادية بقيام الاتحاد تتطلع شرائح واسعة من المثقفين والأكاديميين والسياسيين إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية وإلى رفع القيود على الحريات الأساسية وحرية التعبير في مقدمتها.
وهي الحوافز التي ستجدها شعوب الجنوب المتوسط في هذا الاتحاد، الأمر ذاته هو ما يراهن عليه ساركوزي الذي يحتاج إلى حشد جماهيري لمشروعه بالتزامن مع الحشد السياسي الذي بات حقيقة ماثلة للعيان.
من ناحية أخرى فإن الحديث عن تولي كل من الرئيس المصري محمد حسني مبارك ونيكولا ساركوزي رئاسة الاتحاد في دورته الأولى يعد تحفيزا لمصر لدعم هذا المشروع بعد أن سجلت القاهرة جملة من التحفظات عليه حين إعلانه.
فوزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط تساءل عن كيفية تمويل مثل هذا المشروع وكيفية تنفيذه دون سلام بين إسرائيل والفلسطينيين متسائلا عن طبيعة الدول التي ستنظم للاتحاد بما في ذلك إسرائيل وسوريا، لكن الشكوك المصرية لم تنف كون مصر ترقب باهتمام كبير هذا المشروع الذي ترى فيه عاملا مهما للمساعدة في توحيد شمال وجنوب البحر المتوسط وتنزع فتيل الكثير من التوترات.
وفي السياق، بادرت كل من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وإسرائيل بالترحيب بمشروع ساركوزي، وكانت ألمانيا تتحفظ عليه لأنها تريده أن يشمل دول الاتحاد الأوروبي غير المتوسطية وهو ما جرى الاتفاق عليه في مؤتمر بروكسل في شهر مارس الماضي فيما سارعت تركيا إلى رفض الاتحاد،.
معتبرة أن المشروع يقطع الطريق على أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يبقى مطلبها فيما تنظر للاتحاد الجديد كونه تجمعاً من الدرجة الثانية وقد بينت على لسان وزير خارجيتها عبدالله غول، ان الاتحادين كيانان مختلفان بعضهما عن بعض.
وخلال زيارة ساركوزي إلى المغرب أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس أن سياسة التقارب التي تتبعها بلاده مع الاتحاد الأوروبي تؤهله لتبوء وضع متقدم على خريطة العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا.
وفي ذلك ربما مسعى لتحقيق حلم لطالما راود العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني الذي كان طالب قبل رحيله مرارا بانضمام المغرب للاتحاد الأوروبي، لكن المطلب رفض في حينه وجاء الموقف المغربي في حفل العشاء الذي أقامه في مدينة مراكش على شرف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.