أن تعنى بالهم الإنساني، ومفاعيل المآسي الآدمية، من آن لآن، أمر يمكن تحمله رغم ما يخزنه في النفس من كآبة، أما أن تعيش جل حياتك ساعة بساعة في خضم الصراخات المجروحة والفجائع المتعددة الأشكال في عالم بات يتفنن في صنوف التعذيب والإفناء، فانه أمر لا يقوى عليه سوى قلة قليلة من البشر: هؤلاء هم العاملون في منظمات الإغاثة الإنسانية.
من هذه الفئة المنكوبة بحسها الإنساني العالي، هم العاملون في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. هؤلاء الذين تختزن جعبهم العشرات من القصص المؤلمة عن صنوف معاناة الضحايا.. ضحايا كل أنواع الظلم البشري ،ابتداء من الضحايا الأبرياء للنزاعات المسلحة، وذوي المفقودين، والأسرى، وحتى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم يلعبون الكرة في ملعب مفخخ بالألغام.. فطارت أقدامهم الصغيرة مع الكرة.
في سجن «بوكا» جنوب العراق، السجن الأكبر في البلاد، يراقب هشام حسن الناطق الرسمي باسم بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق، بعين توثيقية قسمات الحزن المخلوطة بمشاعر الضجر تارة والغضب تارة أخرى في انتظار انتزاع لحظات قليلة تختزل كل الأحاسيس الشفافة بين الأسرى وذويهم.
هي ذي الوالدة الطاعنة في السن والهم، تتسلى بمراقبة أرجوحات متواضعة نصبها الجيش الأميركي لأطفال المنتظرين رؤية أحبائهم خلف القضبان. تراقب واقفة ورافضة الجلوس، حتى لا تعلق أي لطخات بثوبها الجديد الذي ارتدته خصيصا لهذه المناسبة: «أمضيت ستة أيام عصيبة في الطريق من الموصل إلى البصرة، عانيت خلالها الأمرين، وها أنا البس أجمل حللي لكي يراني ابني الأسير على أفضل حال.. فيطمئن».
هي تعلم أن الدقائق المسموح لها برؤية ابنها لا تتسع لترف المظهر. لكنها تعول كثيرا على أن الصورة تغني عن الكلام. يواصل هشام حسن سرد القصة، لكن صوته يتهدج عند الخاتمة:« قبل أن تدخل الوالدة إلى قاعة السجن المخصصة للقاء الأسرى، في كابينات متلاصقة، أخرجت زجاجة عطر ورشت رسغيها بكثافة.
وحين سألتها عن المغزى قالت: لكي تلامس يد ابني كفي .. فتبقى رائحة عطري معه لساعات .. في الزنزانة». معاناة الأسر ترتبط بأخرى تزيد على خطورتها وتبعاتها، انها مأساة المفقودين. تتحدث اللجنة الدولية للصليب الاحمر، طبقا لمصادر جمعتها بنفسها.
نظرا لغياب الاحصاءات الرسمية، عما بين 375 الفا ومليون مفقود عراقي بين العامين 1980و2003، وفي السنوات الاربع التالية فقد عشرات الآلاف، وتعذر حسم مصيرهم ولا سيما أن المستشفيات لم تتلق سوى عدد قليل من الجثث.
جميلة حمامي، مندوبة الصليب الأحمر المكلفة بملف البحث عن المفقودين، تقول « إن عدم معرفة ما حدث لزوج أو أخ في خضم الحرب مسألة قاسية على النساء. وهؤلاء في مجتمعهن لسن أرامل ولا زوجات ايضا، وانما شيئا بين الأمرين. ومن جهة اخرى يصبحن كاسبات قوت أسرهن. واللجنة الدولية للصليب الاحمر تدافع بالنيابية عن عائلات المفقودين عن حق المعرفة، وعلى الدول واجب الكشف عما جرى للمفقودين وإبلاغ أسرهم».
الوجه الآخر للمأساة العراقية، يبرز بوضوح في قضية اللاجئين والنازحين والمهجرين. فمن هرب إلى خارج العراق، أسس لنفسه حياة رغم مرارة المنافي، أما من بقي فقد عايش أقسى أنواع الغربة داخل الوطن. التقديرات تشير إلى نحو أربعة ملايين عراقي تركوا منازلهم، بينهم نحو الثلث في منافي الوطن.
من الشهادات الحية التي جمعتها «الصليب الاحمر»، ما قاله علي ذو الثلاثة عشر ربيعا:« قبل سنتين غادرت بيتنا في البصرة مع شقيقتي البالغة (3 سنوات)، وذهبنا لنقيم في بيت خالتي. قال والداي انهما سيلحقان بنا خلال أسبوع. أخذنا بعض الملابس وحملت أختي دميتها.
انتظرنا أسابيع ولكن والداي لم يأتيا. قالت لي خالتي إنني رجل الأسرة الآن، وانه يتعين علي أن اعتني بشقيقتي التي لا تعرف أن الوالدين توفيا وتسأل دائما عن موعد عودتنا إلى بيتنا». ربى (38 عاما) تتشابه قصتها في درجة المعاناة وتختلف في التفاصيل:« غادرت محافظة الانبار مع أطفالي وزوجي قبل سنتين تقريبا. كان زوجي قتل أمام أعيننا.
ولحماية أطفالي هربنا تلك الليلة من دون أي شئ. والآن نعيش حاضرا مرا، ونعيش مع أسرة ابن عمي في غرفة واحدة وعددنا اثني عشر نفرا. لا أريد حياتي السابقة من جديد لأنها مستحيلة من دون زوجي. كل ما أريده لأطفالي هو أن يذهبوا إلى المدرسة وينعموا بحياة طبيعية».
لطالما راقبنا على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، مدنيون مكلومون يصرخون طلبا للنجدة بعد كل انفجار. فهل لهذه الصرخات من مجيب؟
على الأغلب الجواب هو لا.
والسبب هو تردي الوضع الصحي بشكل غير مسبوق في العراق، هذا البلد الذي كان يمتلك نظاما صحيا يضاهي أكثر الدول تقدما، قبل أن يبتلى بلعنة الحروب والفوضى.حاليا يوجد 172 مستشفى حكوميا، تضم 30 ألف سرير، بينما العدد الضروري هو 80 ألف سرير.
وهذه المرافق الصحية وغيرها تحتاج إلى ترميم بعد الخراب ، وهو ما يعد مستحيلا في ظل تردي الوضع الأمني. هذا فضلا عن أن المئات من العراقيين لا يستطيعون الوصول إليها بسبب كثرة حظر التجوال وحواجز التفتيش، فضلا عن افتقاد المؤسسات الصحية لأبسط مقوماتها.
يقدم الطبيب ابراهيم ،الذي يعمل مع الصليب الاحمر في بغداد ومحافظات الوسط، المثال على ذلك:« أعيش في بغداد مع والدتي التي تبلغ سبعين عاما من العمر.وفي حال أصيبت بنوبة أو ارتفاع ضغط الدم مثلا، فان هناك سيناريوهين: إذا حدث لها مكروه أثناء الليل يكون من شبه المستحيل نقلها إلى المستشفى بسبب حظر التجوال.
قد تأتي سيارة إسعاف من المستشفى لكن بسبب هذه العوائق يكون الأوان قد فات. أما إذا حدث لها مكروه أثناء النهار فان الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب يكون صعبا جدا نظرا للاختناقات المرورية والازدحام».
يضيف« أما بالنسبة للأمراض المزمنة فالوضع أصعب بكثير. هناك عدد قليل جدا من المستشفيات المتخصصة وقلة من الأطباء المتخصصين. فلعلاج السرطان مثلا، يمكن إجراء عملية جراحية داخل العراق ولكن من دون المعالجة بالمواد الكيماوية التي هي جزء حاسم من العلاج».